يجاهر البانديت نهرو رئيس وزراء الهند بنظريته في معارضة الأحلاف العسكرية في كل مكان، ويعترض خصومه على نظريته بأنها قد تصدق على الهند، ولكنها لا تصدق على غيرها. فالهند تتمتع بحماية طبيعية لوجود جبال الهيمالايا على حدودها الشمالية. وهذه الجبال المنيعة الرفيعة الذرى تكفل صد أية قوة تفكر في مهاجمة الهند، وتجعل الذين يفكرون في هذه المهاجمة يترددون طويلًا قبل القيام بها، لأنها تكلفهم جسام التضحيات، ولا تكفل لهم نصرًا محققًا أو نصرًا محتملًا؛ لأن الهند تستطيع أن تجند الملايين بسبب كثرة سكانها، ويجيب نهرو على ذلك بأن مناعة الهند الطبيعية بجبال الهيمالايا لا تصد حاملات القنابل الذرية والقنابل الهيدروجينية عن التحليق فوق تلك الجبال واجتيازها، وأنه مع ذلك مستعد لأن يقاوم كل اعتداء على وطنه إذا حدَّثت أي دولة نفسها بالاعتداء عليه، موقنًا بأن أحدًا لن يستطيع الاستقرار في الهند بعد أن استطاع الهنود إجلاء البريطانيين عنه.

ولما قيل له وهو في القاهرة إن موقف العراق يختلف عن موقف الهند كل الاختلاف، كان جوابه: لكن محالفة العراق أو غيرها من الدول لن تنجيها من العدوان عليها، بينما هي قد تنجو من العدوان إذا لم تحالف أحدًا، ولم تحارب أحدًا، وأنه إذا صح أن كان للأحلاف قيمة في الماضي حين كانت الجيوش هي التي تقتتل، فالأحلاف ضارة في هذا العهد الذري الذي يصيب أية دولة تتعرض للحرب بالخراب والدمار.

ويذهب الذين يخالفون البانديت نهرو عن رأيه إلى أن الدول التي تقاوم الشيوعية لا سبيل لها إلى هذه المقاومة إذا وطئت القوات الشيوعية أرضها، بإرادتها أو على كره منها. فقد رأى الناس الدول المجاورة لروسيا، والتي دخلت في نطاق الستار الحديدي وقد خضعت للنظام الشيوعي، غير قادرة على التخلص منه. فإذا لم تتضافر الدول الديمقراطية أو دول العالم الحر كما يسمونها، لصد تيار الشيوعية، وبقيت بعضها خارج نطاق الديمقراطيات الغربية على أمل النجاة من الدمار الذري فسيكون مصيرها أن تدخل ضمن الستار الحديدي هي الأخرى، وأن تصبح شيوعية بالرغم منها، وستصلى من نار ذلك النظام ما تصلاه غيرها من الدول الواقعة وراء هذا الستار في الوقت الحاضر، ولن تملك لنفسها بعد ذلك فكاكًا من الجحيم الذي تعانيه.

وليس غرضي أن أفاضل بين النظريتين، فالمفاضلة بينهما لن تقنع أيًّا من أصحابهما بالعدول عن نظريته، لكن العجيب في الوقت الحاضر أن كلا المتنازعين، أقصد الكتلة الشيوعية من ناحية والكتلة الديمقراطية من الناحية الأخرى، يَبْرَآن إلى الله وإلى الإنسانية من أنهما يريدان الحرب، وأنهما إذ يستعدان لها وينتجان القنابل الذرية والهيدروجينية، إنما يريدان منع الحرب أخذًا بالنظرية القديمة القائلة بأن الاستعداد للحرب يمنع الحرب. فالرئيس الأمريكي أيزنهاور يقول إنه يستعد للحرب حتى لا تلتهم الشيوعية العالم بما تندفع إليه من استعدادات جهنمية. والكتاب الأبيض البريطاني الذي نشر أخيرًا يذكر أن المملكة المتحدة تعمل جهدها للمحافظة على السلام، وأن هذه المحافظة على السلام تصبح وهمًا وخرافة إذا لم تستعد هي للحرب الاستعداد التام، والسوفييت من ناحيتهم يعتقدون أنهم يعملون للسلام، وهم يعقدون كل عام مؤتمرات باسم مؤتمرات السلام. وهم قد أعلنوا أخيرًا أنهم على استعداد لتدمير ما عندهم من القنابل الذرية بأنواعها إذا دمر خصومهم ما عندهم منها، وأنهم على استعدادٍ كذلك للتفاوض في إنقاص التسلح في دول العالم كله. فإذا كان الفريقان يريدان السلام تقديرًا منهما للكوارث القادمة التي يتعرض لها العالم إذا وقعت الحرب، فمَن مِن الدول إذن يريد أن يغامر بإثارة نيران الحرب الفتاكة المدمرة؟!

وهذا هو العجيب في الوقت الحاضر، وأعجب منه أن هذه الدول جميعًا تعرف فساد النظرية القائلة بأن الاستعداد للحرب يمنع الحرب. فهذه النظرية ليست بِنت اليوم، ولا بِنت هذا القرن. بل هي نظرية قديمة قدم الزمان. وقد أثبت التاريخ أن الاستعداد للحرب ينتهي إلى الحرب، صحيح أن بعض الأسلحة التي تؤدي إلى الهلاك بالجملة هلاكًا يصيب المدنيين والعسكريين قد عُدل عن استعمالها في بعض الحروب، وأن الدول المتحاربة لم تلجأ إلى الغازات السامة في الحرب العالمية الأخيرة. لكن أسلحة أخرى ليست أقل فتكًا قد استعملت، وكان من أثرها تدمير مدن بأسرها، ولم ينس أحد معركة بريطانيا سنة ١٩٤٠ حين كانت الطائرات الألمانية تحلق فوق العاصمة البريطانية وفوق المدن البريطانية الأخرى تقذفها بالقنابل فتصيب المدنيين والعسكريين على السواء. ولم ينس أحد الغارات الجوية التي دمرت عددًا كبيرًا من مدن ألمانيا وإيطاليا. كما أصابت دولًا غير محاربة، فإذا حدث أن وقعت حرب وعدلت الدول عن استعمال القنابل الذرية والهيدروجينية، فليس معنى هذا أن تكون تلك الحرب قليلة التدمير والفتك. فإذا استعملت هذه القنابل الذرية كان الفتك أدهى وأمرَّ وتعرضت الإنسانية كلها، لا الحضارة الإنسانية وحدها، إلى الفناء والدمار. وقد ذكر البانديت نهرو لغير واحد ممن قابلوه في القاهرة أنه يشعر بأن وقوع حرب عالمية في زمن قريب أمر غير محتمل وإن لم يكن مستحيلًا؛ لأن الدول الكبرى تخشى الفناء والدمار الذي يصيبها ويصيب الدول الصغرى معها. ولكنه مع ذلك يرى أن وقوع الحرب ليس مستحيلًا؛ لأن الظروف الطارئة التي تدفع الساسة للمغامرة بالأرواح والأموال في الحرب لا يمكن حصرها، ولا يمكن في بعض الظروف مقاومتها. ولهذا ترى الساسة والعلماء وغيرهم في حيرة لا يستطيع أحد منهم أن يتنبأ بالمصير الذي ينتظر العالم في مستقبله القريب.

وأعجب العجب أن هذه الحال التي يمر العالم بها قائمة منذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، ومنذ اجتمعت الأمم المتحدة في سنة ١٩٤٦، لتكفل سلام العالم على النحو الذي صُور في ميثاقها. ففي هذا الميثاق نصوص كثيرة تتحدث عن السلام، وأن الدول المشتركة في الأمم المتحدة هي الدول المحبة للسلام، وفيه كذلك تنظيم للوسائل التي تلجأ المنظمة إليها، ويلجأ إليها مجلس الأمن بنوعٍ خاص، لحماية السلام وقمع العدوان عليه. ومنذ سنة ١٩٤٦ نبهت بعض الأمم، ومنها مصر، إلى ضرورة تنفيذ هذا التنظيم لتصبح المنظمة أداة فعالة لكفالة الغرض الذي تألفت من أجله، ومع ذلك أُهمل هذا التنظيم إلى اليوم، والظاهر من الأطوار التي تمر بها الهيئة أنه سيبقى مهملًا إلى سنوات مقبلة، وستبقى الحرب الباردة متصلة بين دول الأمم المتحدة التي وقعت الميثاق بوصفها دولًا محبة للسلام.

وهذه الحال التي يعانيها العالم من تسع سنوات خلت، والتي لم يشهد العالم لها نظيرًا في تاريخه الحديث، يسوغها عند ساسة هذه الدول تناقض المبادئ الشيوعية والمبادئ الديمقراطية، كأن تجاور هذه المبادئ في تفاهم وانسجام وحسن جوار أمر مستحيل، وكأن ما بينها من تباين يزيد على ما بين الأديان المختلفة من تباين استطاعت معه الأديان الكتابية، والأديان غير الكتابية أن تعيش في سلامٍ تحت ظلال حرية العقيدة. والواقع أن التباين بين النظم السياسية والمبادئ الاقتصادية أيسر بكثيرٍ من التباين بين العقائد الدينية، لكن الناس استطاعوا في أمر هذه العقائد أن يصلوا إلى اتفاق على حرية الرأي، وعلى أن يكون النضال بينهم قائمًا على أساس الحجة والمجادلة بالتي هي أحسن. أما النظم السياسية والمبادئ الاقتصادية التي تقتتل اليوم، والتي تستطيع من غير شك أن تتفاهم، فلا تزال أدوات الجدل بينهما هي المدفع والغارات الجوية والقنابل الذرية. وهذه الأدوات من وسائل الجدل لا يمكن أن تنتهي إلى إقناع واقتناع، ولا إلى تفاهم على حرية الرأي والعقيدة، وإنما نهايتها نصر فريق وهزيمة فريق، ودمار الفريقين جميعًا منتصرهم والمهزوم، واحتمال الإنسانية لهذا الدمار الذي يهددها بالفناء.

ومع هذا لا تزال خشية الحرب وآثارها المدمرة تدعو كثيرين إلى التفاؤل بأن الحرب الواسعة النطاق لن تقع، وأن الحرب الباردة لا يمكن أن تدوم، وأن العالم لا مفر له من أن يصل إلى صلح على النظم والمبادئ، قد يكون من نوع الصلح الذي انتهى بين أهل الأديان المختلفة، وهؤلاء المتفائلون يبنون تفاؤلهم على أن العالم الذي تقاربت أجزاؤه، والذي أصبح الناس يسمع بعضهم فيه بعضًا عن طريق الإذاعة، فيسمع الديمقراطي في إنجلترا أو في أمريكا حجة الشيوعي في موسكو، ويسمع الشيوعي حجة الديمقراطيين الإنجليز والأمريكان وغيرهم، هذا العالم لا بد يومًا أن يدرك أن ما بين النظم والمبادئ من تباين يمكن التغلب عليه، أو الصلح على الأقل بشأنه، ويزداد هؤلاء المتفائلون تفاؤلًا إذ يرون أن ما بين هذه المبادئ والنظم من خلاف تضيق شقته، ويبلغ من ضيقها أن يسلم المحافظ البريطاني بمعنى من الاشتراكية في نظام الحكم لم يكن ممكنًا تسليمه به في العشرة الأولى من هذا القرن، وتسليم الشيوعي السوفييتي بحظ من الحرية الفردية في الحياة العامة كان يأبى الاعتراف به في أعقاب الثورة الشيوعية في موسكو. فليس بعيدًا والأمر كذلك أن يتصالح هؤلاء وأولئك على الحرية السياسية وعلى الحرية الاجتماعية، كما تصالح آباؤهم من قبل على الحرية الدينية، وأن يثمر هذا الصلح أن يتطور فيه الفكر الإنساني طورًا جديدًا قد يبلغ مدى يزيد الإنسانية تفاهمًا، ويزيد دعاة الوحدة الإنسانية رجاء لأن تتحقق رسالتهم وتثمر دعوتهم.

ومهما يكن من شيء فإن البانديت نهرو على حق حين يذكر أن الخلافات السياسية يجب أن تحل بالوسائل السياسية، والحكمة تقتضي الإنسانية أن تقلع عن مظاهر وحشيتها العلمية، وأن تسخر آثار العقل لخيرها بدل أن تسخرها لهلاكها. لقد انقضى العهد الذي كانت إحدى الدول تطمع فيه أن تسود العالم، كما سادته روما إبان إمبراطوريتها الكبرى، وقد دلت الحربان الأخيرتان على أنهما أثمرتا يقظة الشعوب كلها إلى الحرية، وعلى أن النصر والهزيمة فيهما كانتا متعادلتين. فلعل هذا وذاك يزيد آراء المتفائلين قوة، فنرى هذا العالم المضطرب اليوم وقد سادت أجواءه المحبة، وأظلت ربوعه نعمة السلام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.