أما القسم الأول منها فقد تم صباح اليوم، بعد أن شهد المصريون والأجانب فيه ما يدعو أولئك وهؤلاء إلى التفكير الطويل، رأوا شعبًا ووزارة يختصمان في بلد يقال إنه ديمقراطي دستوري، ولا ينبغي أن يكون فيه الخصام بين الشعب والوزارة، وإنما ينبغي أن تنزل فيه الوزارة عند إرادة الشعب فتنفِّذ أمره، وتُحقِّق آماله، وترعى منافعه وحرماته، أو تستقيل، ولكن المصريين والأجانب — مع هذا — رأوا خصومة بين الشعب والوزارة في بورسعيد، وخصومة مختلفة الألوان، متباينة الأشكال، فيها الجد الذي يُدْمِي القلوب ويفطر الأكباد، وفيها الهزل الذي يرسم الابتسامات المُرَّة على الثغور.

هذا الصراع بين الشعب والشرطة يسقط فيه الجرحى من الشعب والشرطة؛ لا لشيء إلا لأن الإدارة تريد أن تتحكم في الناس، وتُخضِعهم لإدارتها، على حين لم توجد الإدارة لتتحكم ولا لتفرض إرادتها على الناس، ثم هذه الحيل الملتوية تلجأ إليها الوزارة من ناحية لتحول بين رئيس الوفد وبين ما يريد، ويلجأ إليها الشعب من ناحية أخرى ليظفر بما يريد برغم تحكُّم الوزارة وممانعتها إياه، يريد رئيس الوفد أن يزور الجرحى في المستشفى، فتأبى الوزارة عليه هذه الزيارة، فيصر رئيس الوفد على ما يريد فتضطر الوزارة إلى شيء من اللعب أقل ما يوصف به أنه غريب؛ تأمر بأن ينقل الجرحى من المستشفى على عجل وتخفي المكان الذي نُقِلُوا إليه، حتى إذا ذهب الرئيس إلى المستشفى لم يجدهم، فإذا سأل عنهم قيل إنهم نقلوا إلى مكان مجهول!

والوزارة التي تضطر إلى هذا اللعب، وتلجأ إلى هذه الحيلة، تريد أن يؤمن الناس لها بالقوة وأن يستشعروا لها الهيبة، وأن يعترفوا لها بالبأس والسلطان. ولكن القويَّ لا يعبث حين يجب الجِدُّ، ولا يمكر حين تجب الصراحة، ولا يحتال حين تجب مواجهة الحقائق في حزم وعزم وإقدام؛ فالوزارة القوية المهيبة حقًّا تخلِّي بين رئيس الوفد وبين زيارة المرضى في المستشفى، وماذا تخاف من هذه الزيارة؟ وماذا تتوقع أن يكون حين يدخل رئيس الوفد إلى المستشفى ليزور من فيه من المرضى؟ والوزارة القوية المهيبة حقًّا تمنع رئيس الوفد من زيارة المستشفى إذا استيقنت أن في هذه الزيارة شرًّا، فأما هذا التردد والاضطراب بين الإذن والمنع، فأما هذا اللعب فيما لا يجب اللعب به، فأما هذا الاحتيال فيما لا يجب الاحتيال فيه، فأما خطف المرضى من المستشفى وإخفاؤهم في مكان مجهول، فكل هذا لا يدل على قوة، ولا على هيبة، ولا على جد في الأمر، وإنما يدل على الضعف، والوهن، والالتجاء إلى المكر للفرار من المشكلات.

لعبت الوزارة مع الشعب فلعب الشعب مع الوزارة، كما جَدَّت الوزارة مع الشعب فَجَدَّ الشعب مع الوزارة، ونظن أن الوزارة قد استيقنت الآن أنها واجدة عند الشعب ما تريد، إن جدًّا فجد وإن هزلًا فهزل. أراد الشعب أن يصحب الرئيس إلى مقابر الشهداء فأبت عليه الوزارة ذلك؛ فاحتال واصطنع تشييع جنازة ومضى في تشييعها حتى انتهى إلى المقابر، وهناك تم له ما كان يريد من مشاركة الرئيس في تحية الشهداء، والمقطم هي التي تروي هذا النبأ، لا صحف الوفد، ومن كان في حاجة إلى أن يضحك من لعب الوزارة، ومن مجاراة الشعب لها في هذا اللعب فليضحك. أما نحن فنرى هذا محزنًا حقًّا؛ لأنه يدل على أن الصلة بين الوزارة والشعب قد أصبحت عرضة للفكاهة والتندُّر، وحسبك بهذا شرًّا ونكرًا.

ومهما يكن من شيء فقد زار رئيس الوفد وأصحابه بورسعيد، وعرف الشعب في هذه المدينة كيف يُكْرِه الوزارة على أن تعترف بأنه موجود وبأنه يحب الوفد ولا يحبها، وبأنه يؤيد الوفد ولا يؤيدها، وبأنه يعرف كيف يصبر للمُلِمَّات، وكيف يصل إلى ما يريد، وارتحل رئيس الوفد عن بورسعيد صباح اليوم، وقد قامت الحجة، وما زالت قائمة، ونهض الدليل وما يزال ناهضًا، وتبيَّن الأغبياء قبل الأذكياء أن سلطان الوفد على قلوب المصريين أقوى وأوسع وأعمق وأثبت من أن يطمع فيه الطامعون، وهذا رئيس الوفد يسلك طريقه إلى الإسماعيلية ثم إلى الشرقية، والحجة قائمة والأدلة ناهضة هنا وهناك على أن الوزارة وجلة، قد ألهاها الوجل عن جد الأمر، فزعة، قد صَرَفَها الفزع عن الصواب … ما هذا؟ ما التحكم الغريب الذي يظهره السلطان في الزقازيق والذي تعجز الألسنة والأقلام عن وصفه؟ متى اشترت الوزارة أهل الشرقية واتخذتهم لها عبيدًا تصرف أمرهم وجهرةً على هذا النحو الذي لا يلائم منطقًا ولا تفكيرًا مستقيمًا؟

أيريد أهل هذه المدينة أن يقيموا سرادقًا لاستقبال الرئيس فتأبى الوزارة عليهم ذلك معتزة بقانون الاجتماعات؟ يريد أهل هذه المدينة أن يسعوا لاستقبال الرئيس في المحطة، فتأبى الوزارة أن تبيح هذا السعي إلا لعشرة من ألوف. يريد أهل هذه المدينة أن يقيموا مأدبة خاصة للرئيس، فتأبى الوزارة إلا أن تتحكم في عدد الذين يحضرون المأدبة وفي أشخاصهم؛ لا ينبغي أن يزيد العدد عن كذا، ولا ينبغي أن يحضر المأدبة إلا من تأذن الوزارة له بالحضور. يريد أهل المدينة أن يزور الرئيس وجوههم وأصحاب المكانة فيهم، فتأبى الوزارة إلا أن نعرف من يزور الرئيس لتأذن بالزيارة أو ترفضها. ثم تأبى الوزارة إلا أن يحدد لها أهل المدينة الطريق التي سيسلكها الرئيس حين يذهب في المدينة ويجيء، وأن يعطوا على أنفسهم عهدًا ألا تتغير هذه الطريق مهما تكن الظروف.

كلام يعجب ويلهي لو أننا نقرؤه في أحاديث ألف ليلة وليلة، وهو يدعو إلى العبرة والعظة لو أننا نقرؤه في بعض كتب التاريخ التي تصوِّر عصور الظلم والاستبداد، ولكنه يُحْفِظ ويُثِير حين نعلم أنه يصور ما تأتيه الوزارة الآن في إقليم من أقاليم مصر في القرن العشرين، وفي ظل النظام والقانون والدستور، وما الذي كان يصنعه وزير الداخلية بأهل الشرقية لو أنه اشتراهم، واشترى أرضهم، وسار فيهم وفي أرضهم سيرة المالك فيما يملك؟ أليس غريبًا أن يقال إن مصر بلد متحضر، وإن هذا البلد قد أصبح جزءًا من أوروبا، وإنه يعيش في عصر الحرية والنور، وإن وزير الداخلية مع ذلك يتحكم في أهله على هذا النحو الذي ليس إلى وصفه ولا إلى فهمه من سبيل؟!

على من تقع تبعة هذا التحكم؟ ومن الذي ينبغي أن يُسْأَلَ عن هذا التعسُّف؟ أهم الوزراء المصريون وحدهم؟ فما نظن أنهم كانوا يقدرون على ذلك، أو على بعض ذلك، لو لم تكن لهم قوة يأوون إليها ويعتزون بها. أهم الموظفون الإنجليز، والمحتلون الإنجليز؟ فما نظنهم كانوا يقدرون على ذلك أو على بعض ذلك لو لم يكن لهم أعوان من المصريين يُتِمُّون لهم ما يبدءون، وينفِّذون لهم ما يرسمون.

إنما يُسْأَل عن هذا التحكم في شعب حر، وعن هذا الإذلال لشعب عزيز، هؤلاء المتعاونون المتضامنون من المصريين الذين لا يرعون لبلادهم إرادة، ولا يُقَدِّرون لشعبهم مشيئة، ومن الإنجليز الذين لا يكادون يتركون بلادهم إلى قصر حتى يتركوا فيها كل احترام للحق، وكل إكبار للعدل، وكل اعتراف بحق للشعوب في أن تعيش حرة في بلادها. فما أجدر المصريين أن يفكروا في هذا كله، وأن يروه! فقد ينفعهم هذا التدبر وقد يعلِّمهم هذا التفكير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.