إذا سألت الطفل في كُتَّابه، أو اليافع في مدرسته، أو الطالب في معهد علمه، أو الرجل في بيته بين زوجه وأولاده، أو الشيخ الذي لحقه الكبر وأرعشه الهرم من هو أكثر الممثلين كفاية وأتعسهم حظًّا لقالوا لك جميعًا: عزيز عيد، فهو الرجل الذي حباه الفن بأسراره، واختصه الله بتلك المواهب الطبيعية، ولكن الدهر رماه بسهامه القاتلة، وأحاطه بالبؤس من كل جانب، فمشي في طريقه مشية المفجوع، يبحث عن الخطة التي تدنيه من غايته، فلا يستجلي غير الصواعق، ولا يسمع غير دوي الألم يدب في قلبه مقطعًا نياطه، ممزقًا البقية الباقية فيه من أمل ورجاء، فإذا رأيته بعد ذلك وقد انحل من عقدته، وانتبه من رقدته، وقام لتأليف جوق جديد غير عابئ في سبيله بما حملته الأيام، تراه مشرق الجبين، ضاحك الوجه، يبتسم ويقفز ويصرخ، ثم يمثل فلا يعيش جوقه غير أشهر معدودة، ويرجع عزيز لألمه القديم، فيسير في طريقه مطأطئ الرأس، ناعس الأجفان، ترتسم على وجهه الشاحب صورة اليأس والتعاسة. فحياة عزيز عيد حياة مضطربة، عجيبة، مملوءة بحوادث التمثيل وغرائبه. ولم يعرف عزيز في حياته عيشًا أبلج الوجه، فإن لاح له فجر الأمل لا يلبث أن يتطرق إلى قلبه اليأس، على أن الرجل ليس له مطمع للثروة والغنى، ويكفيه من العيش شيء زهيد، وكل ذلك حبًّا في الفن، وتحقيقًا لأمله الكبير الذي يخشى أن يموت عزيز قبل تحقيقه.

يريد عزيز ألا يساير أهواء رجال الفن في مصر مختطًّا لنفسه شرعة أخرى، يصل بها لما يرمي إليه من يوم احترافه للتمثيل، فلئن استُهدف للمحن ونجا غيره فما مثله إلا كالدوحة الشماء تلاقي غضب العاصفة لشموخها، ويسلم الحشيش الذي يميل أينما اتجهت الريح الهوجاء. وعزيز لم يصادف بعد في طريقه رجلًا يميل لرأيه، ويمشي على أثره وإن صادفه يومًا كان ذلك الرجل خالي الوفاض، فارغ الجيب، لا يمد عزيز بغير البضاعة الفنية والإخلاص في القول والعمل، وعزيز يحتاج لشيءٍ آخر، للمال الذي بغيره لا تنفع قدرته الفنية، ولا يتحقق أمله الكبير.

نشأته، أمله الكبير، عيوبه، مميزاته

لا نعرف عن نشأة عزيز شيئًا كبيرًا، وسيان عندنا أن كانت ولادته في ربوع الشام، أو في أرض النيل، ويكفينا أن مآثره الفنية لم تظهر في غير بلادنا، ففيها فاتحة أمره، ونأمل أن تكون فيها خاتمة عمره، فإذا أردنا أن نكتب ابتدأنا بأول سطر من حياته التمثيلية، بيد أنه قيل لنا إنه كان موظفًا في مصرف من مصارف القاهرة، وقيل إنه كان يمثل في جمعيات ألفها بعض الغواة في مصر، وقيل ولكن الأهم من كل ذلك أنه احترف التمثيل من يوم أن دعاه اسكندر أفندي فرح لتأليف جوقه الذي ظهر به بعد انفصال الشيخ عنه، ومن ذلك اليوم تثبتت أقدام عزيز على المسرح، وأصبح بقاؤه موصولًا ببقائه، ونفسه متعلقة بأخشابه وستائره. وظل عزيز عيد من ذلك العهد يتقلب على الجمر، ويتقلق على جنب الضجر يبحث عن غايته التي كانت تجول في رأسه فتضيق حيلته، وتضيع وسيلته، فما هو هذا الأمل الكبير الذي يثور في قلب عزيز والذي يصعب عليه تحقيقه، والذي لا يقوم به غير الليِّن من غير ضعف، القوي من غير عنف، وما هي مميزات عزيز؟ وما هي عيوبه التي تنتحر من أجلها آماله وتذهب أدراج الرياح؟

أمله الكبير

عزيز عيد يحب التمثيل كما يحبه أبيض ورشدي، ويغار عليه كما يغاران عليه، ولكنه ينظر إليه من وجهه أخرى، فالتمثيل في نظر الجميع كالروضة التي تترنح معاطفها، وتتناغى أطيارها، ولكن عزيز يرى أشجار تلك الروضة وأزهارها وطيورها كلها غريبة عن أعين المصريين، ولهذا يود ممثلنا الكبير أن يقوم بيده، وفأسه يقطف هذه الأزهار، ويقلع هذه الأشجار، ويشتت شمل هذه الأطيار، ثم يزرع عوضًا عنها أشجارًا لا تنبت إلا في تربة مصر، ولا تزدهر بغير زهور مصر، ولا يسكنها غير البلبل والكروان وعصفور الجنة والقمري والحمام واليمام، فرشدي وأبيض يمثلان الأنواع العديدة من الروايات، وسيان عندهما أن كان جو رواياتهما بلاد الهند والسند، أو اليابان والصين، أو فرنسا وإنكلترا، أو كانت موضوعاتها عامة توافق ذوق المصري والأجنبي، أو خصيصة بذوق المصري، ولكن عزيز يرى أن الروايات المصرية المصبوغة بصبغة البلاد، والتي تدور حوادثها في مصر، والتي يحلل فيها المؤلف النفوس المصرية مفقودة معدومة، لا أثر لها في بلادنا، ولهذا يود ممثلنا الكبير من صميم قلبه أن يكون أول القائمين بهذه النهضة، فإن انفرد بجوق يرأسه ابتدأ بتمثيل الفودفيل ليمتلك به قلب جمهوره، ثم يسير به في طريق الكوميدي المصرية، وإن انضم لجوق من الأجواق الكبيرة اشترط على رئيسه أن يسمح له بتمثيل الروايات التي تروق في عينه ليتسنى له أن يمثل الفودفيل، ثم الكوميدي المصرية. وكم من مرة جلست معه نتجاذب أطراف الحديث، فكان يقول لي وهو يبتسم: «لقد عاكستني الظروف فلم أنجح، ولكني سأعيد الكرة، وأبدأ بالفودفيل الإفرنسي، حتى إذا شعرت بميل الجمهور إليه قدمت له رواية من نوع الفودفيل المصري، ثم رواية بين الفودفيل والكوميدي، فإذا استحسن الجمهور عملي أخرجت له الكوميدي المصرية، وبهذا أكون قد وصلت لتحقيق ذلك الأمل الكبير، بل ذلك الخيال الغريب البعيد.» فالناس جميعًا ترمي عزيز عيد بتلك التهمة الشنعاء، تهمة إخراج الفودفيل الإفرنسي المملوء بالألفاظ القبيحة، والعبارات المخجلة، ولكنهم لا يعلمون أنه يود أن يتدرج بهم من الفودفيل الإفرنسي إلى الفودفيل المصري، ومنه إلى الكوميدي المصرية، ولعل هذا السبيل الذي يسلكه عزيز عيد هو السبب في خيبته وتدهوره، ولو رآه الجمهور وهو جالس يقول: «إني رجل كبير الأمل، لا أخشى أن يقتلني ذلك الخيال الذي تراه عيني في كل ساعة، وإني على ثقة من خروجي من كل ذلك صفر اليدين لا أملك أبيض ولا أسود، ولكني أريد أن ترى عيناي قبل أن يغمض الموت أجفاني، ذلك الخيال قد تحقق، ولا يهمني بعدُ أن يراني الناس على فراش موتي فقيرًا بائسًا، لا أملك ما أسد به رمقي.» ثم يتنهد ويقول: «ولكن ما حيلتي والجمهور لم يعرني سمعه، ولم يكفف عني، فأنا ضحية ذلك الجمهور الذي لا أريد إلا خدمته خدمة خالصة من الطمع والأنانية.» أجل لو رآه الجمهور وهو يقول ذلك، وعرف أن الرجل المسكين أصبح فريسة ذلك الهم الذي قرح قلبه، لأقبل عليه وساعده على تحقيق أمله الكبير.

عيوبه

فما هي عيوب عزيز عيد، بل ما هي الأسباب التي تقف في سبيله تمنعه عن أن يصل إلى غايته؟

لو نظرنا لعيوبه نظرة المدقق، لعرفنا أنه ذو عيوب أربعة؛ الأول: عدم إرادته، وينتج من ذلك قلة ثباته في أعماله، وعدم صلاحه لأن يكون مديرًا. والثاني: جهله الطريق التي تصل به لغايته. الثالث: تمثيله الأدوار التي لا تتفق مع طبيعته. الرابع: ثقته بعد كل ذلك في إرادته وكفايته للإدارة ولتمثيل الأدوار التي تروق في عينه، ووقوفه على السبيل الذي يتحقق به أمله.

عيبه الأول: أول ما نعيب على عزيز فقدانه إرادته، وينتج عن ذلك كما قلنا عدم صلاحيته لأن يكون مدير جوق، وقلة ثباته في أعماله، فتجده أحيانًا يمثل في جوق أبيض، ثم تراه انتقل إلى جوق عكاشة، ثم يغادر جوق عكاشة ويؤلف جوقًا يحمل اسمه، ثم يحله بعد أشهر معدودة، ثم يمكث مدة من الزمن لا تسمع عنه شيئًا، ثم يعيد تأليف جوقه، ثم يحله، ثم يعود لأبيض، ومنه إلى عكاشة، ومن عكاشة إلى جوق يؤلفه، وهكذا يدور عزيز حول الدائرة التي رسمتها له الأيام، حاملًا معه أمله الكبير الذي يكاد أن يضيق صدره عن احتماله، وتراه في كل جوق من الأجواق هو عزيز عيد الرئيس الفني، يعلم الممثلين، ويبتكر المناظر والمواقف، تراه غيورًا على عمله، يجد ويعمل ويذهب ويجيء ويصرخ صرخاته المحبوبة من تلاميذه، فهو على المسرح قوام كل مائل، ومفزع كل ملهوف.

ولكنه مفقود الإرادة والصبر، لا يتسع صدره لتحمل تلك الصدمات الشديدة التي تحول بينه وبين أمله الكبير، ولهذا يغادر الجوق الذي يعمل فيه إلى جوق آخر لا يكون نصيبه فيه خيرًا من نصيبه في الجوق الأول، ولو عرف عزيز أن لا درع كالإرادة، ولا حصن كالصبر لمكث في الجوق الذي يعمل فيه يقاوم ويغالب إلى أن يصل لأمنيته، ويقع على مطلوبه. وينتج عن ذلك حسن ظنه بالناس، واعتماده على كل من يلبس له لبوس المودة والإخلاص، فإذا ما سأله مدير من مديري الأجواق أن ينضم إليه ليعملا معًا على خدمة الفن، وعلى تحقيق ذلك الأمل الكبير، تراه وقد تردد قليلًا، ولكن المدير لا يلبث أن يطويه بحسن كلامه، وكثرة وعوده، فينضم عزيز إليه بلا قيدٍ ولا شرط، ويقف تحت لوائه إلى أن يرى أمله الكبير تعبث به الأهواء، وتزريه رياح الأغراض، فيغادر الجوق إلى جوقٍ آخر، بل ليس شيء في الوجود أسهل من إغراء عزيز عيد على ترك الجوق الذي يعمل فيه إذا أتيته من سبيل أمله الكبير، ولهذا نجرؤ ونقول إن عزيز أكثر الممثلين كفاية وأقلهم صلاحية لأن يكون مدير جوق.

عيبه الثاني: وثاني عيوب عزيز جهله الطريق الذي يصل به لغايته. يظن عزيز أن بتمثيله الفودفيل الإفرنسي يملك أعنة الجمهور، ويسير به في الطريق الذي رسمه لنفسه لتحقيق أمله، ولكنه نسي أن هذا النوع من الروايات لا يوافق كثيرًا الذوق المصري، وقد أثبتت له الأيام ذلك. فعلام يقدم لنا في كل مرة يثب فيها لتأليف جوقٍ جديد «خلي بالك من أميلي، وعندك حاجة تبلغ عنها، يا ستي ما تمشيش كده عريانه»؟ ولعل السبب الذي يدفع عزيز للتمسك بهذه الروايات هو ما يراه من إقبال الجمهور على الريحاني، ولهذا لا يتحول عزيز عن البدء بالفودفيل ظنًّا منه أن كل شيء يضحك يكون مدعاة لإقبال الجمهور، ولكنه نسي أن الريحاني يقدم للجمهور شيئًا مصريَّا بحتًا يسهل على الجمهور فهمه، بل مجموعة من ألحان السوقة يهذبها المؤلف، ويؤلف لها كلامًا مسرحيَّا يقدمه للجمهور في شكلٍ جديد، وما هي إلا ألحان «عصفوري يامه، ولا ملامه عليك يا عيوني» وهذا هو سر نجاح الريحاني، أما روايات عزيز فكلها إفرنكية يمجُّها الذوق المصري، ويا حبذا لو ألهم الله عزيزًا أن يبدأ أعماله بروايات مضحكة مصرية بحتة «كدخول الحمام مش زي خروجه»، حتى يظهر للجمهور ما يجري في بيوته وفي شوارع بلاده وأزقتها، فيقبل الجمهور عليه، ويتسنى لعزيز حينذاك أن يسير به من الفودفيل المصري إلى الكوميدي المصري، وعندها يكون قد حقق أمله الكبير.عيبه الثالث: وثالث عيوب عزيز تمثيل الأدوار التي لا تليق به، وقد تمسك بهذا العيب الكبير من يوم تأليفه جوق الفودفيل، فقد كنا نرى «عزيز» قبل ذلك لا يمثل غير الأدوار التي توافق طبيعته، وأمامنا أدوار «شمبرال في القضية المشهورة» ودور «باسبارتو في الطواف حول الأرض» ودور «اللص في نتيجة الرسائل» ودور «صاحب معامل الشيكولاته في العواطف الشريفة» دليل قاطع على صحة ما نقول، ولكنه تحول عن هذا الطريق من يوم تأليفه جوق الفودفيل وعذره في ذلك أن الدور المهم لا يصلح إلا لمدير الجوق، وهذا خطأ فادح، اتخذ عزيز من ذلك العهد سنة تمثيل الأدوار المهمة، ولهذا حتم على نفسه تمثيل أدوار الفتى الأول Leude premier ومن كان له وجه غير جميل كوجه عزيز، وجسم ضئيل كجسمه، وصوت بين الضعف والقوة كصوته خير له وأولى أن يبعد عن هذه الأدوار، ولكن «عزيز» يرى غير ذلك، ومن البلية أن يكون الرأي في يد من يملكه دون من يبصره، وإن قارن عزيز بين دوره في «خلي بالك من أميلي» ودوره في «دخول الحمام مش زي خروجه» أو بين دوره في «عندك حاجة تبلغ عنها» وبين دوره في «القرية الحمراء» لظهرت له الحقيقة ناصعة كالشمس، ولتمسكَ بالأدوار التي تليق به.عيبه الرابع: وعيبه الرابع وهو في نظرنا أكبر عيوبه هو اعتقاده بعد كل ذلك في قوة إرادته في كفايته لأن يكون مديرًا، أو لأن يمثل كل دور مهم، وفي اهتدائه إلى السبيل السوي الذي يصل به لتحقيق أمله، وينسب خيبته إلى صروف الدهر وتقلبات الأيام، ولو عرف عزيز أن الحرب في الحياة سجال، وأن الصبر والإرادة والأناة والرجوع للحق واختبار الناس أبلغ فيها من كل مقال، لما تجشم في حياته ما تجشم، ولأصبح منفسح الأمل سعيد الحال، وليعلم أن الأمور بغتات فليكن على حذر، وعليه بانتهاز الفرصة والتماس الحقيقة، أما إذا بقي على حاله فإنا نخشى عليه أن تذهب ريحه ويفشل وهذا ما لا يرجوه له كل محبٍّ للفن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.