وصلنا مع اسم «النمسا» إلى أن الاسم الذي اشتهرت به في القارة الأوروبية يرادف اسم «الشرقية»، إقليم زميلنا الأستاذ فكري أباظة، صاحب السؤال عن مصدر كلمة «النمسا في اللغة العربية» … لأن «أوستن» باللغة الألمانية تعني الشرق Estren، وقد كانت أوستريا تقع إلى الشرق من بلاد القوط الأقدمين.

والظاهر أن المنافسة القديمة بين «الشراقوة» و«الصعايدة» تحول دون التسليم بهذه الغنيمة لقمة سائغة لإقليم زميلنا العريق! فقد جاءنا خطاب مطول من «بلدينا» في الصعيد الأقصى «السيد محمد إسماعيل، رئيس رابطة أصحاب محلات كي الملابس» يقول فيه:

إنكم قلتم إن هذا الاسم — النمسا — دخل إلى اللغة العربية من اللغة التركية، وهو دخل إلى التركية من المجرية … ولكن يا سيدي أفيد سيادتكم بأنني أنتسب إلى بلدة في الصعيد الأقصى هي بلدة النمسا بمركز إسنا، وتسمى أيضًا النمسة، كما يطلق على المنتسب إليها اسم النميسي، وهي موجودة منذ فتح الإسلام لمصر كما هو ثابت قبل أن تكون هناك إمبراطورية عثمانية. فهل تتكرم، يا سيدي، بإيضاح ذلك كما هو واضح من سؤال شيخ الصحافة والقانون فكري أباظة؟

ونحن نعلم أن «النمسا» بفتح النون والميم بلدة من بلاد محافظة قنا، كما قال بلدينا النميسي في خطابه، ولكننا لا نستطيع أن ننسب إليها النمسويين، ولا أن ننسب إليها الكلمة المستعارة من لغة المجريين، ولو فعلنا ذلك لظهر لنا من يطالبنا بنسبة أبناء «فيوم» — إحدى بلاد النمسا قديمًا — إلى محافظة الفيوم، ومن يطالبنا بضم «موسكو» إلى قسم «الموسكي» بالقاهرة، ومن يطالبنا بأشباه هذه المطالب لأشباه هذه الأسباب. وهو باب مفتوح على جميع المصاريع لا نستطيع، ولا يستطيع بلدينا النميسي أن يُغلق مصراعًا منه إذا فتحناه اليوم لتدخل منه النمسويات الحسان إلى الوطن الصعيدي القديم!

والمسألة — بَعدُ — مُعلَّقةٌ على استفتاء يجريه زميلنا، الذي فتح علينا هذه الفاتحة، عند زيارته التالية للديار النمسوية.

فلْيَسألْ حِسَانه — إذا شئن وإذا شاء — أيهما أحب إليهن: أن يخرجن من هذا الاستفتاء شرقاويات، أو صعيديات من النمسا مركز إسنا محافظة قنا وجه قبلي، في خير وسلامة وطيب إقامة؟

ومن هذه الفاتحة التي فتحها علينا الأستاذ فكري — سامحه الله — خطاب من السيد «محمد الششتاوي عبد ربه، الطالب بالمعهد الزراعي العالي بكفر الشيخ»، يحيطنا فيه علمًا بأن كلمة Nemzeti في اللغة المجرية تعني بالإنجليزية National، وهذا بعيد من معنى النمسا …

قال: «أما كلمة النمسا في اللغة المجرية فهي تعني Austria، وهو نفس النطق الإنجليزي؛ حيث إن Jzs في المجرية تنطق S، فأرجو من سيادتكم الإشارة إلى ذلك في اليوميات القادمة …»

والواضح من كلام السيد الششتاوي أن الأمر قد اشتبه عليه بين الاسم الذي يتداوله المجريون حكايةً للمصطلحات «الرسمية»، بعد ضم المجر والنمسا إلى دولة واحدة، وبين الكلمة الأصلية التي توارثوها في لغتهم قبل قيام هذه الدولة؛ فنحن نقول مثلًا: إن عاصمة النمسا والمجر تسمى «فيينا»، ولا يعني ذلك أنها كلمة أصيلة في اللغة العربية.

وليست «أوستريا» كلمة في اللغة المجرية؛ لأن مادة الكلمة بمعنى الشرقية جرمانية لا شك فيها، وليس لها مقابل في اللغة المجرية من هذه المادة بلفظها وحروفها؛ لأن الشرق في هذه اللغة يسمى «كلات»، وليس بينه وبين اسم النمسا رابطة لغوية كما نعلم من مراجعة معجماتها.

أما اسم الجرمان فهو في هذه المعجمات «نيميت» Nemet، وهي كلمة تطلق على العناصر الجرمانية جميعًا في الدولة النمسوية؛ للتفرقة بينها وبين سلالات أخرى تجمعها الوحدة السلافونية.

وقريب من مادة Nemet مادة نيمس Nemes بمعنى النبيل، ومادة نميزيت بمعنى الأمة، ومادة نيمزدك بمعنى الجيل، إلى سائر المشتقات منها بمعنى الأصالة والنسب الكريم.

والسيد الزراعي يذكر أن «الستلات» تتلاقى في كثير من اللغات بين كلمات الأمم والأوطان، والكلمات التي توصف بها أصول الشعوب، وقد تذهب الاستعارة في هذه المشتقات والصفات من المعنى إلى ما يقابله أحيانًا مقابلة النقيض للنقيض.

فالعبرانيون الأقدمون كانوا يطلقون كلمة «الأُمِّيِّين» من الأمة أو الأمم على الغرباء غير العبرانيين …

ونحن نطلق كلمة «الناس» حين نتكلم عن الغرباء والأجانب الذين لا تجمعنا بهم صلة النسب والقرابة.

والفرنسيون يطلقون كلمة «فرانك» Frank على صاحب النسب الحر الصريح، ويسمون أنفسهم اليوم كما يسميهم الناس فرنسيين، مع أن قبائل «الفرانك» جرمانية غلبت على البلاد المعروفة الآن باسم فرنسا، وكانت من قبل تعرف ببلاد الغال.

وكذلك يسمى السلافيون أنفسهم بهذا الاسم، وهو في أصله كلمة بمعنى العبيد يطلقها عليهم أعداؤهم الجرمانيون.

والجرمان أيضًا كلمة بمعنى أهل الحرب يطلقها الألمان اليوم على أنفسهم، وكانت من الصفات التي وصفهم بها جيرانهم الأقدمون.

ولا خلاف على أية حال في تسمية الجرمان باسم النميس والنعيس في جميع اللهجات المجرية والتشيكية، كما يظهر للطالب الأديب من مراجعة المعجمات، ومنها سرَتْ هذه التسمية إلى ألسنة الترك العثمانيين.

***

وفي هذا السياق أيضًا، كتب إلينا السيد ماهر حسن البطوطي، بوزارة التعليم العالي، يسأل عن اسم «هنجاريا»: من أين جاء مقابلًا لبلاد «المجر» بهذا الاسم المشهور بين المتكلمين بالعربية؟

وليس في المراجع الغربية أصل محقق لكلمة «هنجاريا»، ولكننا نرجح أنه كلمة منحوتة من كلمتين؛ هما: كلمة الهون Hun، أحد الشعوب التتارية التي أغارت قديمًا على القارة الأوروبية الشرقية، والكلمة الأخرى هي كلمة «أوجري» Ugri، وتنسب إليها لغة المجريين وأبناء فنلاندة من الشعوب الطورانية القديمة.

وقد تكون كلمة «ماأوجري» هي أصل اسم مجيار Magyar التي عرف بها هذا الشعب في جميع اللغات، قبل دخوله في عداد الشعوب التي تضمها الدولة النمسوية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.