يحمل صديقنا «الأستاذ الحداد» مطارقه كلها في هذه الأيام، ويضرب بهذه المطارق كلها على رءوس الصهيونيين! فتارة يتناول التلمود ويكشف عما فيه من الوصايا الخفية، وتارة أخرى يتناول المجامع العليا وما تأمر به من مؤامراتها الجهنمية. ويعرض أحيانًا للماسونية التي تتخذ هيكل سليمان شعارًا لها، ولا تخلو من صلة بسياسة إسرائيل. ويعرض أحيانًا أخرى لدسائس القوم في العصر الحديث، وهي نمط منقح من دسائسهم في كل تاريخ قديم.

وحسنًا صنع الحداد؛ فإنه الآن على الأقل ليضرب بمطارقه حيث تنزل مطارق الله، وما نزلت مطارق الله على قوم كما نزلت على هؤلاء: «شعبه المختار»! فكأنهم شعبه المختار بمعنى واحد، وهو معنى الاختيار للنقمة والعقاب.

وآخر ما قرأته له في هذه الحملة الحدادية، كلامه عن كتابة التوراة العبرية في عهد موسى عليه السلام، فهو ينفي كتابة الأسفار الخمسة التي تنسب إلى موسى عليه السلام في عهده، ويستدل على ذلك بتاريخ الكتابة بين العبرانيين. ومن المحقق أن هذه الأسفار الخمسة كتبت بعد عصر موسى عليه السلام بزمنٍ طويل، وليس أكثر من الأدلة التاريخية القاطعة التي لا تدع لذرة من الشك موضعًا في ثبوت هذه الحقيقة، ولا حاجة بنا ولا بالأستاذ الحداد إلى سرد هذه الأدلة التاريخية المطولة؛ فإن نصوص الأسفار الخمسة نفسها تغنينا عن كل دليل.

إذ تروي هذه الأسفار — فيما تروي — نبأ ملك قديم قام في بني إسرائيل، ومعنى ذلك أن هذه الرواية كتبت بعد قيام الملك فيهم على عهد شاءول وداود وسليمان؛ أي بعد موسى بثمانية أو تسعة قرون.

ومن أعجب العجب أن تنسب هذه الأسفار إلى موسى وفيها وصف موته ودفنه، ومقارنة بينه وبين التابعين له من الأنبياء! ففي الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر التثنية: «فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب، ودفنه في الجوار في أرض موآب مقابل بيت قغور ولم يعرف إنسان قبره إلى اليوم.»

وفي ذلك الإصحاح أنه لم يقم بعد موسى في إسرائيل نبي مثله، ومعنى ذلك أن هذا الإصحاح كتب بعد قيام أنبياء كثيرين تنعقد المقارنة بينهم وبين موسى عليه السلام، فمن الثابت قطعًا أن هذه الأسفار العبرية كتبت بعد عصر موسى عليه السلام بعدة قرون.

ولكنني أكتب هذا المقال لأبسط فيه الرجاء إلى صديقنا الحداد، أن يرجئ حملته على هذه «المستندات» العبرية؛ لأنها قد تنفعنا في قضية مكسوبة إن شاء الله، وهذا هو خط سير القضية التي نعتمد فيها على تلك المستندات، حتى ينكرها الصهيونيون فنكسب، أو يعترفوا بها فنكسب، ونحن الكاسبون على الحالتين.

***

فتحت محكمة العدل الدولية عن مندوب مصر يطالب عصابة إسرائيل بعشرين مليونًا من الجنيهات الذهبية.

قال القاضي لمندوب مصر: علام تستند في دعواك؟

قال المندوب: على وثيقة لا يطعن فيها الصهيونيون!

قال القاضي: أين هي؟

قال المندوب: هي هذه، ودفع إليه بنسخة من التوراة العبرية.

ويظهر أن الأوروبيين والغربيين لا يقرءون التوراة هذه الأيام؛ لأنهم لو كانوا يقرءونها لعرفوا منها تاريخ هؤلاء القوم، وعرفوا منها أن أنبياءهم كانوا يصفونهم مرة بعد مرة بالتمرد والعصيان وغلظ الرقاب، وأنهم ما برحوا منذ كانوا على شقاق وشغب واضطراب.

قال القاضي: وماذا في هذه الوثيقة مما يثبت دعواك؟

قال مندوب مصر: في الإصحاح الثالث من سفر الخروج: «يكون حينما تمضون أنكم لا تمضون فارغين، بل تطلب كل امرأة من جارتها ومن نزيلة بيتها أمتعةَ فضةٍ وأمتعةَ ذهبٍ وثيابًا، وتضعونها على بنيكم وبناتكم فتسلبون المصريين.»

قال القاضي: هذه نية، هذا شروع، فهل تمت الجريمة؟

قال مندوب مصر: نعم تمت، فقد جاء في الإصحاح الثاني عشر من سفر الخروج أيضًا: «إن بني إسرائيل ارتحلوا … نحو ستمائة ألف ماشٍ من الرجال عدا الأولاد، وصعد معهم لفيف كثير أيضًا مع غنم وبقر ومواشي وافرة جدًّا.»

وجاء في الإصحاح قبل ذلك: «أنهم طلبوا من المصريين أمتعةَ فضةٍ وأمتعةَ ذهبٍ وثيابًا، وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أغاروهم فسلبوا المصريين.»

فسأل القاضي مندوب مصر: ولكن علام بنيتم تقديركم للمبلغ المطلوب؟

قال المندوب: ثابت يا حضرات القضاة من هذه الوثيقة أن عدد الرجال فقط من بني إسرائيل كان ستمائة ألف رجل، عدا النساء والأولاد، فلا يقل عددهم جميعًا إذن عن ثلاثة ملايين، وثابت من هذه الوثيقة أنهم كان معهم لفيف كثير، وثابت منها أن المواشي التي أخذوها كانت كثيرة جدًّا، وثابت منها أنهم أخذوا أمتعة ذهب وفضة وثيابًا مُوَشَّاة مما يلبس في الأعراس.

فإذا قدرنا هذا — مع الفوائد المستحقة في نيف وثلاثين قرنًا — فليس هنالك أقل مبالغة في تقديره بعشرين مليونًا من الجنيهات الذهبية.

فتداول القضاة قليلًا فيما بينهم ثم سأل رئيسُهم مندوبَ عصابة إسرائيل: ما قولك في الدَّين المطلوب؟

قال المندوب الصهيوني: إني أنكره ولا أعترف به.

قال رئيس القضاة: ولم؟ هل تطعن في الوثيقة؟

قال: كلا، لا أطعن في الوثيقة.

قال القاضي: إذن، هل تطعن في التقدير؟

فالتفت المندوب إلى مستشاريه، وتداولوا الرأي فيما بينهم مليًّا، فتبين لهم أن الطعن في التقدير ينتهي إلى الحكم بمبلغ كثير أو قليل على كل حال، ثم عاد مندوبهم إلى الكلام وهو يقول: إننا يا حضرات القضاة لا نطعن في الوثيقة، ولا نطعن في التقدير، ولكننا نطلب الحكم بسقوط الدعوى لمضي المدة.

فنظر القاضي إلى مندوب مصر سائلًا: ما جوابك على هذا الدفع؟

قال المندوب: جوابي أن المدة التي مضت على هذا الدَّيْنِ المعترف به هي المدة التي مضت على حق القوم المزعوم في ملك فلسطين، فإن سقطت الدعوى هنا سقطت الدعوى هناك.

ولم يسعِ القاضي إلا أن يسأل الطرفين: أتوافقون إذن على إسقاط الدعوى جملة في هذه الوثيقة؟

قال مندوب إسرائيل على عادة القوم في كل مطلب وفي كل دعوى: بل تعتبر القضية قائمة في دعوى صهيون، وتسقط القضية في دعوى المصريين!

يا صديقي الحداد!

أنت ترى «خط سير القضية» وأنت رجل كيمي ورجل أديب، ولكنك لا تجهل أن الدعوى مكسوبة على الحالتين، وإن ساورتك الظنون كما تساورنا في محاكم الدول وهيئات التحكيم فهلا رفعت من مطارقك التي تهوي بها على هؤلاء القوم مطرقة واحدة إلى حين؟

هلا رفعت عنهم مطرقتك التي تهوي بها على «مستندهم» القديم؟

ارفعها قليلًا، وتكون يومئذٍ قد صنعت بهم ما صنع الحداد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.