أرسلت فرنسا وإنكلترا أسطولًا إلى المياه المصرية، واعتمد رئيس وزارة فرنسا على الدول بأن تنصح السلطان عبد الحميد بالاعتدال بعد احتجاجه، وبعد صدور أمره إلى السفن الحربية التركية بأن تجتمع في قرن الذهب بالآستانة لتكون على استعدادٍ للسفر إلى مصر، مع التفكير بأن يرسل حملة عسكرية بقيادة درويش باشا إلى مصر.

ولكن الدول وقفت جامدة بحجة أنها تتشاور. في إبَّان ذلك خطَرَ لوزارة إيطاليا إرسالُ أسطولها إلى مصر، وكان قد اجتمع في خليج مسينا، وأعلن وزير خارجية النمسا كالنوكي أن «الوسيلة شديدة الخطر»، باتت المسألة كلها معلَّقة بيد بسمرك صاحب المذهب القائل: «نحن روسيون في بلغاريا، وفرنساويون في تونس، وإنكليز في مصر.» وذكَّر سفير فرنسا في برلين وزير خارجية ألمانيا بأن فرنسا وإنكلترا أقدمتَا على إرسال أسطولهما اتِّبَاعًا لمشورة بسمرك بأن تعمل الدولتان بالاتفاق معًا، ولكن حكومة ألمانيا كانت تحتفظ بالسكوت التام، وأظهر وزير خارجية النمسا ووزير خارجية روسيا شديد التذمُّر؛ لأن فرنسا وإنكلترا لم تستشرهما قبل الإقدام على ما فعلتَا، وهكذا تسنَّى لبسمرك أن يقول إنه لا يقدم النصيحة للباب العالي بالاعتدال؛ لأن حليفتَيْه تقولان بالقعود والسكوت عن كل عمل.

في هذه الحالة سأل سفير إنكلترا في باريس المسيو فرسينه: أَلَمْ يحِن الوقتُ لنقول للسلطان عبد الحميد ماذا ينوي عمله في المستقبل؟ وكان قد شاع أنهم سيلجئون إلى القوة التركية، ولكن المسيو فرسينه لم يجرؤ على مجابهة الرأي العام الفرنساوي لشدة اشمئزاز السياسيين الفرنساويين من هذه الفكرة؛ لذلك أُكرِهَ إكراهًا على إرسال بلاغ إلى الباب العالي «بأنه إذا اتسعت المسألة وتجاوزت الحوادث حدودَ حماية رعايانا ومصالحهم، يبيت من اللازم طلب معاونة السلطان.»

بعد هذا ظهر على تركيا السكون والهدوء، وأبلغ الصدر الأعظم سعيد باشا سفيرَ إنكلترا اللورد دوفرين أن مولاه السلطان عزم على أن يلازم نحو إنكلترا وفرنسا خطةَ الولاء التام، وهو مستعِدٌّ لدرس مقترحاتهما على شرط أن يُستدعَى الأسطول الفرنساوي الإنكليزي من المياه المصرية. ولما قيل له إن الأسطول لا يقيم في مياه مصر إلا مدة قصيرة، اكتفى بهذا القول.

ولكي يبرهن سعيد باشا على حُسْن نية السلطان، طلب من السفير إبلاغ حكومته أن السلطان يعرض أن يحل محل الخديوي توفيق أيُّ مرشح تقرِّر الدول ترشيحه، فرفض اللورد دوفرين هذا الاقتراحَ الذي كان يرمي إلى اختيار الأمير حليم باشا؛ لأن السلطان يهوى حليمًا. وقد عرفنا من كتاب الشيخ ظافر إلى عرابي، أن الباب العالي لا يثق بحليم ولا إسماعيل ولا توفيق ليغروا عرابي بالتمادي بالثورة على الأسرة الخديوية، بل لأن السلطان كان يريد إلغاء الفرمانات التي استخلصها إسماعيل وجعل مصر بها مستقلة، فهو يريد هدم هذا الاستقلال الإداري بإلغاء فرمان الولاية. وجاء في بلاغ الباب العالي فوق ما تقدَّمَ:

إن السلطان يعدل الآن عن إرسال السفن الحربية إلى مصر.

أما إيطاليا، فإنها اكتفت بإرسال دارعة إلى بورسعيد، وأرسلت اليونان سفينتَيْن من سفنها إلى الإسكندرية.

ولكن فتور الدول الأخرى تجاه إنكلترا وفرنسا قلقهما، فاقترح فرسينه أن ترسلَا مذكرةً إلى الدول تقولان فيها إن الوقت ضاق عن مشاورتهن قبل إرسال الأسطول، وإنهما لا تنويان اتِّبَاع سياسة الاستئثار بمصر، بل تدافعان عن مصالح جميع الدول على حد المساواة، وتصونان سلطة الخديوي، ولم يخطر لهما إنزال جنود إلى البر ولا احتلال مصر، مع الوعد بأن يستدعيَا الأسطول حالما تعود السكينة، وإذا دعَتِ الضرورة إلى القيام بعمل من الأعمال، فإنهما تستشيران الدول والباب العالي وتتفقان معها.

هذا البلاغ كان كافيًا لإرضاء الدول، ولكن السلطان أراد أن يمحو الأثر الذي يتخلَّف في النفوس عن وصول الأسطول إلى بلاد تُعَدُّ بلادًا من بلاد الخليفة، فأرسل في الحال إلى الخديوي توفيق باشا تلغرافًا يقول فيه:

إن وصول المراكب الفرنساوية والإنكليزية إلى مياه مصر في هذه الآونة لا يتعدَّى رحلاتها المألوفة في كل عام، فليس فيه ما يزعج، وإن هذه الرحلة تنتهي في وقتٍ قصير.

منذ العشرين من شهر مايو والأسطول راسٍ في مياه الإسكندرية، والأسطول الفرنساوي مؤلَّف من دارعة ونسافتين، والأسطول الإنكليزي مؤلَّف من دارعة ومدفعيتين، وتعليمات الأميرالين واحدة، وهي أن يُبلِغَا إشارة القنصلين السياسيين لتأييد الخديوي تأييدًا أدبيًّا ولحماية الأوروبيين، ولكن الأسطول الإنكليزي تلقَّى وحده فوق ما تقدَّم «أنه في حالة تعرُّض الأوروبيين للخطر، ينزل الجنود إلى البر في منطقة مرمى مدافعه.» وقد حُرِم الأسطول الفرنساوي من هذه التعليمات.

وبذلك بدأ ما تضمره إنكلترا بالظهور، وهو الوصول إلى احتلال مصر بضمانة السيطرة على قناة السويس التي صارت بعد فتحها …

هذا من جانب الحكومتين واختلاف تعليماتهما، وكذلك كان أمر القنصلين الفرنساوي والإنكليزي؛ فإن خطتَهما كانت على خلاف.

فالسير مالت قنصل إنكلترا كان يعتقد بأنه يستحيل الوصول إلى نتيجةٍ ما إذا لم يتخلَّصوا من العصبة العسكرية ومن المهيِّجين، والقنصل الفرنساوي كان يرى الاتفاق معهم، ولكي ينفي عن نفسه ما اتُّهِمَ به البارون دي رنج سلفه من ممالأة الوطنيين ومساعدتهم، كان يشور بإقفال جريدتَي الطائف والمفيد؛ لأنهما أهانَتَا الخديوي كوسيلة للصلح والوئام، وكأنه كان يريد مسابقة الجماعة الطليان الذين كانوا يُعلِنون عطفهم على الثوار، ثم الموسيو دي لسيبس صديق عرابي والمستر ولف قنصل أميركا، وكانَا يشيدان بذكره.

بل كان يعتمد على المفاوضات ليتوصَّل إلى استعفاء الوزارة، وإلى ابتعاد الزعماء عن البلاد ابتعادًا إلى حين.

فكلَّف الموسيو مونج أحدَ الفرنساويين الرافضين بأن يعرض على عرابي مهمةً في فرنسا، حيث يشهد تدريبات الجيش الفرنساوي في فصل الخريف، وحيث يُقابَل بالحفاوة والإجلال ويُمنَح النياشين العالية، ولكن عرابي أجاب على هذه الدعوة، بل على هذا النفي المزخرف، أنه يطلب انسحاب الأسطول، ويطلب لبلاده الدستورَ، ولا يطلب بعد ذلك شيئًا آخَر مهما كان. وقد قالوا يومئذٍ إن روتشلد عرَضَ على عرابي مائة ألف فرنك إذا هو غادَرَ مصر، ولكن عرابي كذَّبَ هذا القول ونفاه نفيًا باتًّا.

وهذا العرض الذي عرضه قنصل فرنسا زاد في جرأة الثوار.

وارتأى السير مالت أن يُعلِن رسميًّا أنه في حالة الاضطرار يلجئون إلى القوة التركية.

كان السلطان يتظاهر بأنه يؤيِّد الخديوي توفيقًا، ولكن رجال يلدز — السراي السلطانية — كانوا يراسِلون الثوار ويؤكِّدون لهم أن جلالة الخليفة يعطف عليهم ويشجِّعهم ضد الدول المسيحية، فلم يكن يُقلِق بالَ الثوار إلا إرسال حملة تركية على بلادهم. ولعلم اللورد غرنفل بميول المصريين وميول الفرنساويين كان يقترح دائمًا تمهيدًا لسياسته، الاتفاقَ مع الدول أن تطلب من الباب العالي إعدادَ حملة تعمل بحدود ضيقة، إلى قوله:

إن الأخبار الواردة من مصر مُقلِقة جدًّا، والوقت قد فات، ولا ترى الحكومة الإنكليزية مخرجًا من هذا المأزق بغير هذه الوسيلة.

ومعنى ذلك في خطته السياسية أنه لا مندوحة عن استخدام القوة العسكرية، فإن لم تكن هذه القوة تركية فلا بد من أن تكون إنكليزية. وكان الخديوي إسماعيل ينصح ابنه الخديوي توفيقًا بأن يتفادى أيَّ احتلال إنكليزي؛ لأنه إذا وقع لا يزول، خلافًا للاحتلال التركي فإنه لا يدوم.

وفي يوم ٢٧ مايو يرسل الموسيو فرسينه ردَّه على هذا الاقتراح بأن مجلس وزراء فرنسا يرى بالإجماع أن ليس في الحالة الآن ما يُوجِب دعوةَ الجنود التركية، فإن عناصر المقاومة بمصر أخذت بالانحلال، فكل شيء يدعو إلى التريُّث والانتظار.

وفي ٢٤ مايو تلقَّى القنصلان الفرنساوي والإنكليزي التعليمات بأن يبذلَا جهدهما لإبعاد عرابي ورفاقه من القاهرة إلى حين، وتعيين شريف باشا رئيسًا للوزارة، وكان سلطان باشا رئيسُ مجلس شورى الدولة قد سعى قبل ذلك بيومين مثل هذا السعي توصُّلًا للصلح، فلم يفلح لصلابة العصبة العسكرية؛ فتردَّدَ القنصلان في بذل السعي حتى لا يتعرَّضَا للرفض، ولأنهما كانَا يتوقعان لمعرفة ما يكون بعد الرفض، ولكن الخبر ذاع بأنهما تلقَّيَا الأوامرَ بتقديم إنذارٍ لوزارة محمود سامي، واتخذ الضباط هذه الإشاعة وسيلةً لإثارة أفكار الجيش والشعب، ورأى القنصلان إزالة هذا الأثر بإبلاغ الحكومة ما تلقَّيَاه، وقدَّمَا في ٢٥ مايو مذكرةً إلى الوزارة استندَا فيها على مسعى سلطان باشا لإبعاد عرابي إلى حينٍ برُتبه وراتبه، ولإبعاد علي فهمي وعبد العال إلى داخلية البلاد مع التمتُّع بحقوق منصبهما كاملةً ثم استعفاء الوزارة، وقالَا إنهما يقدِّمان هذه المطالب ويوقنان بإجابتها معتمدين على حُسْن تقدير رئيس الوزارة، وإذا اضطرتهما الحالة فإنهما يطلبان تحقيقَ ذلك باسم حكومتَيْهما اللتين لا تضمران انتقامًا ولا شرًّا، بل تتوسطان لدى الخديوي ليمنح العفوَ العام، ويسهران على تنفيذ هذا العفو.

ولمعرفة الثوار أن الدولتين لا تتفقان على أي عمل تقومان به معًا، ولمعرفتهم عدم ميل أوروبا إلى أي عمل، ولاعتمادهم على ميل السلطان عبد الحميد إليهم؛ عزموا على رفض نصائح فرنسا وإنكلترا وإن كانت قد أتَتْهم على صورة الإنذار.

ردَّتِ الوزارةُ بمذكرة قالت فيها «إنها لا تعرف المسعى الذي يعزونه إلى سلطان باشا، وهي تتمسك باعتراف الدول لمصر بحريتها في إدارة شئونها الداخلية؛ فهي لذلك تأسف لأنها لا تستطيع إجابة المطالب التي قُدِّمت لها، وإذا كانت الدول البحرية تظن أن للسياسة العامة دَخْلًا في ذلك، فما عليها إلا أن تعرض الأمرَ على تركيا سيدة مصر.»

حمل محمود سامي ومصطفى فهمي هذا الردَّ إلى الخديوي في ٢٦ مايو، فقال لهما إنه لا يجيز هذه المذكرة، وإنه يقبل إنذار الدولتين، فأُسقِط في يدهما، وأرادَا أن يقنعاه بعرض المسألة على السلطان، فذكَّرهما باعتراضهم عليه عندما وقعت مسألة الضباط الجركس، وأراد عرضها على سيده، ثم أخرجهم من حضرته، فعقدوا مجلس النظار وكانت الغَلَبَة فيه للحزب المعتدل الذي لم يَشَأ إعلان الثورة كما يطلب الحزب المتطرِّف، وانتهى الأمر بتقرير استعفاء الوزارة التي قالت في كتاب الاستعفاء:

إن تدخُّل الدول في هذه المسألة فيه المساس بحقوق جلالة السلطان.

ولما غادَرَ عرابي قصرَ النيل مقر وزير الجهادية جهر لمَن حوله «بأنه لا يزال رئيسَ الوطن» — وهذا اللقب هو اللقب الذي كانوا يلقِّبونه به — وكتب إلى الضباط بألَّا يهتموا باستعفاء الوزارة، وبألَّا يخطوا أقل خطوة، ولا يعملوا أقل عمل دون صدور الأمر إليهم منه، كما جاء في كتاب عرابي إلى حامد بك أمين ومحمد بك الزمر وقد تُلِي في المحكمة العسكرية، وكتب كتابًا خاصًّا إلى ضباط حامية الإسكندرية يبيِّن لهم فيه العبءَ الذي سوف يُلقَى عليهم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.