درس قيم ممتع، فيه جِدٌّ وهزل، وفيه نصح وسخرية، وفيه عفة وفكاهة، وهو نافع على كل حال، سينتفع به قوم كثيرون، أكثر جدًّا مما تظن أنت أو أظن أنا. ولم يكن بدٌّ من إلقاء هذا الدرس على الذين تلقَّوه، بعد أن فسدت قلوب وساءت نفوس واختلطت الأمور على بعض الناس فغلبتهم المنافع العاجلة على المذاهب والآراء.

والناس قد يقتنعون بالحق ويؤمنون له، ولكن الحاجة تلهيهم عنه، والمنفعة تزهدهم فيه. فالحوادث تحسن إليهم حين تذكِّرهم من حين إلى حين بما نسُوا، وتنبههم من وقت إلى وقت لما غفلوا عنه، وتعلمهم أن الباطل قد يطول، ولكن طوله واستقراره في الأرض لا يجعله حقًّا، ولا يتيح للناس أن يجنوا منه برًّا ولا خيرًا.

نعم، كان درسًا بليغًا قيمًا ممتعًا هذا الذي أُلقيَ أول أمس، ولم يكن بدٌّ من إلقائه؛ لأن فريقًا من المصريين كانوا في حاجة إلى أن يسمعوه، وقد سمعوه وضاقت به نفوسهم، واضطربت له قلوبهم، وجرت له دموع بعضهم فيما يقول القائلون. ولسنا نعرف بالضبط من الذي ألقى هذا الدرس، ولكنا نعرف أنه أُلقيَ في مجلس الشيوخ. ولعل طلاب الحقوق أول المنتفعين به والمعتبرين بما فيه من العبر والعظات.

شقَّ عليهم ما أصابهم من الإخفاق في الامتحان، ومن الحق أن هذا الإخفاق مؤلم، وأن نظام الامتحان عسير، أعسر مما ينبغي في الجامعات. ثم شقَّ عليهم أن لا تتاح لهم الفرصة ليؤدوا الامتحان مرة أخرى في أول العام الجامعي المقبل. ومن الحق أن حرمانهم هذه الفرصة مؤلم لا يلائم نظم الجامعات. وقد شكوا من هذه القسوة، وضجُّوا من هذه الشدة، ولجئوا إلى الوزير فلم يرحمهم الوزير. ولجئوا إلى الصحف فأعانتهم ما وجدت إلى إعانتهم سبيلًا. ولجئوا إلى النوَّاب فاضطروا ميلًا إليهم وعطفًا عليهم ونصرًا لهم، وتحمسوا في ذلك، وجدُّوا في التحمس، وهيئوا مشروع قانون قاومته الوزارة مقاومة عنيفة طويلة ملتوية. ولكن كثرة النوَّاب استطاعت أن تحتفظ بموقفها، وأن تمضي هذا المشروع؛ لأن الوزارة لم تجعله موضوعًا للثقة.

فلما أُمضيَ القانون في مجلس النوَّاب؛ فرح الطلاب وابتهجوا، وظنُّوا أنهم قد أدركوا ما أرادوا، وظفروا بما أملوا. ولم لا؟! قانون يمضيه مجلس النوَّاب، ويمضيه برغم مقاومة الوزارة له وإن كره إياه. أليس من المعقول أن يمضي هذا القانون في مجلس الشيوخ كما مضى في مجلس النوَّاب، وأن ينتصر الطلاب على طول الخط كما يقول أصحاب الحرب، وأن يفرغوا بعد ذلك للدرس وإعادة التحصيل طول الصيف؛ ليؤدوا الامتحان في أول الخريف؟ ولكنَّ الطلاب نسوا أن للسياسة فنونًا يعجزهم فهمها، وتخفى عليهم أسرارها، وأن وزير التقاليد أقوى من أن ينهزم أمام الطلاب، وأمام النوَّاب أيضًا. وقد تكشفت لهم هذه الفنون أول أمس عن أسرارها، وأبدت لهم مكنونها، فعُرِض القانون على لجنة المعارف في مجلس الشيوخ، ولكن اللجنة لم تنظره؛ لأنها لم تجتمع أو لأنها صرفت عن الاجتماع. وهم جماعة من الشيوخ أن يتعجلوا نظر القانون في الجلسة الأخيرة لمجلسهم أول أمس، ولكن اعتراضًا شكليًّا أُثير، فنام له القانون نومًا عميقًا. وأتم البرلمان دورته وانصرف، والقانون معلق قد دبَّت فيه الحياة حتى انتهت إلى نصفه، ولكنها وقفت عند ذلك فلم يستطع هذا القانون أن ينشط ولا أن يتحرك، ولا أن يغني شيئًا عن الذين طلبوه وجدُّوا فيه. وتفرق الطلاب أمس وهم يائسون بعد أن كان الأمل يملأ قلوبهم رضًا، والرجاء ينعم نفوسهم غبطةً وابتهاجًا. وعاد وزير التقاليد إلى داره هادئًا مطمئنّا، لا يكاد يفكر في الطلاب ولا في النوَّاب ولا في القانون. وأُلقيَ الستار، وهدأ كل شيء إلَّا هذه الصيحات التي يبعثها اليأس من أفواه الطلاب، يبكون ويشكون، ويستغيثون فلا يُغاثون.

كل هذا كان، وكل هذا مؤلم حقًّا. ولكنَّ كلَّ هذا نافع حقًّا. فلو أن أمر الطلاب يعني أعضاء البرلمان كما تعنيهم بعض الشئون الأخرى التي تتهالك عليها الوزارة لتشد أزرها؛ لما تفرق مجلس الشيوخ قبل أن يقضي فيه مسرعًا كما قضى مسرعًا في أمر القناطر التي يُراد إنشاؤها لا غدًا ولا بعد غدٍ ولكن بعد عام أو عامين. ولو أن أمر الطلاب يعني أعضاء البرلمان كما تعنيهم هذه المسائل التي يحرص عليها الوزراء أشد الحرص؛ لما تفرق الشيوخ قبل أن يضمنوا للطلاب تحقيق ما يريدون. ولكن أمر الطلاب يسير؛ هم غاضبون اليوم فسيرضون غدًا، هم محزونون اليوم فسيبتهجون غدًا، هم يائسون اليوم فسينسون يأسهم وقنوطهم بعد أيام. أمر الطلاب أيسر على كل حال من أمر الوزراء ومن أمر العميد. والوزراء لا يريدون أن يمضي القانون، والعميد لا يريد أن يمضي القانون. ويُقال: إن مجلس الجامعة قد رفض هذا القانون بإجماع الآراء. وفي مجلس الشيوخ رزانة ووقار، وحسن تقدير للأمور، وحسن تقدير لمنازل الناس أيضًا، فليس عليه بأس من أن يهمل أمر الشباب ليرضي الشيوخ من الوزراء والجامعيين.

ليس شيءٌ من هذا غريبًا، وإنما الغريب حقًّا أن تسيطر الآمال الكاذبة على نفوس الطلاب، فإذا هم ينتظرون الخير ويطمعون فيه في عهد لا ينتظر فيه الخير، ولا يصح أن يطمع فيه. وهنا تظهر المنفعة القيمة لهذا الدرس البليغ، فقد قال مجلس الشيوخ أول أمس للطلاب: لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت وعند كل فرصة: إنكم تعيشون في عهد لا ينبغي أن تنتظروا فيه عناية بكم أو استماعًا لكم، أو حرصًا على إرضائكم، وإنما ينبغي أن تنتظروا فيه الشدة والقسوة والعنف والجهد الثقيل. لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت: إن الذين يغرونكم بالآمال ويستهوونكم بالأماني ويخيلون إليكم أنهم يرحمونكم ويحبونكم ويحدبون عليكم، لا يزيدون على أن يقولوا لكم كلامًا قد يحسن موقعه في النفوس، ولكنه عند البحث والتمحيص لا يحقق شيئًا ولا يدل على شيء.

لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت: إن أمركم في هذا العهد يجب أن يكون كأمر الشعب كله محنةً متصلةً وبلاءً مقيمًا، وإن واجبكم في هذا العهد يجب أن يكون كواجب الشعب كله صبرًا لا يعرف الضجر واحتمالًا لا يعرف الضعف وإيثارًا للوطن، وثباتًا للملمات على المنافع العاجلة مهما تكن.

قال مجلس الشيوخ أول أمس للطلاب: ها أنتم أولاء قد طمعتم في النوَّاب فاستيئسوا الآن من الشيوخ، ها أنتم أولاء قد فُتحت لكم أبواب الأمل فلا تدخلوا، ولكن انظروا! إنها تُغلق في وجوهكم إغلاقًا.

عودوا إلى ما كنتم فيه من الصبر والثبات واليأس من الخير؛ حتى يبدِّل الله عهدًا بعهد، ويأتي قومٌ مكان قومٍ، ويُنقل الحكمُ من أيدٍ إلى أيد، ويفتح أبواب الأمل لمصر كلها لا لفريق من أبنائها دون فريق. عزيزٌ علينا أن يحزن الطلاب، وأن تذهب آمالهم مع الريح، وأن يُفرض عليهم الجهدُ الثقيلُ سنة أخرى. ولكن ربَّ حزن يحمل في طياته العزاء، وربَّ يأسٍ مظلم يحمل في تضاعيفه النور والرجاء، فليصبر الطلبة وليتعزَّوا ولينتفعوا بهذا الدرس المفيد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.