ليست المشكلة الخطيرة مقصورة على أوروبا، فللشرق مشكلاته أيضًا، وليست مشكلات الشرق بأهون شأنًا، ولا أقل خطرًا على التعاون الدولي من مشكلات الغرب. وليس من شك في أن للحياة الأوروبية الجديدة المعقدة أشد التعقيد، خطرها وأثرها البالغ في مستقبل التوازن الدولي، ولكن ليس من شك أيضًا في أن الحياة الشرقية الجديدة معقدة شديدة التعقيد، وفي أنها مصدر لمصاعب ستؤرق ساسة الغرب، وستكلفهم ألوانًا من العناء؛ ذلك لأن حياة العالم، كما قلنا غير مرة، لم تقم قط، ولا يمكن أن تقوم على العزلة والانفصال، وإنما هي تقوم على ارتباط المنافع، وتبادل المصالح، واشتباك الاتجاهات، مهما تختلف ومهما تتباين. وإذا أحس العالم شيئًا من الضعف أو الاضطراب، أو فساد الأمر في أي ناحية من نواحيه؛ فسيكون لهذا كله أثره القوي أو الضعيف في حياة العالم كلها. والمسألة المهمة الخطيرة الآن هي أن الصلة بين الشرق والغرب كانت تقوم في العصر الحديث على أن الشرق كان ضعيفًا خاملًا، وعلى أن الغرب كان قويًّا ذكيًّا، واسع الحيلة، بارعًا في الاستغلال، قادرًا على تحقيق ما يريد. ولكن الأمور أخذت تتغير شيئًا فشيئًا منذ القرن الماضي، وأخذ هذا التغير يزداد قوة وسرعة منذ الحرب العالمية الأولى، ثم وصل الآن من القوة والسرعة إلى حدٍّ لا سبيل إلى إهماله أو الإغضاء عنه، ولا بدَّ من أن يحسب له الحساب كل الحساب. فقد كانت شئون الدولة العثمانية ذات الأطراف المترامية في القارات الثلاث القديمة، هي التي تشغل أوروبا في القرن الماضي، فكان هذا الشرق وحدة يمثلها الباب العالي، وكانت أوروبا تتفق وتفترق حول مطامعها ومنافعها، والسياسة التي تدر هذه المنافع، وتحقق تلك المطامع بالقياس إلى الرجل المريض كما كانوا يسمون الدولة العثمانية في ذلك الوقت.

أمَّا بعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى، فلم تبقَ هناك وحدة مريضة يمكن أن تختلف حولها المنافع والمطامع. وإنما نشأت وحدات كثيرة ناهضة تسعى متثاقلة إلى كسب حقوقها، والظفر باستقلالها. وكانت الدولة التركية نفسها في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أهم هذه الوحدات وأعظمها خطرًا، فقد أخلفت ظن أوروبا، وأثبتت للغرب أنها تستطيع أن تفقد إمبراطوريتها، وأن تحيا مع ذلك حياة قوية خصبة يرهب جانبها، ويحسب لها في السياسة الدولية حسابها.

فهي قد ألقت عن نفسها أثقال المرض، وتخلصت من أعباء الخمول، ونهضت بعد الهزيمة نشيطة أبية، فردت المغير عن أرضها، ورفضت معاهدة سيفر، واضطرت الغرب إلى أن يعقد معها معاهدة لوزان. ثم لم تلبث أن بيَّنت للغرب أنها بعد أن عادت إلى حدودها، وعكفت على نفسها، وأصلحت من أمرها، ما زالت قوة عاملة في التوازن الدولي، وإذا أوروبا تفاوضها في أمر المضايق، ثم تتنافس في محالفتها حين تظهر بوادر الحرب العالمية الثانية. وإذا تركيا تقوم بين ألمانيا وأعدائها ذلك المقام المعروف الذي امتاز بالقوة والحزم، كما امتاز بالبراعة والدهاء. وكان الغرب يقدر في أكبر الظن أن الإمبراطورية التي تخلت عنها تركيا ستصبح نهبًا مقسمًا بين المنتصرين، ولكن الحوادث كذبت الآمال وأخلفت الظنون، وأظهرت أن هذه الإمبراطورية لا تريد أن تُنهب، ولا أن تُقسَّم، وإنما تريد أن تسترد حقوقها المضيعة واستقلالها المغصوب. والناس جميعًا يعرفون كيف ثارت مصر حتى ظفرت ببعض حقها، وما زالت تطالب بما بقي من هذا الحق، وكيف سلكت سوريا ولبنان والعراق نفس الطريق، وكيف تطورت جزيرة العرب حتى انتهت إلى استقلالها الرائع الذي تتمتع به الآن.

ثم كانت الحرب العالمية الثانية، فاضطرت أوروبا في أثناء هذه الحرب إلى أن تنظر إلى هذا الشرق نظرة جديدة تخالف نظرها إليه فيما مضى، نظرة قوامها التحبب والتقرب والاسترضاء، والإسراف في بذل الوعود. وربما كان من الحق أن أوروبا لم تحسن قط درس نفسية الشعوب الشرقية وتمعن حقائقها، فقد ظنَّت أوروبا في جميع صلاتها بالشرق أنها تستطيع أن تَعِدَ اليوم لتخلف غدًا، وأن تسجِّل الآن لتنسى بعد حين، وقدَّرت أن الشرق يمكن أن يسمع ثم ينسى ما سمع، وأن يتلقى الوعود، ثم يتجافى عن تحقيق هذه الوعود. ومع أن ثورة الشرق العربي بين الحربين قد كانت خليقة أن تقنع أوروبا بأن الشرق يجدُّ حين يهزل الغرب، وبأنه لا يتلقَّى الوعود إلا منتظرًا لتحقيقها، مصممًا على هذا التحقيق، فإن أوروبا ما زالت إلى الآن ماضية في سياسة الوعود التي تُبذل الآن لتنسى غدًا، وفي سياسة الاعتماد على النسيان، والاشتغال بما يطرأ من الحوادث والخطوب. وهي من أجل ذلك قد همت أن تهمل في أعقاب هذه الحرب ما وعدت به حين كانت نار الحرب مضطرمة تملأ الأرض شررًا ولهيبًا، فنبهها الشرق العربي إلى أن عهد هذا الإهمال قد مضى وانقضى، وإلى أن الصلة بين الشرق والغرب يجب أن تقوم منذ الآن على الجِدِّ الذي لا لعب فيه. وكانت مشكلة سوريا ولبنان دليلًا واضحًا على أن الشرق العربي قد أخذ أمره بالحزم، وصمم على ألا يكون استقلاله كلامًا، وعلى ألا تكون حقوقه موضوعًا للمداورة والمناورة.

وكذلك وضعت المشكلات الشرقية في وضعها الصحيح الدقيق، سواء أرضيت بذلك أوروبا أم لم ترضَ، وسواء أصدقت ذلك أوروبا أم لم تصدقه.

وكان الأوروبيون ينظرون إلى جامعة الأمم العربية نظرة فيها كثير من العطف والاستعلاء، وفيها كثير من الاستهانة والاستخفاف. ولكن الحوادث أظهرت لأصحاب البصيرة من الأوروبيين أن الشعوب العربية لا تعبث ولا تلهو، ولا تتخذ الجامعة مرآة تكتفي بالنظر فيها، وإنما تتخذها أداة لبلوغ الأهداف وكسب الحقوق. وقد يكون من الحق أن الحكومات العربية لم تبلغ من تقديرها للجامعة ما بلغته الشعوب، ولكن الحكومات تتغير، والشعوب تبقى، والشيء الذي ليس فيه شك هو أن الشعوب العربية على اختلافها، وتباين طبقاتها مؤمنة إيمانًا عميقًا بحقها في الاستقلال أولًا، وبواجبها في التعاون ثانيًا، وبأنها لن تطمئن؛ حتى تحمل أوروبا بالرضا أو بالكره على أن تعترف لها بحقها في الكرامة والحرية والاستقلال.

وما أشك في أن أوروبا ستخادع نفسها وقتًا طويلًا أو قصيرًا، وستخادع الأمم الشرقية وقتًا طويلًا أو قصيرًا أيضًا، ولكني لا أشك في أن أوروبا ستنتهي راضية أو كارهة إلى مواجهة الحقائق الواقعة، والاقتناع بأن الخداع لن يغني عن الحق شيئًا.

وليس من شك في أن لأوروبا آمالًا ومطامع ومنافع في الشرق العربي؛ فالشرق طريقها إلى إمبراطورياتها المختلفة، وفي الشرق كنوز تعرفها أوروبا حق المعرفة، ولا تستطيع أن تستغني عنها. وقد كان لأوروبا سلطان على الشرق، لا تستطيع أن تدعه في سهولة ويسر. ولكن أوروبا ستعلم حق العلم — إن لم تكن قد علمت بالفعل — أن بلوغ الآمال، وتحقيق المنافع، والوصول إلى إمبراطورياتها، كل ذلك يمكن أن ينال من طريق المودة والألفة والتعاون، وكل ذلك يتعرض للخطر كل الخطر إذا أريد تحقيقه من طريق البأس والبطش والتغلب. وستعلم — إن لم تكن قد علمت بالفعل — أن هناك أشياء يفقدها الناس، ويجب أن يتعزَّوا عن فقدها؛ لأن طبيعة الأشياء تقتضي ذلك، وأن السلطان بعض هذه الأشياء. وقد تسلطت أوروبا على الشرق حينًا، ثم آن لسلطانها أن يزول، وقد أخذ يزول بالفعل شيئًا فشيئًا، ولا بد من أن ينتهي إلى الزوال التام، فخير لأوروبا أن تستقبل العالم الجديد بعقول جديدة وقلوب جديدة، وأن تقيم الصلة بينها وبين الشرق على التعاون الصادق الذي يقوم على النصح والإخلاص، لا على الخداع والرياء.

هذا التعاون هو الذي يؤمن طرق المواصلات، وهو الذي يمكن من استخراج الكنوز، واستغلالها لمصلحة الشرق والغرب جميعًا، وهو الذي يكفل للعلاقات الاقتصادية والثقافية نموًّا مضطردًا، وتنتهي بها إلى هذه الغاية التي تطلبها الحضارة منذ زمن بعيد، وهي غاية التكافؤ في الحقوق والواجبات، والعمل على تحقيق الرقي الإنساني المستمر.

وليست مشكلات الشرق مقصورة على دولة بعينها من الدول الكبرى، ولكنها شائعة بين الدول الكبرى جميعًا، وبين دول الشرق جميعًا.

فهناك مشكلات بين روسيا وتركيا، ومشكلات أخرى بين روسيا وإيران. ولبريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية آراؤهما في هذه المشكلات، وليس المهم أن يتغلب رأي هذه الدولة أو تلك، وإنما المهم أن تحفظ لتركيا وإيران كرامتهما وحقوقهما بالقياس إلى هذه الدول جميعًا، ولمصلحة العالم كله كذلك.

ومثل هذا يُقال في الصلات بين الأمم العربية وبين الدول الكبرى، فلبريطانيا العظمى موقفها من مصر والعراق: احتلال قديم هنا يجب أن ينتهي، وانتداب قديم هناك يجب أن تزول آثاره. ولفرنسا مشكلتها في سوريا ولبنان، ويجب أن تحل هذه المشكلة حلًّا نهائيًّا حاسمًا لا لعب فيه ولا مداورة.

ولأمريكا آمالها ومنافعها الاقتصادية في كل هذه البلاد، فيجب أن يقوم تحقيق هذه الآمال والمنافع على المودة والاحترام، والاعتراف بتكافؤ الحقوق.

ولروسيا نظراتها هذه التي تبلغ الشرق العربي من حين إلى حين، فيجب أن تكون هذه النظرات صافية نقية بريئة من الريب والشكوك. ويجب أن تفهم الدول الكبرى أنها تخطئ خطأ نفسيًّا خطيرًا إذا اعتقدت أنها تستطيع أن تمضي في تنافسها القديم حول بلاد الشرق، فقد انقضى عصر هذا التنافس القديم.

وهناك مشكلتان خطيرتان إحداهما تشغل العالم كله الآن، والأخرى تشغله بين حين وحين، ولا بد لهما من حل حاسم يرد الأمر إلى نصابه بين الشرق والغرب. إحدى هاتين المشكلتين: مشكلة فلسطين، هذه التي توشك أن تشغل الرأي العالمي عن كل شيء. والغريب من أمر هذه المشكلة أنها مصطنعة قد اختُرعت اختراعًا، وابتكرها الغرب من لا شيء، وكانت نتيجة لهذا التورط في الوعود التي تُبذل بغير حساب أثناء الحرب! فقد عاش العالم قرونًا على أن فلسطين جزء طبيعي من العالم العربي، يعيش الناس فيه كما يعيشون في أقطار البلاد العربية عيشة عادية لا عوج فيها ولا التواء. ولكن الحرب العالمية الأولى اخترعت هذه المشكلة الجديدة اختراعًا، واستخرجت من وهم الشيطان هذه الفكرة التي أحدثت الفرقة، وأفسدت الأمر بين الشرق والغرب إفسادًا عظيمًا. ومن الحق أن الذين اخترعوا هذه المشكلة يجب عليهم أن يحلوها، وأن يريحوا العالم، ويريحوا أنفسهم منها، فقد كانت فلسطين وما زالت عربية، فيجب أن تبقى فلسطين عربية، وأن تخلص لنفسها، وأن تدبر أمرها كما تريد هي، لا كما يريد هذا البلد أو ذاك من بلاد أوروبا وأمريكا.

على هذا النحو وحده يجب أن تُحل هذه المشكلة، بل يجب أن تلغى هذه المشكلة إلغاء؛ لأنها مشكلة غير طبيعية، مشكلة جاءت من التكلف والتحكم، لا من الحقائق الواقعة، ولا من طبيعة الأشياء.

وفي الأرض مشكلة يهودية جاءت من ظلم بعض البلاد الأوروبية وتحكمها، فهي مشكلة أوروبية يجب أن تحلها أوروبا على حسابها هي، لا على حساب غيرها من الناس. ولأوروبا مستعمرات واسعة، وإمبراطوريات هائلة تسع الملايين والملايين من اليهود دون أن تجد في ذلك ضيقًا أو جهدًا، فلتعتمد أوروبا على هذه المستعمرات لحل هذه المشكلة، فهي التي ظلمت اليهود واضطرتهم إلى الهجرة، وهي التي امتحنت العالم بهذه المشكلة المعقدة التي اخترعتها اختراعًا.

أمَّا المشكلة الثانية فمستقرة في شمال أفريقيا، فالشرق العربي لا ينتهي عند مصر، ولكنه ينتهي عند المحيط الأطلنطيقي. كذلك نظرت إليه أوروبا في القرون الوسطى، وكذلك نظرت إليه في العصر الحديث، وكذلك ننظر نحن إليه منذ استقر العرب في شمال أفريقيا في آخر القرن الأول للهجرة، وكذلك ننظر إليه الآن. وهذا الجزء من الشرق العربي يخضع الآن لما كنَّا نخضع له نحن من التسلط الأجنبي، وهو يستمتع بمثل ما نستمتع به نحن من الحياة والنشاط، والشعور بالحق في الكرامة والاستقلال. ونحن نشاركه في هذا الشعور، ونطلب له مثل ما نطلب لأنفسنا، ونرى أن حل مشكلات الشرق لن يتم إلا إذا حُلت مشكلة هذا الجزء من شمال أفريقيا. ونرى أن جامعة الأمم العربية لن تتم إلا إذا مُثل فيها هذا الجزء من شمال أفريقيا. فإذا نصحت أوروبا لنفسها وللشرق، فالخير أن تنظر إلى هذه المشكلات كلها كما ننظر نحن إليها، وأن تواجهها بمثل ما نواجهها به من الحزم، والرغبة الخالصة في حلها على هذا النحو الذي صورناه من التعاون والإخلاص. على أن أوروبا تستطيع أن تخدع نفسها، وأن تخدع غيرها، فستشقى هي أولًا بهذا الخداع، وقد يكون من الخير أن تسبق أوروبا الحوادث المكروهة المنكرة، وأن تتعجل إقرار الأمر بينها وبين الشرق على المودة والإخاء. فإذا قصرت أوروبا في ذلك، فمن الحق علينا نحن ألا نقصر فيه، وأن نذكر دائمًا أن مشكلاتنا مهما تختلف ومهما تتباين، فهي في حقيقة الأمر مشكلة واحدة، ولن تستقيم أمور العالم الجديد إلا إذا أُتيح لشاطئ البحر الأبيض المتوسط هذا الاستقلال الذي يستمتع به الشاطئ الأوروبي وحده، ويجب أن يستمتع به الشاطئ الأفريقي والآسيوي.

وبدون هذه المساواة لن يستقيم الأمر بين الشرق والغرب، ولا سيما بعد أن تبين أن عهد التسلط والتغلب قد انقضى بالقياس إلى هذه الأقطار العربية منذ عهد بعيد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.