لا يتمتع أحدٌ في ماضيَّ بالشهرة البالغة، على الأقل ممَّن أعرفهم. وأتذكر على نحوٍ ضبابيٍّ أن ما يميز أحدَ أسلافي — والذي سافر على متن السفينة «ماي فلاور» — هو سقوطه من على ظهر السفينة ثم انتشاله من المياه، أعتقد أنه ربما يكون معروفًا، ولكنه بالكاد كان مشهورًا. الأكثر متعةً من ذلك أن أعتقِدَ أنني من سلالة شارلمان! ففي عام ١٩٩٩ منحني جوزيف تشانج الإذن لهذا الاعتقاد.

لم يكن تشانج خبيرَ أنسابٍ قرَّر أن يجعلني مشروعه الشخصي، بل هو خبير إحصائي في جامعة ييل يفضِّل التفكير في علم الأنساب بوصفه مسألة رياضية. فعندما ترسم سلسلة نَسَبِك، فإنك ترسم خطين ينطلقان منك ويتوجهان نحو والدَيْك، عليك بعد ذلك أن ترسم خطين لكلٍّ منهما، وتتوجه هذه الخطوط نحو أجدادك الأربعة، ومنهم إلى أجدادك الثمانية، ثم إلى أجدادك الستة عشر، وهكذا، ولكن ليس لمسافة طويلة. فإذا وصلت إلى عصر شارلمان — أيْ أربعين جيلًا إلى الوراء أو نحو ذلك (وجدير بالذكر أن تقديرات الأجيال وصولًا إلى شارلمان جرى تعديلها لتصل إلى ثلاثين جيلًا) — ينبغي أن تصل إلى جيلٍ من تريليون سلفٍ، وهذا يعني أن عدد الأشخاص الذين عاشوا على الأرض عندما كان شارلمان حيًّا أقل بقرابة ألفَيْ ضعفٍ من عدد الأشخاص في العصر الحالي.

الطريقة الوحيدة للخروج من هذا التناقض هي افتراض أن أسلافنا ليسوا منفصلين بعضهم عن بعض؛ أيْ إنه إذا تتبَّعْتَ سلالتهم، فستصل في النهاية إلى سلف مشترك بينهم جميعًا. إننا هنا لا نتحدث عن أبناء عمومة من الدرجة الأولى، ولكن على الأرجح من الدرجة العشرين، وهذا يعني أنه بدلًا من رسم شجرة تتفرع على نحوٍ متضاعفٍ، نحتاج إلى رسم مخطَّط يشبه الشبكة.

حلَّل تشانج — في بحثٍ نشره في عام ١٩٩٩ — هذا المخطَّط رياضيًّا، وخلص إلى أنه إذا ألقيتَ نظرةً على سلالة مجموعة من الأشخاص الأحياء، فسوف تجد في النهاية سلفًا مشتركًا بينهم جميعًا. هذا لا يعني وجود امرأة خرافية واحدة أنجبت بطريقةٍ ما كلَّ الأوروبيين عن طريق إنتاج مجموعة من البويضات على نحوٍ سحريٍّ، وإنما يعني أنه بينما تعود إلى الماضي، سوف تتقاطع عاجلًا أو آجلًا بعضُ خطوطِ الأنساب وتتقابل عند شخص واحد.

وبينما تعود لماضٍ أبعد، سوف تتقاطع المزيد من هذه الخطوط ريثما تقابل المزيد من الأسلاف المشتركين بين الأشخاص الأحياء. بعد ذلك، يحدث شيء مثير للاهتمام حقًّا؛ إذ عند مرحلةٍ ما، حسب قول تشانج: «يكون كل الأفراد الذين لديهم «أيُّ» أحفاد فيما بين الأشخاص الحاليين أسلافًا في الواقع ﻟ «كل» الأفراد الحاليين.»

في عام ٢٠٠٢، كتب الصحفي ستيفن أولسون مقالًا في «أتلانتيك» عن بحث تشانج. ولتزويد النتائج المجردة لبحث تشانج ببعض البيانات التجريبية، استخدم أولسون مجموعة من الأوروبيين الفعليين الأحياء.

كان أقرب سلف مشترك بين كلِّ الأوروبيين الحاليين (باستثناء المهاجرين الجُدُد للقارة) شخصًا عاش في أوروبا منذ فترة قريبة — منذ زهاء ٦٠٠ عام فحسب — وهو ما يثير الدهشة. بعبارةٍ أخرى، إن كل الأوروبيين الأحياء حاليًّا لديهم فيما بين أسلافهم نفس الرجل أو المرأة الذي عاش في عام ١٤٠٠ تقريبًا، وقبل هذا التاريخ ووفقًا لنموذج تشانج، ازداد عدد الأسلاف المشتركين بين كلِّ الأوروبيين الحاليين، حتى ساد موقف غريب، منذ قرابة ألف عام مضى؛ إذ تبيَّنَ أن ٢٠ بالمائة من الأوروبيين البالغين الذين عاشوا في عام ١٠٠٠ ليسوا أسلافًا لأي شخص حي في الوقت الراهن (أي إنهم لم يكن لديهم أطفال، أو إن أحفادهم ماتوا في النهاية دون إنجاب)، وتبيَّنَ كذلك أن كل شخص من الأشخاص المكوِّنين لنسبة اﻟ ٨٠ بالمائة المتبقية يُعَدُّ سلفًا مباشرًا لكل أوروبي يعيش في الوقت الراهن.

وهكذا فجأة، أصبحت شجرة نسبي أكثر رقيًّا؛ فأنا سليل لشارلمان، وبالطبع لست وحدي، بل كل الأوروبيين أيضًا. وبالمناسبة، أنا أيضًا سليل لنفرتيتي، وكذلك أنت، وكل شخص آخَر على وجه الأرض حاليًّا؛ إذ اكتشف تشانج ذلك من خلال توسيع نموذجه من الأوروبيين الحاليين وتطبيقه على كل البشر الذين هم على قيد الحياة، والوصول بعمر جيل كل السلف إلى ما يقارب ٣٤٠٠ عام بدلًا من ١٠٠٠ عام.

تغيَّرَ وجه الأمور كثيرًا خلال الأربعة عشر عامًا التي مضت، منذ نَشَرَ تشانج بحثه الأول حول الأنساب؛ فقد جمع العلماء قواعد بيانات ضخمة للمعلومات الجينية للناس من جميع أنحاء العالم، وربما لا تكون هذه القواعد مطابِقة لشجرة أنساب الجنس البشري بأكملها، ولكن ما زال بإمكان علماء الأنساب استخدامها لمعالجة بعض المسائل التي شغلت تشانج.

ومؤخرًا قرر عالِمَا أنساب هما: بيتر رالف، من جامعة كاليفورنيا الجنوبية؛ وجراهام كوب، من جامعة كاليفورنيا في ديفيس؛ إلقاءَ نظرة على أنساب أوروبا، واستفادا من مجموعةٍ من المعلومات حول ٢٢٥٧ شخصًا من جميع أنحاء القارة؛ فقد درس العلماء نصف مليون موقع في الحمض النووي لكل شخص منهم، ووضعوا أيضًا قائمةً مستقلةً للعلامات الجينية لكلٍّ منهم.

يمكنك استخدام هذا النوع من المعلومات الجينية للوصول لبعض الاستنتاجات المتعلقة بالأنساب، ولكن عليك أن تدرك ما تتعامل معه؛ فحمضك النووي ليس نسخةً طبق الأصل من الحمض النووي لوالديك؛ ففي كل مرة ينتجان بويضات أو حيوانات منوية، يخلطان نسختَيْ كروموسوماتهما ويضعانها في الخلية. وكما يزداد اختلاف ترتيب أوراق اللعب كلما زاد عدد مرات خلطك لها، تختلط الكروموسومات أكثر من جيل إلى جيل.

وهذا يعني أنه إذا قارنت الحمض النووي لشخصين، فسوف تجد بعض الأجزاء المتطابقة في الترتيب، وكلما كان الشخصان أقرب في النسب، ازداد حجم الأجزاء المتطابقة التي ستجدها. ويوضح هذا الرسم التخطيطي كيف يتشارك اثنان من أبناء العم جزءًا من الحمض النووي الذي يتطابق بالنسب.

حدَّد رالف وكوب في دراستهما ١٫٩ مليون جزء من هذه الأجزاء الطويلة من الحمض النووي المشتركة بين شخصين على الأقل، واستخدما بعد ذلك طول كل جزء من أجل تقدير المدة الزمنية التي نشأت فيها من سلف مشترك بين الأوروبيين الحاليين.

وتؤكد نتائجهما — التي نُشِرت في «بلوس بيولوجي» اليوم — على منهج تشانج الرياضي وتُثريه. حتى خلال الألف سنة الماضية، اكتشف رالف وكوب أن أشخاصًا من طرفَي القارة يتشاركون الكثير من الأجزاء؛ الكثير جدًّا منها في الواقع، لدرجة أن حصولهم عليها كافةً من سلف واحد يُعَدُّ أمرًا مستحيلًا من الناحية الإحصائية. وفي المقابل، من المفترض أن يتشارك شخص من تركيا وشخص من إنجلترا في الكثير من الأسلاف. وفي الواقع — وكما اعتقد تشانج — فإن الطريقة الوحيدة لتفسير الحمض النووي هي استنتاج أن كل شخص عاش منذ ألف سنة وله أي أحفاد في الوقت الراهن، هو سلف لكل الأوروبيين؛ إذنْ، فشارلمان يُعَدُّ سلفًا للجميع!

إذا قارنت بين شخصين في تركيا، فسوف تكتشف أجزاءً أكبر من الحمض النووي مشتركة بينهما، وهذا ليس مفاجئًا؛ فبما أنهما يعيشان في البلد نفسه، فمن المحتمل أن لديهما كثيرًا من الأسلاف الأقرب في الزمن. ولكنْ هناك نمط ثري ومثير للاهتمام لعدد الأجزاء المشتركة بين الأوروبيين. فعلى سبيل المثال، يملك الأشخاص الذين يعيشون في أوروبا الشرقية مجموعةً من الأجزاء المشتركة أكبر من المجموعة التي يملكها الأشخاص الذين يعيشون في بلدٍ واحدٍ في أوروبا الغربية، وهذا الاختلاف ربما يكون دليلًا على الانتشار الكبير للسلافيين.

ربما توفِّر دراسةُ رالف وكوب أداةً جديدةً لإعادة بناء التاريخ البشري في كل قارة، وليس في أوروبا فقط، وربما أيضًا تُبقي على حيرة الناس بشأن تعقيدات علم الأنساب. فإذا كان أوروبيُّو الوقت الراهن يشتركون في الأسلاف نفسها منذ ألف سنة — على سبيل المثال — فلماذا لا يُشبِهون بعضهم بعضًا جميعًا؟

Charlemagne’s DNA and Our Universal Royalty by Carl Zimmer. The Loom. May 7, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.