«إنها إضافةٌ مرحَّب بها حقًّا في المجال المتنامي الخاص بالواقع الافتراضي للقوارض.» هذا ما قاله دانييل دومبيك، إخصائي البيولوجيا العصبية في جامعة نورث وسترن، تعليقًا على دراسة جديدة — نُشرت أمسِ في مجلة «ساينس» — تقارن بين ما يحدث في دماغ الفئران عندما تتنقل في الفضاءات المخلَّقة رقميًّا وما يدور في رأسها لدى التنقل في عالم الواقع. فالفئران — مثلها مثل البشر — لديها خلايا مكان، وهي عبارة عن خلايا عصبية يمكن الوثوق في استثارتها في بقاع معينة، وثَمَّةَ اعتقاد سائد بأنها تضطلع بدورٍ رئيسٍ في تكوين المخ للخرائط المعرفية. وتكشف الدراسة أن نشاط خلايا المكان في الواقع الافتراضي أقل كثيرًا من نشاطها في عالم الواقع:

عندما قارن مايانك ميهتا — عالم الفيزياء العصبية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس — بين نشاط خلايا المكان لدى فئران تجري في مسار حقيقي خطي ونشاط خلايا المكان لدى فئران تجري في واقع افتراضي، وجد بعض الاختلافات المدهشة؛ ففي عالم الواقع، تُستثار نحو ٤٥٪ من خلايا المكان لدى الفئران في نقطةٍ ما خلال المسار، أما في الواقع الافتراضي، فلم تُستثَرْ سوى ٢٢٪ منها. فيقول: «كل ما في الأمر أن نصف الخلايا العصبية تصمت.»

وقد كان سلوك خلايا المكان الفردية بدورها مختلفًا بصورة جذرية في العالم الافتراضي عن سلوكها في عالم الواقع:

على المسار الطبيعي، من شأن [خلية مكان بعينها] أن تُستثار عندما يخطو [الفأر] خطوتين مبتعدًا عن بداية [المسار]، ثم تُستثار ثانيةً عندما يبلغ الحيوان البقعة ذاتها في طريق العودة. ولكن في الواقع الافتراضي حدث أمر عجيب؛ فعوضًا عن استثارة [الخلية] مرة ثانية عندما بلغ الفأر البقعة ذاتها في طريق العودة، حدثت الاستثارة عندما ابتعد الفأر خطوتين عن الطرف الآخر للمسار … فكأنما خلية المكان ذاتها في مخك تتعرض للاستثارة عندما تبتعد خطوتين عن بابك ومرة أخرى عندما تبتعد خطوتين عن سيارتك. فعوضًا عن تشفير بقعة في فضاء مطلق، تتتبَّع خلية المكان — فيما يبدو — المسافة النسبية التي قطعها الفأر على المسار (الافتراضي). فيقول [ميهتا]: «لا يحدث ذلك أبدًا في عالم الواقع.»

ويظن ميهتا أن الاختلاف قد ينبع من عدم توفر «إشارات قريبة» في البيئة — روائح وأصوات ومواد ذات ملمس تدلنا على الأماكن — في العالم الرقمي:

ونظرًا لأنه عندما تختفي تلك الإشارات تتغير الخريطة المعرفية لدى الفأر — فيما يبدو — من خريطة قائمة على الفضاء المطلق إلى أخرى قائمة على المسافة النسبية؛ فقد تكون الإشارات القريبة المكونَ الرئيسَ في طريقة عمل تلك الخرائط الذهنية في عالم الواقع.

يختلف الإدراك الحسي للعالم لدى الفئران عن نظيره لدى البشر — فالفئران لا ترى جيدًا على سبيل المثال — ولهذا السبب (ضمن أمور أخرى) تتعذَّر معرفة ما إذا كان العقل البشري يتفاعل مع الواقع الافتراضي وعالم الواقع بالكيفية ذاتها. إلا أن تلك الدراسة تتضمن تلميحات على الأقل عن ثراء إدراكنا للعالم؛ ثراء متجسد بقوة في كياننا المادي على الرغم من أنه قد يخفى على عقلنا الواعي. ومن وجهة نظري، يثير ذلك الموضوع سؤالًا مهمًّا وإن كان نادرًا ما يُطرَح، يتعلق بما يُدعى الواقع المعزز، ولا سيما استخدام الكمبيوتر لإضافة طبقة إضافية من المعلومات البصرية إلى إدراكنا الواعي للعالم؛ ذلك السؤال هو: هل الواقع المعزز واقع قاصر أيضًا؟ بمعنًى آخر: هل تؤدي بك إضافة مدخلات إلى طبقة من طبقات الإدراك (الواعي) إلى الانتقاص من طبقات أخرى من الإدراك (واعية أو غير واعية أو كلتيهما)؟

فهل عالم الواقع مضافًا إليه الواقع المعزز أكبر من عالم الواقع، أم أن عالم الواقع مضافًا إليه الواقع المعزز أصغر من عالم الواقع؟

وهل تعنينا إجابة ذلك السؤال؟

The Digital Dualism of the Rodent Mind by Nicholas Carr. Rough Type. May 3, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.