لست أدري أسرار الشهور، ولا أدعي العلم بطوالع الأيام!

ولكنني أدري أن شهر يوليو من شهور السعد لبعض الممالك، وهو يعود على مصر بالويلات تقريبًا في كل عام.

ففي يوليو سنة ١٨٨٢ ضربت الإسكندرية بالقنابل، وكان ذلك بداية الحوادث التي انتهت بالاحتلال وفقد حريتنا النسبية التي كنا بها قانعين … إلى حين.

وفي شهر يوليو منذ عامين حدث الانقلاب المعروف وحرمت مصر حقوقها النيابية.

وفي شهر يوليو من هذا العام، وهو الذي بدأ وكاد ينتصف، قد حدثت حوادث جسام، وفي يوم ٢١ منه سيكون فيصل التفرقة بين الحق المهضوم والحق المنشود.

أما هذا الشهر نفسه فله في الأمم الأخر شأن آخر، ولله في خلقه وفي شهوره شئون!

ففي ٤ يوليو من هذا الشهر استقلَّت ولايات أمريكا المتحدة التي كانت قبل ذلك مستعمَرة إنجليزية، وأعلنت استقلالها وكوَّنت اتحادها القومي بهمة جورج واشنطون القائد العظيم.

وبعد أن كانت تلك الويلات أشبه الأشياء بأستراليا، تمرَّدت وامتنعت عن الانضواء تحت العلم البريطاني، وكل من يقطن تلك النواحي إنجليزي سكسوني، إما نازح من الجزر البريطانية وإما مولود في أمريكا من والدين إنجليزيين … فلم يكونوا غرباء ولا أجانب من شعب إنجلترا، بل كانوا أعضاء الأسرة البريطانية، ورعايا التاج الإنجليزي، وبينهم وبين سكان الجزيرة روابط الدم وأواصر القرابة والنسب، ولم يكن هناك فرق بين إنجليزي لندن وإنجليزي نيويورك أو سان فرنسيسكو، ولكن هذه العلاقات المتينة لم تعمِ القوم عن حقوقهم ولم تنهض حجة في وجوههم دون المطالبة بتلك الحقوق، فنهضوا رجلًا واحدًا، وما زالوا تارةً بالسلم وطورًا بالحرب حتى خلعوا نير الحكم الأجنبي، ولعمرك إنه لحكم إخوتهم وأبناء عمومتهم.

فإذا كان الإنجليز أنفسهم إذا اغتربوا لا يطيقون حكم ذويهم عن بعد … فكيف يطيقه القوم الغرباء عنهم وطنًا وجنسًا ولغةً ومعقوليةً وبيئةً ومعتقدات؟!

وفي ١٤ يوليو اليوم تحتفل فرنسا بعيد الحرية والإخاء والمساواة، وهو تاريخ سقوط سجن بل حصن الباستيل في أيدي الشعب، وهو الذي كان معدًّا لحبس رجال السياسة والعلم والآداب من النبلاء وغيرهم، فكان معقلًا للاستبداد، وكان ملوك فرنسا يرسلون إليهم خصومهم والمغضوب عليهم من رعاياهم مصحوبين بمكتوب مغلف مكتوب وممهور بختم جلالة الملك، فيستقبل محافظ السجن ضيوفه ويحتجزهم إلى حين غير معلوم مدة مجهولة … فيبقون تحت تصرف ذلك الذي أمر بسجنهم … ولم تكن هناك محاكمة ولا دفاع ولا يحزنون، بل كان غضب فسجن.

فلما سقط سجن الباستيل كان ذلك إيذانًا بالثورة وافتتاحًا للعهد الجديد، فلم يكن الملك بعد ذلك يستطيع أن يرسل أحدًا إلى الأنقاض، وذاق لويس السادس عشر نفسه هو وأهله ذل السجن في حصن تامبل حيث فقد ولده وولي عهد، ومن هناك خرجوا إلى المحاكمة فالمقصلة وانتهى عهد الموناركية وبدأ عهد الجمهورية في أرض ماريان، لأجل هذا ترى الفرنسيين يمجِّدون هذا التاريخ ويحتفلون به في أنحاء العالم.

وفي ٢١ يوليو (أيضًا) يحتفل أهل بلجيكا بذكرى مرور مائة عام على إعلان استقلال وطنهم الصغير الجميل ذي النشاط الدائم والحركة التي لا تفتر، ولم تفقد بلجيكا استقلالها إلا لمركزها الجغرافي، فقد كانت نقطة احتكاك واصطدام بين ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وكانوا قابضين عليها بحجة الخوف من وقوعها في يد إحدى الدول الثلاث فتنقلب على الدولتين الأخريين … ولكن استقلال سويسرا التام وهي بين لفيف من الدول الحربية، كان من أسباب استقلال البلجيكا واليونان.

لعل الله يجعل لنا من شهر يوليو عيدًا ويبدل أحزاننا بالأفراح!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.