كان سعد — رحمه الله — رضي العظمة في كثير من صفاته، كما كان رضي العظمة في كثير من أعماله وأقواله ونظراته.

ومن آيات عظمته أنْ تُذَكِّرنا به الحوادث بعد خمس وعشرين سنة من وفاته، وأن نرجع إلى رأيه فيها، فإذا هو مَقْطَع الصواب وفَصْل الخطاب.

كان «الرجعيون» يتهمون طلاب الإصلاح والحرية بالثورة على العرش والثورة على القانون، فكان سعد يُجِيب تلك «التهمة» بأن الحكومة هي الثائرة على الأمة، ويشرح تلك الفكرة القوية بمقالاته التي جعل عنوانها «ثورة الوزارة على الدستور»، وكان يُوقِّعها بحرفي «س. إ.» أي سعد إبراهيم، واسم أبيه كما هو معلوم «إبراهيم زغلول».

لم تكن الأمة ثائرة، بل كانت هناك ثورة على سلطة الأمة، وكانت الثورة ثورة الحكام لا ثورة المحكومين؛ لأنهم يغتصبون ما ليس لهم من سلطان.

***

إن الذي حدث اليوم بعد خمس وعشرين سنة هو قمع ثورة وليس بثورة، وفي هذا الفهم الصادق لحقيقة الواقع تصحيح لأقوال القائلين عما جرى حتى الساعة، وعما سيجري بعد الساعة في هذا الاتجاه القويم.

إن الثورة خروج عن مجرى الأمور، أما الذي حدث في مصر فهو إزالة العقبات التي كانت واقفة في مجراها، ثم يستقيم كل شيء على أحسن سبيل.

إن هذه الأمة لم تخرج عن مجراها في سُنَّة من سنن الحكم أو سنن الاجتماع، ولكنها كانت تتعثر في مجراها كلما صدمتها العقبات ووقفت في طريقها السدود، ثم زالت العقبات والسدود، فأقبلت تمضي على اطراد في طريق الهداية والتوفيق.

كان فاروق سدًّا في مجرى النهر يصده ويُفرِّق مسيله، ثم ارتفع السد فاستقام المسيل واجتمعت شُعَب الماء من حيث تفرَّقَتْ قبل ذلك، فلا تغيير في مجرى الأمور … بل كل ما هنالك من التغيير — وأصلح ما يكون التغيير المطلوب — أن يخلو سبيل التقدم من العوائق والحوائل، فليس ثمة ما يَعُوق أو ما يَحُول.

كان الملك «العاصي» ثائرًا على الأمة فقُمِعَتْ ثورته، وليس من الوصف الصحيح للحوادث أن يُقال إن أمة ثارت على مَلِك في هذا الزمان، فإنما يثور الملوك إذا خالفوا الدساتير، فأما أن تثور الأمم — وهي مصدر الدساتير — فذلك المحال الذي لا يستقيم به المقال.

***

في يومي الخميس والجمعة السابِقَيْن ليوم السبت الذي نزل فيه فاروق عن المُلْك، شاءت المصادفة أن أَحْضُر مجامع كثيرة من مختلف البيئات والآراء.

حضرتُ مجمعًا فيه نخبة من الشيوخ والنواب الذين تولوا النيابة عن الأمة غير مرة، وحضرتُ اجتماعًا في مكتبة، وسمعتُ سيدة في نحو الخمسين بين ذويها وأبنائها، وسمعتُ صناعًا يتحدثون وهم يشتغلون بتبديل إطارات السيارات، فوالله لقد كان السؤال واحدًا في هذه المجامع قاطبة كلما جرى ذكر الانقلاب الأخير!

كان السؤال الذي اتفق عليه الجميع: وهل يبقى فاروق ملكًا بعد هذا؟! إن بقي فيا ضيعة العمل الذي تعبوا فيه!

وكنتُ في الإسكندرية فهمَّني أن أعرف جواب المصلين في المساجد على الدعاء المألوف بعد خطبة الجمعة، وسألتُ عن خمسة مساجد متفرقة بين أنحاء المدينة، فلم يكن منها غير مسجد واحد ذكر خطيبه اسم فاروق كما هو مكتوب عنده، فلم يجبه أحد قط بالتأمين!

أما بقية المساجد، فمنها مسجد دعا فيه الخطيب بالنصر لجيش المسلمين، ومسجد دعا فيه بالنصر للملك غير مشفوع باسم من الأسماء، ومسجد حُذِفَتْ فيه العبارة حذفًا بجملتها ولم يستغرب أحد حذفها، وقيل لي إن وزير الأوقاف كان حاضرًا في أحد هذه المساجد التي أهملت الدعاء المحفوظ.

كان هذا يوم الجمعة …

وفي يوم السبت، طلب الجيش المصري من فاروق أن ينزل عن عرشه باسم الأمة، فتمم في الواقع ما كانت الأمة تريده وتتمناه.

ليست هي ثورة بأي معنى من معاني الثورة، ولكنها قمع للثورة وتقرير لسلطان الأمة، وإنجاز بالفعل لما جاشت به الصدور وتجاوبت به الألسنة في المحافل والمنازل والطرقات.

***

ونعود فنقول إن الثورة لا تُفْهَم على وجه من الوجوه إلا إذا تغيَّر مجرى الأمور في البلاد. ومجرى الأمور في البلاد المصرية لم يتغيَّر، بل هو قد اعتدل واستقام، بعد أن قامت في طريقه العقبات تعترضه وتُقطِّعه وتُفرِّقه، وتتركه من هنا وهناك هدرًا مضاعًا بين الوحول والرمال.

ليس عمل من الأعمال التي يدور عليها البحث اليوم خليقًا أن يُحْسَب من قلب الأوضاع وتغيير مجرى الأمور، ولا استثناءً في هذا لحدود الملكية الزراعية وما إليها من الحدود الاقتصادية التي تبدو للناس أنها خارقة من الخوارق في أوضاع هذا البلد.

فلا خارقة في هذه الحدود حيث نذكر أن الملكية الزراعية لم يكن لها وجود بمصر في أول القرن التاسع عشر، وأن المصري الذي غبر له جدَّان اثنان يملكان الضِّياع الواسعة أنْدَرُ من الكبريت الأحمر.

كل هذا من الأمور التي تقبل في مصر التعديل والتنظيم ولا تُسمَّى قلبًا للأوضاع أو تغييرًا لمجرى الأمور.

كلا؛ إن الأمور لتعود إلى مجراها، وتستقيم في اتجاهها، وأيًّا كان الرأي الذي يستقر عليه البحث في شئون الثروة الزراعية أو التجارية فليست مصر في ثورة ولا في انقلاب، ولكنها تقمع الثورة وتَحُول دون الانقلاب الذي كان وشيكًا أن يحدث لو بقيت المحنة حيث كانت، وقد ذهبت بحمد الله إلى غير رجعة، واعتدلت هذه الأمة على النهج السوي حاكمة بأمرها قاضية على الثورة في حكومتها، وخيرًا إن شاء الله عاقبة هذا القضاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.