إذا أشرقت شمس اليوم، استقبل معها المصريون جميعًا يومًا عظيمًا من هذه الأيام المشهودة التي يبتهج لها المسلمون، فيشاركهم في الابتهاج لها غيرهم من أبناء الوطن؛ لأن الأيام المشهودة لفريق من المصريين أيام عيد لهم جميعًا، يحتفل بها كل مصري، ويلتمس فيها كل مصري أن يلقى أصدقاءه وذوي مودته، وأن يهدي إليهم ويتلقى منهم هذه العواطف الحلوة الصافية التي تخلص لها قلوب الناس من أوضار الحياة اليومية وأكدارها، وتصفو لها طباع الناس مما يفسدها من الهموم والأحزان، ومن المآرب والمنافع، وإذا هم يبتسم بعضهم لبعض، ويهنئ بعضهم بعضًا، ويتمنى بعضهم لبعض أصدق الأماني وأطيب الآمال.

فلنشارك المصريين جميعًا في هذا العيد، ولنهنئ المصريين جميعًا بهذا العيد، ولنتمنَّ لمصر أطيب ما يتمناه الوطني المخلص لوطنه العزيز عليه، ثم لنشارك المسلمين جميعًا في الابتهاج بهذا العيد، ولنهنئهم جميعًا به، ولنبتهل إلى الله عز وجل في أن يعيد عليهم أمثاله بخير ما يحبون لأنفسهم وأوطانهم ودينهم الكريم.

والناس في أيام العيد لا يتزاورون ليلقى بعضهم بعضا بالتهنئة ثم بالصمت والإغراق فيه، وإنما يتزاورون ليتبادلوا التهنئة، ثم ليخوضوا في ألوان من الحديث. ولو أني أكتب بعد العيد لكنتُ راوِيَةً، ولقصصت عليك بعض ما يتحدث به الناس من الأنباء، وما يطمحون إليه من الأماني والآمال، ولكني أكتب قبل أن تشرق الشمس، وقبل أن يُقبل العيد، والله عز وجل لم يُزلْ ما بيني وبين الغيب من الحُجب، ولم يمنحني موهبة التنبؤ بما سيكون، فلا أستطيع أن أروي لك أحاديث الناس؛ لأني لم أسمعها بعدُ — ولعلي أروي بعضها لك فيما بعد.

ولكن هذا لا يمنعني من أن أعرض على الناس موضوعات يخوضون فيها، ويتجاذبون حولها أطراف الحديث كما يقولون. وما الذي يمنع من ذلك وقد تعود الناس أن تُكتب لهم نماذج من الرسائل يتناقلونها أو يقلدونها حين تَعرِض لهم هذه الشئون التي يكتب فيها بعضهم إلى بعض؟ وقد كنا نقرأ في أيام الشباب كتبًا وضعها لنا المنشئون يعلموننا فيها كيف نصف الشوق، وكيف نُعرِب عن الشكر، وكيف نألم للبُعد، وكيف نتمنى اللقاء.

وإذن فما الذي يمنعنا أن نفتح للناس منذ الآن أبوابًا من الحديث يشغلون بها زياراتهم في أيام العيد، على أن من الغرور والغلو فيه أن نزعم أننا نفتح هذه الأبواب، أو نلهم هذه الموضوعات؛ فهذه الأبواب مفتوحة، فتحتها الحوادث والخطوب، وسواء أشرنا إليها أو لم نُشِر، فأكبر الظن أن المصريين سيلجونها غدًا، وسيقفون عندها فيطيلون الوقوف، وكيف تظن أن المصريين سيلقى بعضهم بعضًا في أيام العيد، ثم لا يتساءلون عن أنباء السياسة، ولا يتهادون أحاديثها التي مهما تكن مرة ثقيلة بغيضة، فهي أهون الأحاديث وأيسرها وأحبها إلى نفوس المتحدثين، وأجراها على ألسنتهم، لا يكاد اثنان يلتقيان حتى ينهبا ما ينبغي من التحية والتهنئة نهبًا ليفرغا بعد ذلك للسياسة وأحاديثها التي لا تنقضي، وأنبائها التي لا تفرغ كأنها أنباء الحيات والثعابين، ولا أكاد أتصور أن يوم العيد سينقضي دون أن تتصل أحاديث المصريين في هذا الحزم الجديد الذي انبث في وزارتنا القائمة، فملأها شجاعة وجرأة وإقدامًا وتصميمًا وعزمًا لا يعرف التردد، ولا يحب الأناة، ولا يميل إلى الانتظار.

هذا الحزم الجديد الذي جمع مجلس الوزراء صباح الخميس كله، ومساء الخميس كله، ومساء السبت كله، وألهم مجلس الوزراء من الصبر والاحتمال، ومن حب التدقيق والتحقيق ما حمله على أن يقرأ الملفات الطويلة الملتوية المعقدة، ثم يتخذ قرارات خطيرة أشد الخطورة، صارمة أشد الصرامة، ورفيقة مع ذلك أشد الرفق، فيحيل موظفين كبيرين على المعاش في ليلة هذا اليوم المشهود الذي يقف الحجيج فيه بعرفات، والذي يحسن فيه الرفق واللين. سيتساءل الناس عن هذا الحزم الجديد: ما مصدره؟ وما باله تأخر حتى أنفقت الوزارة من عمرها الطويل أو القصير، أو الطويل القصير معًا، ستة أشهر كاملة؟ ما باله لم ينبث من أعضاء الوزارة منذ نهضت بأعباء الحكم في أواخر سبتمبر الماضي؟ وما باله لم يملأ الوزارة شجاعة وبأسًا وإقدامًا حين ثارت الفضائح والمخزيات فملأت جو مصر وأفسدته إفسادًا حين كان الخصام عنيفًا بين الرجل الطيب والدكتاتور العظيم؟

أي شيء جدَّ في الحياة المصرية الخالصة، أو في الحياة المصرية المختلطة، لتقوى الوزارة بعد ضعف، وتُقدم الوزارة بعد إحجام، وتعزم الوزارة بعد تردد وانتظار؟ وهل هنالك صلة قريبة أو بعيدة، يسيرة أو عسيرة بين مقابلات المندوب السامي الجديد للوزراء، وبين هذا العزم والمضاء؟ أم هل هناك صلة قريبة أو بعيدة، يسيرة أو عسيرة بين الاستجواب الذي كان يراد تقديمه إلى مجلس النواب، وبين هذا القرار الخطير الذي اتخذه مجلس الوزراء في ليلة من ليالي هذا الشهر الحرام؟

وإذا تحدث الناس عن هذا القرار التمسوا تأويله وتعليله، وأطالوا تفسيره وتحليله، وقد يحزنون وإن لم تكن أيام العيد أيام حزن؛ لأن الوزارة انتظرت هذا الوقت الطويل، وكانت تستطيع أن لا تنتظر؛ ولأن الفضائح انتشرت وكان يمكن أن لا تنتشر؛ ولأن مدير مصلحة الأملاك الذي أحيل على المعاش هو المصري الذي خلف المدير الإنجليزي، فكان المصريون يتمنون لو أنه أحسن الإدارة، وأتقن التصرف، وبرئ مما أثير حوله، ولم يؤخذ بما أخذ به، ولم يضطر مجلس الوزراء إلى أن يُحيله على المعاش.

والمصريون لا يتحرجون من أن يقولوا هذا لأنفسهم، فهم يؤثرون أن يقولوه هم من أن يقوله لهم الإنجليز، أو غير الإنجليز من الأجانب، وسيتحدث المصريون من غير شك في تفصيل قصة المعاشات هذه وفيما يقال: إن هذا الموظف أو ذاك أفاد من قصة الاستبدال على حساب الخزانة المسكينة التي لقيت في هذا العهد السعيد ما لم تلقه في غيره من العهود.

ولا يكاد المصريون يمسون هذا الحديث حتى يسأل بعضهم بعضًا عن الوزير الذي أجاز هذه المخالفات وأمضاها، وترك الموظفين يتورطون فيها، ما باله لا يُسأل عما أمضى؟ وما باله لا يُحاسب على ما أجاز؟ وما باله يستمتع بهذه الراحة التي يستمتع بها الوزراء الذين لم يقصروا، ولم يعينوا على التقصير، والذين لم يسيئوا ولم يُمكِّنوا أحدًا من الإساءة؟ ما بال البرلمان لا يَسأله ولا يُحاسبه كما يسأل مجلس الوزراء هذين الموظفين؟

وهنالك يذكر المصريون أن هناك موظفين آخرين يُسألون ويُحقَّق معهم في قصة الكورنيش، دون أن تستطيع الدولة — أو دون أن تريد الدولة — أن تسأل الوزير الذي أجاز قصة الكورنيش واحتمل تبعاتها الثقال، وكذلك يلاحظ المصريون أن الناس درجات، وإن شئت فقل: يلاحظ المصريون أن الناس مقامات: صغار إذا أساءوا أحيلوا على مجالس التأديب، وقد يحالون إلى القضاء، وقد يحرمون المعاش كله أو بعضه، وكبار إذا أساءوا نُسيت إساءاتهم أو أحيلوا على المعاش، وقد يكافئون فيزاد معاشهم بعض الشيء، ووزراء يسيئون ويسرفون في الإساءة، ثم لا يُسألون عن شيء، ولا يُحاسبون على شيء!

ثم يقول الناس: إن المصريين لا يعرفون نظام الطبقات، وأي نظام للطبقات أجمل وأبدع من هذا النظام؟ وقد يتحدث المصريون في أيام العيد وهم يستمتعون بلذاته وطيباته عن هذا البائس المسكين، الذي حاول أن ينتحر في ملجأ من ملاجئ الإسكندرية منذ أيام؛ لأنه آثر الموت على ما كان يلقى من العذاب والهون، وقد يتذاكرون ما يُروى من أنباء هذا الملجأ ومديره الذي كان خادمًا لبعض الموظفين، فأصبح سيدًا لبعض المعوزين.

وقد يحس المصريون من هذا الحديث شيئًا من الحزن في أثناء ما هم فيه من الابتهاج، وهو حزن نافع حقًّا في هذا العيد؛ لأنه عيد الفقراء والمساكين قبل أن يكون عيد الأغنياء والمترفين. والغريب أن من الناس من يقول: إن مصر لا تعرف نظام الطبقات، وإنما هي بلد العدل والقسط والمساواة. ولن يقف حديث المصريين عند ما قدمت من الأمر، فسيذكرون من غير شك زيارة رئيس الوزراء للمندوب السامي في يوم عرفات قبل العيد، وبعد اتخاذ القرار الخطير، وسيسألون عن مصدرها، وسيتنبَّئون بنتائجها، ثم يتحدثون مبتسمين عن جماعة عامة ستعقد بعد التشريفات في حزب الشعب، وعن رئيس سيُنتخب، وعن خطبة سياسية ستُلقى فتُقابل بالتصفيق، وتذاع في الصحف.

ولن تنقضي أيام العيد دون أن يتحدث المصريون عن الوفد ورئيس الوفد، وزيارته لقبر سعد، وارتحال الرئيس إلى بلده، وزيارته للمنصورة. فكل هذه الأمور ستجري يوم العيد على وجه جديد. لن تتعرض الشرطة لأحد، ولن يُردَّ أحد عن قبر الزعيم، ولن يُصدَّ أحد عن توديع الرئيس، ولن ترسل الجنود إلى سمنود، ولن تُحتَفَر الخنادق في المنصورة.

سيُباح للناس ما كان حرامًا، وسيؤذن لهم فيما كان يحظر عليهم. هذا شيء لا شك فيه، ولكن المهارة هي أن تجد لذلك تعليلًا وتأويلًا، وأنا واثق بأنك لن تظفر بشيء، وأنا مستعد لمراهنتك على أنك ستعجز عن التأويل والتعليل، وأنا رفيق بك، شفيق عليك، أرعى فيك حرمة العيد، فلا أضطرك إلى البحث والتفكير، وإنما أُبيِّن لك علة ما سيلقى الناس من يسر بعد عسر، وإباحة بعد حظر.

هذه العلة هي أن الوزراء قد أقسموا يمين الإخلاص للوطن والملك، والاحترام للدستور والقانون منذ أيام، وهم حراص على أن يبروا بأيمانهم، وهم يعلمون حق العلم أن مصادرة الحريات وصد الناس عما يحبون، والتنغيص عليهم في أيام العيد بغير حق، كل ذلك يخالف الإخلاص للوطن والملك، ويخالف احترام الدستور والقانون، وإذن فلن يفعلوا من ذلك شيئًا، ولن يلقى الناس في أيام العيد حرجًا ولا إرهاقًا، وسينعم رجال الشرطة جميعًا بأيام العيد كما ينعم بها غيرهم من عباد الله، لا تلغى إجازاتهم، ولا يكلفون عملًا غير مألوف.

وسيقول بعض المصريين لبعض: ليت الوزراء أقسموا هذه الأيمان منذ عهد بعيد؛ إذن لما رُوقب رئيس الوفد وأصحابه، ولما حيل بينهم وبين الأقاليم، ولما كان ما كان مما لا يحصى ولا يستقصى. من يدري لعل ما أقوله ليس إلا أماني وأحلامًا، ولعل الناس يلقون في هذا العيد مثل ما لقوا في غيره من الأعياد؛ فقد أقسم الوزراء أيمان الإخلاص للوطن والملك والدستور أمام البرلمان، ثم قبلوا بعد ذلك أن تصادر الحريات، ويؤخذ الناس بغير القانون.

فإن تكن هذه، فقد يكون للوزراء مذهب خاص في فهم هذه الأيمان، وستكون أحاديث المصريين مُرَّة مؤلمة، ولكن المصريين قد ألفوا المرارة حتى استعذبوها، وألفوا الألم حتى أحبوه، وهم يعلمون حق العلم أن أيامهم كلها مهما تكن حلوة جميلة مشرقة، فلا بد من أن تشوبها مرارة ما في ظل هذا العهد السعيد الذي هو عهد ممتاز يمحص الله فيه المصريين ويبلوهم، ويمتحن قدرتهم على الصبر والثبات والاحتمال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.