من زمن بعيد يشكو كتَّابنا مما في أدبنا الحاضر من الفوضى، ويشكو علماؤنا والمشتغلون بالمسائل الفنية منا قصور لغتنا الحاضرة عن أن تقدم كل ما يستلزمه العلم اليوم من مفردات تقابل الأسماء الجديدة في مختلف فروع الفلسفات والشرائع والصناعات والعلوم، ولقد وجدت هذه الشكاوى آذانًا مصغية دائمًا فقام أفراد كثيرون من ذوي المراكز في البلد في أوقات مختلفة يريدون تلافيها وتكونت جمعيات جعلت غرضها العمل للخروج من هذا الموقف الحرج، ولكن هذه المجهودات كانت لا تبلغ من الطريق الذي ترسمه لبلوغ غايتها إلا الخطى الأولى ثم تنحل وتتداعى تاركة أثرًا ضئيلًا قد يدخل في حركة البلد العامة، وقد يتلاشى لعدم ملاءمته الوسط ملاءمة تضمن حياته، ولهذا رأيت فكرة إصلاح اللغة والأدب من طريق تحكم فرد أو جماعة في الألفاظ والأسلوب اختفت زمنًا غير قليل، وترك هؤلاء الأفراد وذوو المراكز وهاته الجمعيات الأولى الميدان حرًّا لمن يتقدم فيه من الكتَّاب واللغويين، وكأنما شعروا أخيرًا أن اللغة بذاتها مخلوق حي ينشأ وينمو على طريقة نشوء المخلوقات الحية ونموها، وهي باتصالها بالمجموع صفة من صفات هذا المجموع يجب أن تبقى دائمًا متناسقة مع باقي صفاته وقواه.

لكن هذه الحركة التي كانت قد خبت زمنًا نراها رجعت اليوم وظهرت في مثل الأشكال التي كانت تظهر فيها من قبل، وإن كانت الأسماء التي تكوِّن المجموع الجديد أضخم وأفخم، ونحسب أهم أسباب ظهورها ما أثْرت به الحرب من سد كثير من السبل على الأفكار أن تجول وترتع فيها، فرجعت هذه الأفكار من مسارحها الأولى، وجعلت تفكر في بعض مسائل العلم أو اشتغل أصحابها بترجمة شيء من كتبه فلم تقدم لهم أفكارهم كل الألفاظ التي يريدونها، فلجأت للجماعة وآثرت احتفاظًا بمظهرها العودة باسم الإصلاح لتلك الأطلال القديمة التي كانت قد هجرتها بعد إذ علمتها التجربة أن لا فائدة منها ولا جدوى. رجعت إليها وتظن — عن حسن نية — أن ما أخفقت فيه بالأمس قد يصادفها فيه النجاح اليوم، وتوقن من جهة أخرى أن هذه الأطلال آمن المواقع في وقت يضطرب فيه جوف العالم لا بنيران البراكين، ولكن بدماء الإنسانية الحارة يريقها أبناؤها الأبرار في ميادين الفخر دفاعًا عن الشرف والإنسانية والحرية.

وما كان لنا أن نسأل أيًّا منهم عن الملجأ الذي يدَّرع به لأننا لا نناقش اليوم أحدًا حساب ضميره الذي يملي عليه حركاته وتفكيراته، ولكنا نحسب أنفسنا في حِل من أن نستفسر المجمع الجديد العظيم عما إذا كان من الممكن عقلًا وتجربة أن تنتج مجهوداته النتيجة التي يقول إنه يرمي إليها أو أنها مجهودات محكوم عليها أن تقف عندما وقفت عنده مجهودات دار العلوم؟ ثم أن نبدي رأينا فيما نعتقده موصلًا للغرض الذي يريده المجمع، وهذا الغرض هو وجود معجم وافٍ بحاجة الزمن شامل اصطلاحات العلوم والفنون والصناعات.

ونرى أن نبدي هنا ملاحظة نعتبرها حجر الأساس بالنسبة لتفكير أينا في هذا الموضوع، تلك الملاحظة هي أن اللغة صفة من صفات المجموع الذي تقوم فيه متصلة به تمام الاتصال تتبع في سيرها وفي تطورها الخطى التي يخطوها المجموع، وهي في ذاتها كائن حي يسير في نموه سير الكائنات الحية، أي يتدرج نحو الكمال كلما لاءمت الظروف تدرجه ويتدرج إلى حفرة الموت ما كانت المحيطات به غير ملائمة له، وإن تاريخ اللغات كلها لشاهد عدل بهذا، وما نظن أحدًا من أعضاء المجمع الأفاضل يراه محل مناقشة مطلقًا، فإن اللاتينية واليونانية ظلتا لغتين تدرسان في فرنسا وفي غيرها من ممالك أوربا أعصرًا وقرونًا، وكانتا لغتي الإنجيل وآي الدين وأصول أدب البلاد، ولم يمنعهما ذلك من التدهور شيئًا فشيئًا تدهورًا أدى بهما ليكونا اليوم في عداد الأحداث التاريخية التي يختص بها أفراد معينون، ومهما قيل من أن هذه اللغات القديمة هي أصول اللغات الأوربية فإن تقدم اللغات الجديدة أدخل إليها كثيرًا من الألفاظ والتراكيب ما لا صلة بينه وبين اللغات القديمة مطلقًا، كما أن قواعد المجاز والاشتقاق والنحت ليست مرعية كل الرعاية حتى ولا في البيئات العلمية الأدبية.

وما دام ذلك كذلك فمن فادح الخطأ اعتقاد إمكان التحكم في وضع ألفاظ لغة من اللغات أو أساليبها، وأفدح من هذا أن يظن أحد أن استبدال كلمات قوم بكلمات قوم آخرين، ووضع الكلمات الجديدة في معجم من المعاجم يمهر بخاتم مجمع أيًّا كان سلطانه، وتوضع على غلافه أفخم الأسماء وأضخمها يعطي هذه الكلمات الجديدة حق البقاء. كلا، فإن الكلمات مثلها مثل العبارات ومثل الأنَّات ومثل الصيحات، هذه كلها نغمات الفؤاد يعبر بها عما يخالجه، ويجب أن يتفق نوع العبارة مع المحيطات بالفرد من ظواهر الطبيعة ومظاهر الاجتماع، وما كان لجماعة أو مجمع أن تتحكم في القلوب والأفئدة، وما كان لمشرع أن يسن للناس طريقة إظهار التألم، أو السرور، أو الإعجاب، أو التفكير.

كنت أتناقش مع أحد أعضاء المجمع الأفاضل في شيء من أمر قانونه وقد علمت أن الفكرة التي دعت لوجود كثيرين بين أعضاء المجمع من رجال نِظَارة المعارف هي إدخال الكلمات التي يقرها المجمع في العلوم التي تحتاجها مما يدرس في مدارس النظارة، ويكون في ذلك تعويد للناشئة على استعمال هذه الألفاظ من نعومة أظفارهم مما يثبتها في نفوسهم بعد ذلك ويضمن لها حياتها، وبعبارة أخرى فإن هذه وسيلة لاستصدار قانون بإدخال هذه الألفاظ ولو كرهًا في اللغة، وإني وإن لم أكن من الذين يعتقدون أن العالم يسير بالسلطة والقوة الخارجية ولكن بالتوازن وتنافس القوى الداخلية كنت أكون سعيدًا لو أتيح لي أن أعتقد بل أن آمل إمكان نجاح مثل هذه الطريقة أو مثل هذه القوانين، ولكني لا أظن ذلك ولا أعتقده مطلقًا، ولئن أدخل أساتذة المعارف من ألفاظ المجمع في كتب الدرس ما أدخلوا فيكفي أن يقوم في يوم من الأيام نابغة واحد، نابغة يحوي في جسمه الضئيل روح الأمة كلها، ينفث من روحه ألفاظًا تعبر عما يخالج فؤاده فتذوب أمامها المعاجم وكتب الدرس والقوانين وكل شيء. نعم إن مثل هذا النابغة لَهُوَ أقوى من ألف معجم ومائة قانون ومن كل مشرعي الأرض، ولسلطانه هو يجب أن تخضع هذه كلها، ألفاظ قصائده، أو كتبه، أو مبدئه الفلسفي، أو أبحاثه العلمية هي التي يجب أن تطبع في المعجم، ويجب أن تنقش في النفوس.

قد يكون هذا النابغة بين أعضاء المجمع. هذا جواب ربما تكرم به أحد أنصار الفكرة الجديدة، وأنا أقول قد يكون، ولكن لا أراه ولا أعتقده، لأن النبوغ يأبى الاشتراك المقيد بالقوانين، وأول ما عمل المجمع الجديد قانون قيَّد به طرائق سيره ووظائف أعضائه.

على كل حال يجب أن ننظر فيما إذا كان الغرض الذي يرمي له المجتمع ممكن التحقيق من طريق المجمع ولو بالزمان، وإذا لم يكن ذلك فما هي الوسيلة لتحقيقه؟ وللنظرَ في هذا يجب أن نفتش عن الأسباب التي دعت في الماضي وتدعو اليوم إلى الشكوى، وهل يمكن أن تكون اللغة عارية صرفة تأخذ من اللغات الأخرى من غير أن تكون في قلوبنا نحن حرارة تدعمها، وكيف السبيل إلى خلق هذه الحرارة في القلوب، وعندها يتبين لنا واضحًا أن المجمع اللغوي لا يمكن أن يحقق الغرض الذي وضعه في المادة الأولى من قانونه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.