لمصر مركز دولي ممتاز، وهو لامتيازه دقيق يعرضها لمشاكل كثيرة. كان ذلك شأنها في حقب التاريخ المختلفة. وذلك شأنها اليوم. وحسبنا أن نذكر مواقفها الحاضرة إزاء إسرائيل، وإزاء مشكلة قناة السويس، ومشكلة الدفاع عن الشرق الأوسط، ومشكلة الأحلاف الإقليمية وصمودها القوي لهذه المشاكل جميعًا لنرى أن مركزها الدولي ممتاز ودقيق في الوقت ذاته.

وقد دعا هذا المركز كثيرين من الساسة والكتَّاب إلى التحدث عن الحياد بين الكتلتين الشرقية والغربية وصلاحه أو عدم صلاحه سياسة لمصر في الوضع الدولي الحاضر. وهؤلاء الساسة والكتاب يقصدون بحديثهم ما يكون عليه موقف مصر إذا نشبت حرب عالمية. فلن يثير الحياد حديثًا عن الحرب القائمة اليوم في الهند الصينية أو ما يشابهها، فالحياد في هذه الحال بديهي لا يمكن أن يكون محل مناقشة، أما إذا وقعت حرب بين الكتلتين الشرقية والغربية فإن حديث الحياد يصبح جدًّا لا هزل فيه، ويجب على مصر يومئذ أن تتخذ سياسة واضحة تحدد موقفها من الدول المتحاربة.

والمصريون جميعًا يذكرون أنه لما نشبت الحرب العالمية الثانية، وكانت بين مصر وإنجلترا معاهدة سنة ١٩٣٦، طلبت إنجلترا إلى مصر أن تعلن الحرب على ألمانيا، فتمسكت مصر بموقف الدولة غير المحاربة، ثم أقرتها إنجلترا على هذا الموقف في صيف سنة ١٩٤٠، وعلى ذلك كانت سياسة تجنيب مصر ويلات الحرب هي السياسة التي جرت عليها الوزارات المصرية المتعاقبة إلى نهاية الحرب. وقد اعترفت إنجلترا أثناء الحرب وبعدها بأن مصر نفذت معاهدة الصداقة والتحالف تنفيذًا دقيقًا أفاد مجهود الحلفاء الحربي أجل فائدة.

ومنذ وضعت تلك الحرب أوزارها نشبت الحرب الباردة بين روسيا السوفيتية وبين حلفائها السابقين — أمريكا وإنجلترا وفرنسا — فكان لا بد لهذه الدول من أن تفكر في موقفها وموقف مصر منها إذا نشبت حرب عالمية جديدة. وقد ظهر تفكيرها في هذا الأمر أول ما ظهر في مفاوضات سنة ١٩٤٦، قبل انتقال القوات البريطانية من القاهرة والإسكندرية إلى قناة السويس، وقبل إنشاء القاعدة العسكرية البريطانية على القنال، وقبل أن تظهر في الوجود دولة إسرائيل. وتلك المفاوضات هي التي أدت إلى مشروع صدقي – بيفن.

وقد كانت الصورة التي صور بها المشروع المذكور علاقات مصر وإنجلترا في الموقف الجديد هي ما سمي بالدفاع المشترك، وذلك بأن تتألف من رجال الدولتين لجنة استشارية تجتمع الحين بعد الحين لمراقبة التطورات الدولية ولتشير على كل من الدولتين بما تراه لمواجهة هذه التطورات. وكان تعهد مصر في ذلك المشروع أن تخف للقاء العدوان إذا وقع على بلد متاخم لها، وهذه خطوة ضيقة محدودة. لكنها مع ذلك خطوة زادت في تبعات مصر على ما تنص عليه معاهدة سنة ١٩٣٦، ففي تلك المعاهدة تقف تعهدات مصر داخل حدودها بأن تقدم لإنجلترا موانيها ومطاراتها وطرق مواصلاتها، من غير أن تلتزم بالاشتراك في الحرب ولو كانت داخل أراضيها. وهذا هو الذي أتاح لمصر أن تقف في الحرب العالمية الثانية موقف الدولة غير المحاربة.

وقد رفض فريق من المصريين مشروع صدقي – بيفن، وقبله فريق. أما الذين قبلوه فكانت حجتهم أن المشروع نص أولا وقبل كل شيء على جلاء قوات إنجلترا عن مصر جلاءً تامًّا برًّا وبحرًا وجوًّا في موعد غايته سبتمبر سنة ١٩٤٩، وأن الأراضي المصرية ستصبح بذلك حرة خالصة للمصريين، وأن احتمالات الحرب الفعلية ليست قريبة. وثبت اقتناعهم بهذا الرأي أن إنجلترا لم تكن يومئذ قد أنشأت قاعدة قناة السويس فلم يكن لها أن تتعلل عن الجلاء التام بسبب من الأسباب.

وأما الذين رفضوا المشروع فكانت حجتهم أن الدفاع المشترك وإن تولت أمره لجنة استشارية، وإن كان لكل من الدولتين في أمره الكلمة الأخيرة، فإنه سيكون بمثابة احتلال سلمي يجعل مصر مهددة دائمًا بالاحتلال الفعلي. فإذا تم الجلاء فعلا في سنة ١٩٤٩ كانت مصر مطالبة بأن تنظر دائمًا إلى غدها بعين التوجس؛ مما يجعل قبولها هذا الدفاع المشترك مرهقًا لها، فواجبها لذلك أن تصر على الجلاء الناجز التام بلا مقابل من دفاع مشترك أو دفاع غير مشترك.

كانت القوات البريطانية في ذلك الحين معسكرة في القاهرة والإسكندرية، وكانت تجوس حيث شاءت خلال الأراضي المصرية. وفي سنة ١٩٤٧ انسحبت هذه القوات إلى منطقة القنال وبدأت إنجلترا تنشئ قاعدتها هناك، وفي سنة ١٩٤٨ أنشأت الأمم المتحدة دولة إسرائيل، وفي سنة ١٩٤٩ وضع ميثاق الضمان الجماعي بين دول الجامعة العربية. وفي سنة ١٩٥٠ أبرم الميثاق المذكور.

أدت هذه التطورات المتعاقبة إلى موقفٍ جديد دقيق في الشرق الأدنى. وقد زاد في دقته ما كان بين إسرائيل والدول العربية من حرب انتهت إلى هدنة دائمة ليست صلحًا وليست هدنة حقيقية، وقد أدى هذا الوضع الجديد إلى مزيد من عدم الثقة بين مصر وإنجلترا. لقد كانت الصحف تتحدث سنة ١٩٤٦ عن السبب في عدم الاتفاق بين الدولتين، وترى أن ضعف الثقة بينهما هو علَّة هذه النتيجة. أما وقد خُلقت إسرائيل رغم مقاومة الدول العربية في الأمم المتحدة، فأدى ذلك إلى حرب اعتقدت الدول العربية بأن الديمقراطيات الغربية تعطف فيها على إسرائيل وتعاونها معاونة لولاها لما انتهت الحرب إلى النتيجة التي انتهت إليها، فطبيعي أن يزداد ما بين مصر وإنجلترا من عدم الثقة، وأن يؤدي ذلك إلى فشل المفاوضات التي حدثت سنة ١٩٥١، وإلى إلغاء مصر معاهدة سنة ١٩٣٦، وإلى تمسك إنجلترا بهذه المعاهدة بحجة أنها عقد لا يملك أحد الطرفين اللذين وقَّعاه أن ينفرد بإلغائه.

ثم كانت أحداث يوليو سنة ١٩٥٢ التي بدأت بإقصاء الملك السابق فاروق عن مصر وعرشه، ثم تطورت إلى الوضع الحاضر. ومنذ بدأت هذه الأحداث أخذت الولايات المتحدة الأمريكية تبذل مساعيها الحميدة لإيجاد جو من الثقة يمهد لاتفاق مصر وإنجلترا بما يكفل الدفاع عن الشرق الأوسط. ولم يكن ذلك عجبًا من جانب أمريكا. فهي قد شاركت إنجلترا وفرنسا وتركيا سنة ١٩٥١ حين اقترحت على مصر إنشاء قيادة الشرق الأوسط. وهي كانت تعتقد أن الأحداث التي وقعت في يوليو سنة ١٩٥٢ قد أزالت السبب الرئيسي في فشل الاتفاق بين مصر وإنجلترا. فلتعمل إذن على أن تقرب بين الدولتين لتكفل اتفاقهما. وقد اعتقدت صحة اتجاهها حين تم الاتفاق بين مصر وإنجلترا على مسألة السودان، ولذلك ضاعفت مساعيها الحميدة ليتم الاتفاق بينهما على مشكلة قناة السويس هي الأخرى. وكان اعتقادها أن من اليسير تفادي ما يخشاه المصريون من إنشاء قيادة الشرق الأوسط إذا اتفقت مصر وإنجلترا على جلاء القوات البريطانية، وعلى أن تعود هذه القوات إلى قاعدة القناة في حالة الاعتداء على إحدى دول الشرق الأدنى ومنها تركيا. لكن مصر لم تقبل عودة هذه القوات في حالة الاعتداء على تركيا؛ لأن تركيا عضو في حلف الأطلنطي الشمالي، وإنما قبلت عود القوات البريطانية إلى قاعدة القناة في حالة الاعتداء على إحدى الدول العربية الموقعة على ميثاق الضمان الجماعي. عند ذلك انقطعت المحادثات بين مصر وإنجلترا، وعاد جود عدم الثقة إلى مثل ما كان عليه في الأشهر الأخيرة من سنة ١٩٥١.

وفي الأسابيع، بل الأشهر الأخيرة، بدأ التوتر يشتد بين إسرائيل والدول العربية، وانتقل أمره من لجنة الهدنة إلى مجلس الأمن، وهو الآن موضع شد وجذب بين الدول العربية وإسرائيل. وموقف الدول الغربية من هذا النزاع موقف لا ترضاه الدول العربية، على حين هي ترضى عن موقف روسيا السوفيتية منه.

أفيستطاع مع هذه التطورات السريعة التعاقب تكوين رأي نهائي في سياسة الحياد. لقد قررت بعض الدول الشرقية، والهند على رأسها، أن تجعل الحياد سياستها، فلا تشترك في حرب إلا دفاعًا عن نفسها إذا اعتُدِي عليها، لكن سياسة مصر لم تتجه هذا الاتجاه إلى وقتنا الحاضر. بل لا يزال الاتجاه إلى إتمام الاتفاق مع إنجلترا إذا هي قبلت مطالب مصر في أن لا تعود القوات البريطانية إلى قاعدة قناة السويس بعد انسحابها منها إلا إذا اعتدي على دولة من الدول المشتركة في ميثاق الضمان الجماعي. وهذا الميثاق يقتضي كل دولة مشتركة فيه أن تخف للدفاع عن زميلاتها إذا اعتدي عليها. فإذا خفت مصر لهذا الدفاع وعادت القوات البريطانية إلى قاعدة قناة السويس كان الحياد غير ممكن، وكان عسيرًا أن تقف مصر يومئذ موقف الدولة غير المحاربة كما فعلت في الحرب العالمية الثانية.

أما إذا حالت التطورات التي أشرنا إليها هنا دون اتفاق مصر وإنجلترا، ووقعت حرب عالمية جديدة، فالطبيعي أن تقف مصر منها موقف الدولة غير المحاربة، وإن أمكن أن يسأل سائل عن تعهداتها في ميثاق الضمان الجماعي وكيف تواجهه؟

والواقع أن تعقيد الموقف في الشرق الأوسط بحكم التطورات التي حدثت منذ سنة ١٩٤٦ قد جعل إبداء الرأي في سياسة مصر الدولية بين الكتلتين الشرقية والغربية معقدًا هو الآخر. فميثاق الضمان الجماعي من ناحية، ومشكلة قناة السويس من ناحية ثانية، ومشكلة إسرائيل من ناحية ثالثة، وموقف الدول الكبرى من الشرق الأوسط من ناحية رابعة، هذا كله يقتضي المفكر السياسي أن يعتمد إلى حدٍ كبير على عنصر الزمن لحل هذه المشاكل، وما دمنا نتوقع المفاجآت بين آونة وأخرى بسبب هذه المشاكل، فإن الحكمة تقتضينا أن لا نتعجل الأمور، وإن أوجبت الحكمة علينا أن نحتاط لهذه المفاجآت، وأن نستعد لدفع كل خطر يمكن أن يهددنا من جرائها.

إني أعلم أن عنصر الزمن ليس مأمونًا دائمًا، وأن الفرصة التي تضيع كثيرًا ما يتعذر تعويضها. لكن المغامرة في السياسة الدولية ليست مأمونة العاقبة كذلك. والأطوار الدولية التي تعاقبت سراعًا في السنوات الأخيرة تقتضي الدقة في تصوير المستقبل والتقدير له، كما تقتضي اليقظة الدائمة والاحتياط الشديد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.