نستطيع أن نؤكد أن رئيس الوزراء لم يقُل شيئًا أمس حين تحدَّث إلى مجلس البرلمان في الحقوق المصرية. ونريد أنه لم يقُل شيئًا ذا خطر يمكن أن نعتد به، أو أن نطمئن إليه. فالمصريون جميعًا يعلمون أن رئيس الوزراء وغيره من زملائه يرون فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين مواطنيهم، وفيما بينهم وبين الإنجليز: أن لمصر حقها الكامل في الاستقلال الصحيح، وفيما يستتبعه من الجلاء، ومن أن يخلص وادي النيل كله لسكان وادي النيل.

المصريون جميعًا يعلمون ذلك حق العلم، وهم لم يكونوا ينتظرون من دولة النقراشي باشا أن يُنبئهم برأيه في المسألة المصرية، ولا أن يتحدث إليهم بإيمانه بحق الوطن في أن يستقل استقلالًا كاملًا كريمًا، وإنما كانوا يطلبون إليه، وما زالوا يطلبون إليه، أن ينبئهم بما صنعت حكومته لتحقيق هذا الاستقلال فورًا، وبما اعتزمت حكومته أن تصنع لتحقيق هذا الاستقلال فورًا.

هذا هو الذي طلبه المصريون، وما زالوا يطلبونه إلى رئيس الوزراء، ومن أجل ذلك نأسف أشد الأسف حين يقرر أن رئيس الوزراء لم يقُل أمس شيئًا لمجلس الشيوخ، ولا لمجلس النوَّاب. فهو قد أنكر أن تكون الحقوق المصرية موضوع استجواب في أحد المجلسين؛ لأن المصريين جميعًا متفقون عليها. وله الحق في هذا الإنكار لولا أن أحدًا لم يتَّخذ هذه الحقوق موضوعًا للاستجواب، وإنما كان موضوع الاستجواب، وسيظل موضوع الاستجواب: ما صنعت الحكومة وما تريد أن تصنع لتجعل المطالب المصرية حقائق واقعة لا شك فيها ولا اختلاف عليها بين المصريين والإنجليز، أو بين المصريين والأجانب مهما يكونوا.

المصريون إذن لم يختلفوا في حقوقهم، ولم يسألوا رئيس الوزراء عن رأيه في هذه الحقوق، وإنما طلبوا إليه أن ينبئهم بأنه فعل شيئًا للظَّفَر بهذه الحقوق، وقد أنبأهم بأنه لم يفعل شيئًا، وطلبوا إليه أن ينبئهم بأنه يريد أن يفعل شيئًا للظفر بهذه الحقوق، وقد أنبأهم بأنه لن يتوانى عن انتهاز أي فرصة تسنح ليفاوض في الظفر بهذه الحقوق، لن يتوانى عن انتهاز أي فرصة تسنح، ولكن متى تسنح هذه الفرصة؟ وكيف تسنح هذه الفرصة؟ ومن الذي يخلق هذه الفرصة؟ أتسنح هذه الفرصة اليوم؟ أتسنح غدًا؟ أتسنح بعد شهر؟ أتسنح بعد أعوام؟ هذا هو الذي لم يقُلْه رئيس الوزراء، وإنما انتظر أن يرى مصر مستمتعة بحقوقها بعد وقت قريب. والوقت القريب هذا قد يقصُر حتى يصبح ساعات، وقد يطول حتى يصبح أعوامًا، وقد يطول حتى يصبح عشرات من السنين؛ لأن القرب والبعد أمور إضافية إذا قيست إلى الزمن، وإذا قيست إلى حياة الأمم.

فرئيس الوزراء إذن لم يقُل شيئًا في هذا أيضًا. وكيف تسنح الفرصة؟ أتسنح مصادفة حين يخطر لها أن تسنح؟ أتهبط من السماء؟ أتنجم من الأرض؟ أتسنح ليلة القدر؟ أم تسنح لأننا نريد أن توجد، ونريد أن ننتهزها؟ في هذا أيضًا لم يقُل رئيس الوزراء شيئًا. ومن الذي يخلق الفرصة؟ أنخلقها نحن؟ وما لنا لم نخلقها إلى الآن! أيخلقها الإنجليز؟ فإننا نستطيع أن ننتظر طويلًا إن أردنا أن نصدر في ذلك عن رضى الإنجليز. أيخلقها الأمريكيون؟ أيخلقها الروس؟ أيخلقها اليونان؟ وما شأن أولئك فيما بيننا وبين الإنجليز؟ من الذي يخلق الفرصة؟ في هذا أيضًا لم يقُل رئيس الوزراء شيئًا، وإنما أكد لنا رئيس الوزراء أنه لا يتوقع من الإنجليز معارضة أو ممانعة في استمتاع مصر بحقوقها كاملة، وإذن فما الذي ينتظر رئيس الوزراء ليطلب إلى الإنجليز التخلية بيننا وبين هذا الاستقلال الذي لا يتوقع منهم التواءً به أو معارضة فيه، وأغرب ما في الأمر أن يتلو رئيس الوزراء على المجلسين جوابه الذي هو أشبه بشهادة المسلم أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبصلاة المسيحي حين يقول فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس: «أبانا الذي في السماء.» ويظن أنه بهذه الشهادة قد أرضى المصريين؛ فهو يرى رأيهم في الاستقلال يطلبه كما يطلبونه، وينتظره كما ينتظرونه، ولم ينسَ رئيس الوزراء إلا شيئًا واحدًا، وهو أن المصريين لم يرقوا به إلى رياسة الوزراء ليقول لهم أخر الأمر إني أحب ما تحبون وأنتظر ما تنتظرون، وإنما رفعوه إلى منصب الحكم ليبلغ بهم غايتهم ويحقق لهم أملهم، ويطلب إلى الإنجليز التخلية بينهم وبين استقلالهم. والظريف أن مجلس النوَّاب انتقل إلى جدول الأعمال، وظن نقيب الصحفيين أنه انتصر؛ لأن مجلس النوَّاب لم يوافق على جواب رئيس الوزراء؛ أي لأن مجلس النوَّاب وقف موقفًا سلبيًّا في هذا الأمر الخطير!

معذرة يا سيدي النائب النقيب. قد كان ينبغي أن يقرر مجلس النوَّاب بإجماع الآراء تكليف الحكومة أن تتدخل فورًا مع الإنجليز في المفاوضة لتحقيق الاستقلال؛ لتعرف مصر ما يُراد بها، وليعرف المصريون أين يُساقون، فأما المطاولة والمماطلة، والمواقف السلبية، وانتظار الفرص والثقة بحسن نية الحليفة فكلام كان يُقال، ولا ينبغي أن يُكتفى بقوله الآن. لقد سمع مجلس النوَّاب، وقرأ النوَّاب في الصحف أن إيران لم تنتظر، ولم تتربص، ولم تتوقع، وإنما طالبت بالجلاء، ولمَّا تنتهي الحرب بعدُ.

ولقد سمع النوَّاب وقرءوا أن سوريا ولبنان يطالبان بالجلاء، ويبلغان منه ما يريدان، ومصر تعينهما على ذلك. ويعينها عليه رئيس الوزراء نفسه، وهما لم ينتظرا، ولم يتوقعا، وإنما همَّا ثم فعلا، وأعانهما على العزم والفعل رئيس الوزراء. فما باله يرى ويعين فيما يتصل بسوريا ولبنان، ثم ينتظر الفرصة ويتوقع حسن النية فيما يتصل بمصر؟!

وقد سمع النوَّاب وقرءوا ما كان في مؤتمر سان فرانسيسكو من الخطوب، وما كان في مؤتمر برلين من الخطوب أيضًا، وعرف النوَّاب كما عرف رئيس الوزراء أن هذه الظروف هي التي ينبغي أن يكون فيها العمل، وأن الانتظار تقصير في هذه الأيام، وأن الإبطاء قد يعرِّض إلى ضياع الحقوق.

وما أشك في أن رئيس الوزراء لا يجب أن يُتهم بالتقصير، ولا يريد أن تضيع الحقوق؛ وإذن ففيمَ الصمت، وفيم الانتظار، وفيمَ التعلل بالآمال؟!

أليس غريبًا أن تصدر «الإجيبشيان» أمس، ويتكلم رئيس الوزراء أمس أيضًا، فإذا روح «الإجيبشيان» جازيت وروح الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء يتفقان على أن الانتظار خير، وعلى أن المسألة مسألة وقت؟! هل يعلم رئيس الوزراء وأعضاء البرلمان، والمصريون جميعًا أن العالم الخارجي تحدث عن مذكرة الوفد، وتحدث أيضًا عن أن الحكومة المصرية ستطالب بالجلاء؟ فماذا عسى أن يقول العالم الخارجي؟ سيقول بالطبع إن السياسة قضت على الحكومة المصرية أن تستأني وتنتظر حتى تسنح الفرصة. فأما الأمة المصرية فإنها لا تستأني ولا تنتظر، وإنما تطالب بالحق كاملًا، وتسعى إليه في غير ريث ولا مهل.

وإذن فبين الأمة والحكومة اختلاف؛ أمة تسعى وحكومة تنتظر، ومن يدري لعل يومًا يأتي تتفق فيه الأمة والحكومة، فلا تمضي إحداهما وتقف الأخرى.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.