يدق التليفون فإذا المتحدث صحفي شاب يريد أن يلقي عليك أسئلة في السياسة أو في الاجتماع أو في الأدب، ومنهم من يلقي عليك هذه الأسئلة ويطلب الجواب عليها أثناء حديثه في التليفون، ومنهم من يطلب تحديد موعد يلقاك فيه ليحدثك فيما يرى أن يسأل عنه، ومنهم من يخاطبك باسم جريدة أو مجلة معينة، ومنهم من يذكر لك أنه يريد الإجابة على أسئلة لينشرها في أكثر من مجلة أو صحيفة في لبنان وسوريا والعراق.

ومن الأسئلة التي تكررت على مسمعي من غير واحد من هؤلاء المشتغلين والمتصلين بالصحافة سؤال عن الأدب الواقعي والأدب الخيالي، وأيهما أجدى على المجتمع وأوثق صلة بفنون الأدب. دعك من السؤال عن الوجودية؛ فهي لم تحدد بعدُ في بلادنا الإسلامية.

ويقول السائل: إن من الأدباء من ينكر الخيال في الأدب، ويرى أن القصة أو الأقصوصة أو أي لون من ألوان الأدب يجب أن يعتمد على الواقع، ويستمد منه وحيه، ويعتبر الخيال ضربًا من العبث يجب طرحه ظهريًّا، بل يجب التبرؤ منه.

ولست أنكر أنني شعرت بالحيرة للإجابة على هذه الأسئلة، وبخاصة ما يتعلق منها بالواقعية والخيالية، فأنا أعلم أن ما هو واقع اليوم قد كان خيالًا بالأمس، وما لعله خيال اليوم قد يكون واقعًا غدًا، أليسوا يحدثوننا باسم العلم عن السفر إلى القمر، وامتلاك الأراضي فيه، أواقع هذا أم هو محض خيال؟ وإذا صح أن تحقق غدًا أفيكون الذين يكتبون عنه اليوم من أصحاب الواقع أو من أصحاب الخيال؟ وهل يستطيع أحد اليوم أن يقول: إن السفر إلى القمر مستحيل بعد الذي حققه العلم من أمور كانت إلى عهد قريب خيالًا، ثم أصبحت واقعًا ملموسًا يحسه كل إنسان؟

والشيوعية اليوم واقع يؤمن به ملايين من أهل الأرض في روسيا السوفيتية، وفي البلاد الواقعة في فلكها، وفي الصين الشعبية كذلك. مع ذلك كانت الاشتراكية إلى زمن غير بعيد تعتبر خيالًا، وكان غير واحد من الذين كتبوا عنهم في أوربا قد عنونوا كتبهم بكلمة «يوتوبيا»، أي طوبى، أو أرض الخيال السعيد. ويذكر الذين درسوا هذه المذاهب الاشتراكية أن الذين آمنوا بها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قد أجروا تجارب لهذا الخيال السعيد، وأن الكاتبة الفرنسية المعروفة «جورج صاند» كانت أمًّا ليوتوبيا في بعض هذه التجارب. وها نحن أولاء نرى الواقع قد تخطى حدود الخيال بمراحل، وإن صح عند بعضهم أن هذا الواقع لا يزال خيالًا، وأن الناس ستعود بهم طبائعهم إلى نظام الفردية من جديد.

وما يتحدثون اليوم عنه من استخدام الذرة لأغراض السلم يلقى آذانًا مصغية كثيرة، أفلا يجوز لكاتب أن يتصور ما قد يتنفس عنه عالم الذرة في المستقبل القريب، أو في المستقبل البعيد، وأن يصور ذلك تصويرًا فنيًّا أدبيًّا في قصة أو مجموعة أقاصيص، وقد يصدق الواقع بعد ذلك خياله، أو يتخطى حدود هذا الخيال.

لا أقول هذا أنتقص به من قيمة الأدب الواقعي، فهذا الأدب هو لا ريب أدب الحياة المحيطة بنا، وهو الوسيلة للتغلب على ما في هذه الحياة من الشر والمتاعب، وما تنطوي عليه من خير، وإنما أقوله لأنني أؤمن بأن المذاهب الأدبية تتعاون على اختلافها ما قصد بها إلى خدمة الفن لذاته، وإلى خير الإنسانية كلها. وكثيرًا ما تأثر الكتاب بالواقع كما تخيلوه، كما أن منهم من استوحى أساطير الماضي، فخدم هؤلاء وأولئك الفن الرفيع أجل خدمة، فلينبذ أدباؤنا التعصب لمذهب بذاته، وليكتب كل منهم على سجيته؛ يخدمون بذلك الأدب والفن أيًّا كان المذهب الذي يؤمنون به.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.