إن صدقت الطير فإن الرجل الذي مَنَحَ الوزارة القائمة مجدَها الضخم وشهرتها العريضة، ورفعها إلى السماء، هو الذي سيقضي على نجمها بالأفول، وسيهبط بها إلى الأرض، وسيضطرها إلى أن تُقَال أو إلى أن تستقيل. ولسنا نُفَكِّرُ في اليوم ولا في غد، حين نذكر إقالة الوزارة أو استقالتها؛ فنحن مؤمنون بأن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها الآن، وإنما نريد أن نقول: إن الرجل الذي كان مجدًا للوزارة وزينة لها في مجلس الوزراء وفي البرلمان، وفيما تنشر الصحف من الأحاديث، وما تُذِيع من الأنباء، هو الذي سيفتح لها طريقها إلى النزول عن مناصب الحكم، إن صدقت الطير فيما تتحدث به من النبوءات.

وهذا الرجل هو وزير المالية، وما نظن إلا أنك عرفته من أول كلمة في هذا الفصل، فلم يكد يستقيل صدقي باشا حتى انتشرت في الجو تلميحات عن وزير سيُحْدِثُ في أمور المال ثورة عنيفة، وكانت هذه التلميحات خفيفة رشيقة لم تكد تملأ الجو المصري حتى عبرت البحر، وقطعت فجاج البر؛ فانتشرت في الجو الإنجليزي، ثم أخذت تكشف عن نفسها، وتستحيل من تلميح إلى تصريح وتبين عن شخص الوزير الخطير، ولم يكد الوزير يلي منصبه حتى صدق ما قالت التلميحات والتصريحات، وأعلن أنه وزير لا كالوزراء، وزير ثائر حقًّا، بكل ما تواضع الوزراء عليه من أنواع الحذر والتقدير والاحتياط.

أسرع إلى مسألة الدَّيْنِ؛ فأعلن أنه سيحلها حلًّا حاسمًا حازمًا، لا ينتظر به حكم المحاكم ولا نتيجة المفاوضات، ولا يريد أن يُخْفِيَه، ولا أن يطيل على الناس انتظاره؛ فهو سيدفع ورقًا لا ذهبًا، مهما تكن الظروف، ومهما تكن العواقب. ولما تحدث إليه في ذلك بعض الصحافيين من الأجانب لم يتحرَّج الوزير من التفصيل؛ فداعب المستشارين الملكيين مداعبة رفيقة، وزعم أنهم لم يحسنوا درس الموضوع على وجهه، وأنه سيستشير بعض الفقهاء من الأجانب، وكان المستشارون والملكيون لا يحبون المزاح ولا يذوقون مثل هذه الدعابة؛ فسخطوا واشتد سخطهم، واجتمعوا وكثر اجتماعهم، ويقال إنهم سعوا إلى رئيس الوزراء، ويقال إنهم انتظروا عودة كبيرهم من أوروبا؛ فجددوا الاجتماع والسخط، وسعى كبيرهم، وكادت الأمور أن تفسد، وكادت الأزمة أن تشتدَّ، لولا أن الرجل الطيب كان لبقًا ماهرًا، وأن وزير المالية على عنفه كان لينًا مرنًا؛ فصلحت الأمور بعد أن أشرفت على الفساد، وصرح وزير المالية لذلك الصحفي الأجنبي بما يمحو تصريحه الأول في أمر المستشارين محوًا تامًّا.

وبينما كان حديث وزير المالية عن المستشارين يُحْدِثُ هذه الأزمة بين الدولة وفقهائها، كان حديثه عن الدفع ورقًا وبغير مفاوضة يُحْدِثُ أزمة أخرى سياسية، ويضطر مجلس الوزراء فيما قيل إلى أن يتخفَّف من تصريحات وزير المالية، ويعلن أنها لا تقيِّده، ولا تلزمه؛ فكان وزير المالية يُثِير إذن أزمتين حادتين في وقت واحد، وكان يَثبُت لهاتين الأزمتين صبورًا جلدًا، مبتسمًا مزدهيًا.

نستغفر الله، بل كان وزير المالية يثير أزمة ثالثة بينه وبين كبار الموظفين في وزارته مصدرها حكاية القطن؛ فيُغْضِبُ وكيله، ويَنْقُلُ كبار الموظفين بين غرف الوزارة، ويُرْسِلُ بعض الموظفين إلى أسوان لينبِّه الموظفين إلى أن على رأسهم وزيرًا. وكان الرجل الطيب وزملاؤه يتكلَّفون المشقة ويحتملون العناء ليلطِّفوا من حدة هذا النبوغ، ويخفِّفوا من آثار هذه الثورة الجامحة.

والغريب أن هذه الثورة على ما أحدثت من ضجيج وعجيج، وعلى ما أثارت من أزمات، قد انتهت كلها إلى ما لا تنتهي إليه الثورات عادة من الهدوء والطمأنينة، والاستقرار، كأن ثورة لم تكن، وكأن حدثًا لم يحدث، وكأن أحدًا لم يسمع بخلاف أو ما يشبه الخلاف؛ فالمستشارون راضون؛ لأن الوزير أرضاهم، واعتذر إليهم، ووكيل المالية راضٍ؛ لأن الوزير أرضاه وأزال ما كان بينهما من خلاف، والأجانب راضون؛ لأن الوزير قَبِل أن ينتظر حكم القضاء في مسألة الدين، وأن تمضي المفاوضات كما كانت تمضي من قبل كأنه لم يعلن شيئًا ولم يقل شيئًا.

وبينما كانت هذه الأزمات تظهر وتتعقَّد، ثم تهدأ وتنحل، كانت أزمات أخرى تُثَار وتنتهي إلى الاستقرار، إلى أن كانت تلك المناقشة الخطيرة في البرلمان في ذلك الاستجواب التاريخي العظيم رحمه الله. هنالك أثار وزير المالية أزمة لم يُثِرْهَا وزير من قبل؛ فزعم أن للوزارة وحدها حلَّ مجلس النواب، وأن الوزارة هي الملك، وأن الملك هو الوزارة، وتعب الرجل الطيب في حل هذه الأزمة ورد الأمر إلى نِصَابِه، واضطر وزير الحرب إلى أن يعلن أن زميله وزير المالية رجل يتورط في الكلام. وقبل وزير المالية رأي زميله وزير الحربية، وكفَّ عن الكلام حينًا في البرلمان، كما كفَّ عن التحدث إلى الصحف قبل ذلك مخافة أن يتورَّط في الكلام. ولكنه لم يلبث أن عاد فتكلم، ولم يكد يتكلم حتى تورط مرة أخرى، ولم يكد يتورط حتى ورط معه رئيس الوزراء وورط معه قومًا كثيرين.

كان ذلك في مجلس الشيوخ يوم الاثنين حين قال وزير المالية ما قال في السماسرة، وقد سمع الناس كلام الوزير فلم يلتفتوا إليه، ولم يحسوا أن فيه تورطًا، وأعجب الوزير نفسه بهذا الكلام، ورآه نافعًا للمنتجين أصحاب القطن؛ فأذاعه بطريقة رسمية على الصحف، ولكن السماسرة لم يكادوا يظهرون عليه حتى ثاروا، ثم فاروا، وغضبوا، ثم اضطربوا، ثم أعلنوا الإضراب، وأرسلوا الاحتجاج، وبعثوا وفدهم إلى القاهرة ليلقى رئيس الوزراء وليلقى الوزير. وعرف الوزير هذا؛ فأعلن أنه لا يسمح بالإضراب، ولكن الإضراب وقع مع ذلك، وأعلن أنه لا يسمح بالاحتجاج، ولكن الاحتجاج أرسل وأذيع مع ذلك، وأعلن أنه لا يسمح بمقابلة الوفد، ولكنه قابل الوفد مع ذلك.

وكان الظريف أن الرجل الطيب تَذَكَّرَ كلمة سمعها هو من وزير المالية ولم يسمعها أحد غيره في مجلس الشيوخ، ولم يسمعها وزير المالية نفسه، ولم يذكرها حين أذاع تصريحه على الصحف، وهي كلمة بعض التي تزيل الخلاف وتحل الإشكال، وكاد الخلاف يزول وكاد الإشكال ينحل بعد أن قابل الوزير ذلك الوفد، الذي لم يكن يريد أن يقابله، وفسر الوزير كلامه الذي لم يكن يريد أن يفسره، ووعد الوزير بإرسال كتابه الذي لم يكن يريد أن يرسله، ولكن الستار رُفِعَ ظُهْرَ أمسِ عن منظر جديد، ولكنه منظر عجب؛ فالوزير قد لقي الوفد ولكنه لم يلقه، لقيه أفرادًا لا وفدًا، وآية ذلك أنه لم يلقه في داره ولا في مكتبه، وإنما لقيه في ردهة فندق من الفنادق هو فندق سميراميس، والوزير قد فسَّر كلامه ولم يفسره؛ فسره في حديثه إلى الوفد، وإلى الصحافيين، ولم يفسره في وثيقة مكتوبة.

والوزير بهذا التفسير قد اعتذر، قد اعتذر ولم يعتذر، اعتذر في ألفاظ تطير لا في كلمات مقيدة على الورق، والوزير بذلك كله قد ثار ولم يثر، وأغضب السماسرة ولم يغضبهم، وأرضى رجال البورصة ولم يرضهم.

والأمر معلق الآن عند هذا الحد. أرأيت إلى أننا لم نخطئ حين اتخذنا كلمة النبوغ عنوانًا لهذا الحديث؛ فوزير المالية نابغة من غير شك، نابغة في التورط، ونابغة في التوريط. شهد له بذلك المصريون، وشهد له بذلك الأجانب؛ فشهد له المصريون حين سجل عليه وزير الحرب في مجلس النواب أنه يتورط في الكلام، وشهد له بذلك الأجانب حين سجلت عليه الإجبشين غازيت صباح أمس أنه رجل ذكي كفء مخلص، ولكن ليس له على لسانه سلطان.

والرجل الذي ليس له سلطان على لسانه هو الرجل النابغة بين المتورطين، فعثرة الرِّجْل تقال وعثرة اللسان تُلْقِي بصاحبها إلى التهلكة. وقد زعموا أن الشاعر القديم لم يخطئ الصواب حين قال بيته المشهور:

يموت الفتى من عثرة بلسانه

وليس يموت المرء من عثرة الرِّجْلِ

فالذين يُعْنَوْن بأمر الوزارة القائمة، ويسألون أنفسهم من أين تأتيها ريح الإقالة أو الاستقالة؛ خليقون أن لا ينتظروا جواب هذا السؤال من وزير التقاليد، ولا من وزير الداخلية، ولا من غيرهما من الوزراء؛ إنما الجواب عند وزير المالية، وعند وزير المالية وحده؛ فهو زينة الوزارة، وهو قائد الوزارة إلى حيث تنتهي الوزارات.

وقد كان وزير المالية مُعَارِضًا قبل أن يلي الحكم، وكثيرًا ما تَمَنَّى لو استطاع إسقاط الوزارة فلم يُوَفَّقْ إلى أمنيته. وأكبر الظن أن الأمنية التي أخطأته وهو يعارض لن تخطئه وهو يحكم، فإذا فاته إسقاط وزارة الدكتاتور، فأكاد أراهن على أنه سيسقط وزارة الرجل الطيب، وأكاد أرجِّح أني سأفوز في هذا الرهان، فلننتظر …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.