مات سعد زغلول! يا لهول الموقف! ويا لقسوة المقادير! ويا ما أشد حزن مصر على فاجعة لم تترك قلبًا إلا أدمته، ولا فؤادًا إلا سلبته، ولا نفسًا إلا اهتزت لها فرقًا، ولا عقلًا إلا زلزلت أعصابه زلزالًا.

نعم، يا لهول الموقف الرهيب! وأية رهبة وأي جزع! كأن تنظر أمة فإذا لسانها الناطق قد صمت، وإذا قلبها الخفاق لم يعد يخفق، وإذا هذا الذي كان على كل لسان وفي كل نفس في مصر وفي غير مصر من بلاد العالم كله، إذا سعد زغلول قد طوى الموت صحيفته، وإذا كل الأنظار التي كانت تتطلع إليه بالرجاء لم يبق لها إلا أن تتطلع إلى السماء راجية في رحمة الله ومغفرته العزاء، وإلا تنخفض إلى الثرى تبلله بالدموع المهراقة والعبرات المسكوبة.

مات سعد زغلول! يا لهولها من كلمة! رجل يملأ الدنيا اسمه دويًّا، وتحسب الممالك له حسابًا، ثم يأتي عليه الموت كما يأتي على أي رجل من الناس. عجبًا إذن! فما الحياة وما زخرفها الباطل؟! ولكنَّا يجب أن نتأسى، وما سعد إلا زعيم قد قضت من قبله الزعماء، ولئن مات فلن ينقلب على عقبيه أحد، وستظل ذكراه باقية في النفوس مذكية فيها ما ذكت به نفسه من حرص على حق الوطن، وإيمان لا يتزعزع باقتضائه إياه.

مات سعد زغلول واأسفاه! من أيام معدودات كنا جميعًا نعد الأيام الباقية على كلمة تسقط من بين شفتي الزعيم الراحل يقضي بها في مصير هذه البلاد، وكنا جميعًا ندعو بالتوفيق وننتظر من رحمة المقادير منفذًا من موقف طال بنا الضجر منه، فإذا هذه المقادير تقلب لنا ظهر المجن فيحبس الموت كلمة سعد بين شفاهه، ويحيل رجاء البلاد في المستقبل حزنًا ولوعة وأنينًا، ويقيم فيها بدل الآمال الواسعة مآتم تندب كلها رجلًا طالما هتفت باسمه، وطالما ابتهلت إلى الله ليمد في عمره؛ إذ كان هو أملَها ورجاءها لقوة الوطن ومنعته وعزته.

لمثل هذا اليوم الذي كانت مصر تنتظر فيه كلمة سعد للبتِّ في مصيرها جاهد سعد واحتمل ما احتمل من تضحية، لمثل هذا اليوم تألَّف الوفد، ولمثله نُفي سعد وأصحابه إلى مالطة، ولمثله فاوض سعدٌ ملنر، ولمثله أُبعد إلى سيشل، ولمثله عمل لإعادة الحياة النيابية بتآلف الأحزاب، فلما جاء اليوم الذي آن لسعد فيه أن يرى جني ثمرة تضحياته وجهاده، وثمرة هذه المتاعب والمشقات التي احتملها وهو في سنه المتقدمة بصبرٍ وثبات لا قِبَل بهما لشابٍّ؛ لما جاء هذا اليوم، الذي كنا نرجو وكان سعد يرجو أن يتوج فيه مجد حياته بالغاية العليا التي بذل في سبيلها كل ما بذل، إذا يد الموت الغادر تمتد إليه تتخطفه من الحياة والناس أشد ما يكونون بحياته وبصحته اغتباطًا، وأشد ما يكونون في المستقبل رجاء وأملًا.

جاهد سعد في السنوات الأخيرة من حياته لأنبل غاية، وجاهد بقوة لا يعرفها إلا العظماء، ومن قبل ذلك جاهد لمثل هذه الغاية فبلغ من جهاده ما مهد لمثل هذه الزعامة الكبرى؛ فهو لم يكن يومًا من الأيام بالرجل الذي يطمئن في الحياة لغير الجهاد.

ولد رحمه الله في بلدة إبيانة مركز فوه في عام ١٨٦٠، وبعد تلقي معارفه الأولى بها جاء إلى الأزهر فدرس فيه، وتعرف أثناء دراسته به بالسيد جمال الدين الأفغاني ودرس عليه، وعرف المغفور له الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، ثم عُين محررًا بالوقائع الرسمية برياسة الشيخ عبده، وهناك ظهرت مواهبه ككاتب وكمجدد، وأسندت إليه بعد ذلك وظيفة معاون في الداخلية، ثم تنظَّر قلم قضايا بالجيزة، وفي هذه الوظيفة الأخيرة لم يلبث إلا أسابيع حتى شبت نار الثورة العرابية، فاتُّهم بممالأة أنصار الشيخ عبده من طلاب الحرية والدستور والإصلاح، ولم تثبت عليه التهمة، ولكنه فُصل من عمله في الحكومة فاحترف المحاماة. وفي المحاماة كان علمًا من الأعلام، وزعيمًا من الزعماء، فقد وُهب من قوة الخطابة ما لم يُوهب غيره، فكان له من قوة حجته وحضور بديهته وسرعة خاطره وصفاء ذهنه ما وقف به في الصف الأول من صفوف هذه المهنة التي شرفت به وبأمثاله، وإذ عرف عنه الصدق في الدفاع عن الحق اختير للقضاء في محكمة الاستئناف، فكان مستشارًا ممن لا تزال أحكامهم حجة يحتج بها رجال العدل. على أن مناصبه الحكومية لم تصرفه عن النظر في الشئون العامة، فلم يكن عمل ذو بال إلا كان له فيه رأي يُستند إليه ويُعتمد عليه. ومن أجل أعماله وهو في الاستئناف ما قام به مع صديقه المرحوم قاسم أمين من الدعوة لإنشاء الجامعة المصرية، هذه الدعوة التي أثمرت خير ثمرها، والتي جعلت مصر من يومئذ كما هي اليوم مطمح أنظار الشرق الطامح لأسمى صور الثقافة. ومن الاستشارة في الاستئناف، ومن رياسة الجامعة المصرية اختير رحمه الله ناظرًا للمعارف في سنة ١٩٠٧.

وكما كان عظيمًا في المحاماة، عظيمًا في القضاء، عظيمًا في العمل لرفع منار العلم الحديث في رياسته للجامعة، كان كذلك عظيمًا في نظارته للمعارف، كانت المعارف قبل عهده إدارة أهم ما يعني الناس من أمرها تنقل الموظفين فيها، فلما تولاها نقل عناية الناس إلى المعارف نفسها، فصار الناس يتساءلون عن التعليم بلغة البلاد، وعن توسيع برامج العلم، وعن إرسال البعثات إلى أوروبا، وعن الخروج بالعلم عن أن يكون أداة لمناصب الحكومة ليكون أداة للمعرفة ولما يقوم على المعرفة من حياة صحيحة. وكذلك العظيم إذا تولى أمرًا نقله من متداول شئون العيش اليومي إلى سمو معاني الحياة. ولعل وزارة المعارف لم تفتر يومئذ عن التأثر بما بعثه فيها العظيم الراحل أمس إلى خلد القدر.

وترك وزارة المعارف إلى وزارة الحقانية، فترك فيها من الأثر مثل ما تركه في وزارة المعارف، ثم حالت الأحوال فاعتزل سعد باشا الوزارة حتى إذا كانت الانتخابات للجمعية التشريعية تقدم دولته لها، فانتخب في دائرتين من دوائر القاهرة وفاز فيها، ثم اختار إحداهما دائرته الحالية التي تولى فيها، دائرة السيدة زينب، هذه الدائرة التي كانت تفخر به وستظل تفخر بذكراه. ولما انعقدت الجمعية التشريعية انتخبته لها وكيلًا مع دولة عدلي يكن باشا، الذي عُين من قبل الحكومة وكيلًا للجمعية. وانعقدت الجمعية دورًا واحدًا ثم جاءت الحرب الكبرى فأقفلت حتى سنة ١٩١٨ حين كانت الهدنة، وفي ذلك اليوم الذي وضعت فيه الحرب أوزارها ذهب مع صاحبيه المغفور له علي باشا شعراوي، وحضرة صاحب السعادة عبد العزيز باشا فهمي يعلنان إلى معتمد إنكلترا في مصر مطلب مصر في الاستقلال، ثم كان على أثر ذلك ما تعرفه الأمة جمعاء من اعتقاله وأصحابه في مالطة ثم سيشل، وما كان من جهاده في إعادة الحياة النيابية بعد تعطيلها، وفي تأييد دولة ثروت باشا لإتمام الاتفاق مع إنكلترا اتفاقًا يتم به استكمال استقلال مصر، وفي هذه الأثناء كلها كان عظيمًا كما كان دائمًا عظيمًا، كان عظيمًا في خصومته، عظيمًا في وفائه. وهل لمن خلقه الله عظيمًا إلا أن يكون عظيمًا، وأن يخلَّد على صفحات التاريخ عظيمًا!

وكذلك قضى وكذلك وافاه الأجل المحتوم! نعم مات سعد زغلول، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. يا لقسوة القدر! ويا لنضوب معين العزاء! رَبِّ رحمةً بشعب ثاكل، ومغفرةً لزعيم راحل. تولانا الله وتولى الأمة برحمته، وأمطر الفقيد غيث رضوانه ومغفرته، وألهمنا جميعًا الصبر والعزاء، واجعل ذكرى سعد لكل قلب قوة، ولأهل هذا الوطن جميعًا إيمانًا مضاعفًا بحق الوطن وبكرامته وعزته وكبريائه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.