عصر السرعة وصف من الأوصاف الكثيرة التي تصدق على القرن العشرين، ولكن على اعتبار واحد؛ وهو: اعتبار النظر إلى الآلات والمكنات وأعمالها السريعة بالقياس إلى الأعمال الآلية في القرون الماضية.

أما إذا أريد به أن نصف السرعة «الحيوية» التي تقترن بوظائف البنية ونوازع النفس فهو من أكذب الأوصاف وأشدها ضلالًا عن حقائق النفس البشرية في هذا العصر الحديث.

إن عصر الحصان والشراع أسرع من عصر الطيارة التي تسبق الصوت وعصر الصاروخ الذي يجوب الفضاء إلى أفلاك السيارات العليا.

لأن راكب الحصان يحس بالسرعة في حركة العضلات واطراد النفَس وتحفز الجسم كله أضعاف أضعاف ذلك الإحساس الذي يخالج نفس المسافر على متن الطائرة أو الصاروخ، حيث يستطيع أن ينام ملء عينيه كما ينام في البيت على سريره.

وإن المسافر في الزورق الشراعي يفهم السرعة الحيوية التي لا يفهمها راكب الطائرات والصواريخ؛ لأن ملاح الزورق وهو قابض بيمناه على حبال الشراع وقابض بيسراه على يد الدفة وناظر كل صوب إلى مهاب الريح، يتحرك بجسده وإحساسه ويجاوب الحركة في كل خفقة من خفقات الهواء وكل موجة من أمواج الماء، ويعرف كيف يملك زمام حركاته كما يملك زمام العناصر الثائرة المضطربة من حوله.

إن أسرع طيارة لا تبلغ عُشر حركة الكرة الأرضية وهي دائرة حول الشمس أو سابحة مع المنظومة الشمسية بين أجواز الفضاء في رحاب الكون الفسيح، وقد عشنا على متن من الكرة الأرضية نجلس وننام كما نمشي ونهرول، دون أن تدخل تلك السرعة في حساب وظائفنا الحيوية.

وربما كانت فرصة الكسل أوفر جدًّا لابن القرن العشرين من تلك الفرصة أمام أجداده وأسلافه إلى أبعد القرون؛ لأنه يعفي عضلات جسمه من الحركة السريعة أو البطيئة بإدارة مفتاح صغير تحت أصابع يديه، ولا فرق في الوقت ولا في الجهد بين إدارة المفتاح في المطبعة التي تخرج مليون نسخة وإدارة المفتاح في مطبعة أخرى لا تخرج من النسخ غير المئات أو الألوف.

والكاتب المخضرم بين الجيلين القديم والحديث — أنيس منصور — يعود إلى سرد عيوب الجيل الحاضر وسرد معاذيره معًا فيرجع بها كلها إلى مصدرين اثنين: عصر السرعة، وفرط الثقة بالنفس.

والسيد أنيس — مرة أخرى — على حق في تسمية العصر الحديث بعصر السرعة، ولكنه — فيما نرى — لا يصل من ذلك إلى نتيجة إذا أراد أن يفسر كسل الجيل بالسرعة المفرطة في الزمان!

والسيد أنيس محق كذلك في قوله عن الجيل الحاضر إنه يغلو في الثقة بنفسه، ولكن بمعنًى واحد:

فإذا كان معنى الثقة بالنفس فرط الدعوى أو فرط الغرور فهو كذلك ولا ريب.

ولكن الواقع أن الغرور مناقض للثقة بالنفس كلما كان مرجعه إلى التواكل وإلقاء التبعات على الآخرين.

فالمغرور هو الذي يعفي نفسه من تبعات تقصيره؛ لأنه دائم الرضا عن نفسه. ولكن الواثق بالنفس يحمل التبعات جميعًا ويأنف أن يعترف بنصيبه من ظروف الزمن أو تقاليد المجتمع أو عقبات المصادفة.

إن الجيل الحديث كثير الدعوى، نعم …

أما أنه عظيم الثقة بنفسه فكلَّا وألف مرة كلَّا يا أستاذ أنيس!

وإنما المصيبة أنه لا يثق بنفسه مثقال ذرة في عصر الذرة، ولا يثق بشيء غير الشيطان الجديد الذي أصبحنا نحيل عليه كل وزر ونتهمه بكل جناية ونبرئ أنفسنا أمامه من كل تبعة، ونسميه «المجتمع» ولا ندري من هو ولا أين يكون إذا عزلناه عن كل مسئول وعن كل فرد متهم بالتقصير!

إلا أننا لا نريد أن نحابي الجيل القديم ولا الجيل المخضرم لنقول: إنهما مبرآن من عيوب جيل الزمن الأخير.

فكل عيب نلمسه من عيوب جيل اليوم قد لمسنا مثله قبل خمسين أو ستين سنة … وغاية الفرق بين العصرين إنما يرجع إلى سبب واحد كما أسلفنا غير مرة في غير هذه اليومية.

إنما يرجع السبب كله إلى مبلغ الشعور بالمسئولية بين الجيلين.

فلم يكن جيل الأمس يتهم المجتمع بجرائر أخطائه؛ لأنه كان يدين بشريعة الواجب قبل أن تستفيض في العالم كله شريعة الحقوق …

أما اليوم فقد تبدلت أوضاع الأمور من النقيض إلى النقيض.

فقد شاعت دعوى الحقوق حتى كدنا أن نبحث عن إنسان عليه واجب واحد فلا نراه!

فإذا بقي بعد هذا مرجع آخر للدعوى فالبركة في العقد النفسية التي كادت أن تصبح من المفاخر بعد أن كانت قديمًا من العلل والآفات.

ولم يبدأ حديث العقد النفسية على هذه الوتيرة يوم ظهر الأطباء النفسانيون بتحليلاتهم وتعليلاتهم عند أوائل القرن العشرين، ولكنها بدأت «تشخيصًا» ثم صارت «تفسيرًا» ثم صارت «اعتذارًا» ثم صارت امتيازًا للمصابين على غير المصابين؛ لأنهم يحملون طابع العصر وينفعلون بدواعي الانفعال فيه … فهم إذن «تقدميون» غير رجعيين، وهم إذن صرحاء لا يخجلون من آفاتهم، ولا يحسبونها من نقائصهم؛ لأنهم يعودون هنا فيقذفون بها على كاهل المجتمع الحاضر وكواهل الوراثة من مجتمعات القرون الأولى!

وستزول هذه الغاشية متى عرف المتواكلون المدعون عاقبة الدعوى، وعرفوا كذلك أن اتهام المجتمع لا يجديهم شيئًا، وأنهم سيضطرون إلى اتهام كل مجتمع جديد كما اتهموا المجتمع القديم على غير جدوى.

ويومئذٍ يظفر عصر السرعة بحكم البراءة من محكمة الواقع الذي لا يرحم، ويومئذٍ يعلم المسئول أنه مسئول على الرغم منه بالحق أو بالباطل، وأنه ينطح الحائط والحائط لا يباليه؛ لأن هذا الحائط كتلك الصخرة التي تحطمت عليها قرون الوعل:

كناطح صخرةٍ يومًا ليوهنها

فلم يضرها، وأعيا قرنه الوعل

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.