رشحوا رجلًا للولاية عند عمر بن الخطاب فوصفوه بأنه «رجل لا يعرف الشر»، فقال عمر رضي الله عنه كلمته المشهورة: «ذلك أحرى أن يقع فيه.»

وما قاله الفاروق عن ذلك الرجل يسري على كل جاهل يتصدى لشر من الشرور، فإنه إن لم يقع فيه فهو ولا ريب عاجز عن القضاء عليه، وفي مصر تتصدى لمقاومة الشيوعية وزارة يرأسها رجل لا يوجد في داره كتاب عن مسألة واحدة من المسائل العالمية التي تعد الشيوعية اليوم في طليعتها، ويعاونه أناس لم يفقهوا عن حقيقة هذه الدعوة شيئًا غير ما يقرءونه في الصحف المصرية عرضًا أو ما يقرءونه في منشورات الدعاة التي تصل إلى أيديهم حينًا بعد حين، فهم يتكلمون عن خطر الشيوعية كأنهم يتكلمون عن الجن أو جزائر واق الواق، ويعملون كل ما يمهد الطريق للشيوعية وهم يحسبون أنهم يأخذون عليها منافذ الطريق.

قال رئيس الوزارة المصرية (هو مصطفى النحاس باشا) مرة أو عدة مرات: إن خطر الشيوعية بعيد عن مصر؛ لأنها تناقض دين الإسلام. وقال غيره إن هذا الخطر بعيد؛ لأن نظام الأسرة عريق بين المصريين، والشيوعية تهدم الأسرة من أساسها وتنكر الميراث والتوريث.

وكل هذا كلام أناس يجهلون تاريخ الشيوعية القريب، وهو في بعض الأحوال لا يعدوا تاريخ السنة الماضية أو تاريخ بضع سنوات معدودات.

فالصينيون يقدسون الأسرة ويبلغ من تقديسهم إياها أنهم يعبدون أسلافهم، وأن الأرباب عندهم أجداد طال عليهم القدم، وهم مبجلون معظمون فارتفعوا إلى مقام الآلهة في السماوات العلى وسُمي عاهلهم الأكبر «بابن السماء»، فهل اعتصمت الصين لأجل هذا من الفتنة التي جاءتها من روسيا الحمراء؟ وهل اعتصمت منها روسيا نفسها وهي بلاد اشتهرت بالتدين الشديد، ومضت عليها قرون وهي لا تؤمن إلا بالأب الكبير في السماء والأب الصغير فوق هذه الغبراء؟

إن عامة الناس حين يستمعون إلى الدعوة الشيوعية لا يفتحون كتبها ليوازنوا بينها وبين كتب الدين، ثم يقبلون ما يقبلون ويرفضون ما يرفضون، ولكنهم يقبلونها؛ لأنهم يرفضون الحالة التي هم فيها، ولا يبالون ما يكون إذا تغيرت هذه الحالة الكريهة كيفما كان التغيير، ولو كانت الشيوعية لا تنتشر بين الناس إلا بمقدار ما لها من قوة البرهان العلمي والحجة المعقولة لما آمن بها أحد، ولا صلحت للأخذ والرد في معرض المذاهب والآراء، ولكنها تنتشر كما ينتشر الوباء حيث توجد جراثيمه، وليس لها من جرثومة أقوى من جرثومة السخط كائنًا ما كان سبب السخط بين الجماعات.

ويخطئ من يظن أن السخط الذي يمهد للشيوعية راجع كله إلى الحرمان والعجز عن تحصيل القوت، فهذا ولا شك سبب من أقوى الأسباب أو على رأس جميع الأسباب التي تثير نفوس الساخطين ولكن الحرمان قد وجد قديمًا ولم توجد معه الشيوعية كما وجدت في العصر الحديث.

وإنما توجد الشيوعية حين يقترن الحرمان بفقدان الثقة وضياع الأمل في العدل والاستقامة ونزاهة الأحكام، فليس الشيوعي شيوعيًّا على قدر حرمانه وتعسر معيشته، بل هو شيوعي على قدر شكواه من الظلم وقنوطه من صلاح الأمور. وتشتد مرارة الشكوى بطبيعة الحال إذا اعتقد الشاكي أنه محروم، وأنه مع حرمانه مظلوم.

هذه هي الجراثيم التي لا يفلح أحد في القضاء على الشيوعية ما لم يفلح أولًا في القضاء عليها. فهل تفلح الوزارة النحاسية في القضاء على تلك الجراثيم؟ وهل من القضاء على جراثيم الشيوعية أن يلمس الناس سيطرة أصحاب الملايين التي لا يقف في طريقها قانون ولا دستور؟ وهل من القضاء عليها أن يقرأ الناس أسماء الأقارب والأصهار والصنائع والمحاسب في كل أمر يصدر بالتعيين أو بالترقية أو بالترشيح لمناصب الدولة لغير كفاءة ولا اكتراث لمصلحة الحكم والمحكومين؟ وهل من القضاء عليها المباهاة بالترف علانية وتكليف الخزانات العامة أو الخاصة نقل الفاكهة بالطيارة من قارة إلى قارة في الوقت الذي يُفرض فيه على الناس أن يصوموا عن الطعام؟

إن اندفاع الجماهير إلى الشيوعية أو سواها من مذاهب الهدم والانقلاب لا يأتي من دراسة المذاهب والموازنة بينها على روية وبصيرة كما يفعل العلماء أصحاب البحوث، ولكن الجماهير تطلب التغيير ولا تبالي ما يكون من عاقبة التغيير، وهي لا تطلب إلا إذا سخطت على ما هي فيه فلا تستمع إذن لمرشد ولا نصيح، ولا تلقي بالها إلا لمن يزين لها التهجم والاندفاع، ويوافقها على الهدم والتخريب.

إن السخط هو جرثومة الشيوعية. وشر السخط في هذا العصر ما اجتمع فيه الحرمان وسوء الظن بمبادئ العدل والمساواة، فهل تستطيع الوزارة العاجزة أن تكافح الحرمان، وهي ترجع بالشعب إلى قيود الحرب بعد سنوات من توقف القتال؟ وهل تستطيع وزارة المحسوبين والأقرباء أن تقضي على سوء الظن بمبادئ المساواة وتقدير الكفاءات والحقوق؟ وهل تستطيع وزارة التعطيل أن تجمع بين تعطيل الأعمال الكبرى وتدبير الأعمال للعاطلين؟ وهل تستطيع وزارة المنجة والبطيخ والبيجامات المزخرفة أن تحث الناس على الشظف والقناعة والصبر عن الضرورات؟ وهل يُقضى على الشيوعية في عهد يتسامع فيه المصريون بأخبار المزارع والعمارات التي يشتريها هذا وذاك بمئات الألوف؟

إذا كان المقصود هو نشر الشيوعية وبذر جراثيمها فلا حاجة إلى مجهود آخر غير الأمثلة المحسوسة التي يلمسها الناس في كل صباح ومساء؛ فأما إذا كان المقصود هو القضاء على جراثيم الشيوعية، فزوال الوزارة النحاسية وزوال آثارها هو العلاج الأول الذي يتبعه علاج كثير.

وكلما طال العهد بأساليب هذه الوزارة طالت بعدها فترة العلاج إلى زمن مجهول. وأسلم ما تكون العاقبة إذا وثقنا بالسلامة ولو بعد العلاج الطويل والعناء الشديد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.