إذا أعسرت الحكومة والشعب موسر كانت عاجزة، وإذا أيسرت الحكومة والشعب معسر كانت طاغية، وإنما يصلح أمر الحكومة ويعتدل بين العجز والطغيان، حين تكون الملاءمة بين ثروة الحكومة وثروة الشعب، وكل ما يمكن أن يُطلَب إلى الحكومات في أيام العسر والأزمة هو أن تُدبِّر أموالها وتُحْسِن التدبير؛ حتى لا يخنقها الضِّيق، ولا يضطرها العسر إلى الإفلاس.

والظاهر أن حكومتنا تكره العجز ولا تحب الفقر، والظاهر أيضًا أنها تكره الملاءمة بين حياتها وبين حياة الشعب، وقد رأت الشعب فقيرًا فأبت إلا أن تكون غنية، ورأته معسرًا فأبت إلا أن تكون موسرة، ورأته مضطرًّا إلى الجوع والحرمان، فأبت إلا أن تصيب من الترف ما يُباح وما لا يُباح، حتى إذا انتهى العام المالي — أو كاد — أعلنت إلى الشعب في شيء من التحدي والازدراء، أنها على إترافها وإسرافها، قد استطاعت أن توفر ثلاثة ملايين ونصف مليون، بينما كثيرٌ من الناس يتلظون جوعًا ويَصْلَوْن نار المتربة والحرمان.

ولم يكد الناس يقرءون ما نشرته الصحف أمس، من أن حساب الدولة قد أظهر أن دخلها قد زاد على خرجها هذه الملايين، حتى أقبل بعضهم على بعضٍ يتساءلون: وإذن ففيمَ كان الإرهاق للشعب؟! وفيمَ كان التضييق على مرافق الدولة التي لا بد من التوسعة عليها؟! وفيمَ كانت هذه الجهود التي بُذِلَتْ عند المصارف؟! وفيمَ كانت هذه الاتفاقات التي أُبْرِمَتْ مع المصارف؟! وفيمَ كان هذا القرض الذي عُقِد لكفِّ أيدي المصارف عن الناس؟! وفيمَ الاستمرار على جباية طائفة من الضرائب يشكو الناس منها، ويضيقون بها، ويُلِحُّون في أن يُرْفَع عنهم شرها، ويُكْشَف عنهم ضرها؟! وفيمَ تشريد الطلاب والتلاميذ حين يعجز آباؤهم وأولياؤهم عن أداء المصروفات أو جزء من المصروفات؟! وفيمَ رفع المصروفات في كلية الطب، وتقاضي ما زِيدَ فيها من طلاب السنة الثانية الذين كان يجب إعفاؤهم من هذا المزيد؟! وفيمَ إلغاء ثلث الكراسي في كلية الآداب؟! وفيمَ إثبات هذه القاعدة المخزية في ميزانية الجامعة وهي أن بعض الكراسي التي يشغلها الأجانب تنحل إلى مناصب أساتذة مساعدين إذا شغلها المصريون، ثم فيمَ التضييق على الموظفين — أو بعبارة أدق على بعض الموظفين — هؤلاء الذين توقف حقوقهم في العلاوات والترقيات، رغبةً في الاقتصاد، وإشفاقًا على خزانة الدولة من العسر بل من الإفلاس، ثم لا يمن الله عليهم باستثناء من هذه الاستثناءات التي تسقط على بعض الموظفين الآخرين، كما يسقط الندى على أزهار الربيع؟!

أقبل الناس بعضهم على بعضٍ يتساءلون: فيمَ هذا كله، إذا كانت خزانة الدولة مكتظةً بالمال إلى هذا الحد؟! وأقبل بعضهم على بعضٍ يتحدثون أيضًا، بأن من الفلاحين مَنْ يبيع ماشيته ليؤدي المصروفات على أبنائه، وبأن من الفلاحين من بِيعَتْ حتى آنيتهم اليسيرة لأداء الضرائب، وبأن من الفلاحين من عبثت بأجسامهم السياط فمزقتها تمزيقًا، ومن عبثت بقلوبهم اللوعة فحرقتها تحريقًا، وبأن من الفلاحين مَنْ شُدَّ بعضهم إلى بعض في حبل وسِيقوا إلى مركز الشرطة تلهب جلودَهم السياطُ إن تلكئوا أو أبطئوا! وبأن من أهل المدن مَنْ تَضِيق بهم الحال، وتنقطع بهم أسباب العيش، حتى إنهم ليقضون بياض النهار وسواد الليل لا يجدون ما يأكلون، ولا يجدون ما يلهون به صغارهم عن ألم الجوع، وبأن هذا الحرمان المنكر قد أخذ يعبث بالناس في بعض أحياء القاهرة حتى ظهر فيها التيفوس، وحتى هجم هذا التيفوس على مستشفى القصر العيني وكلية الطب؛ فأصاب فريقًا من الأطباء، ونفرًا من الطلاب والطالبات، وبأن كثيرًا من الأغنياء الذين لم يعرفوا البؤس قد ذاقوا مرارته وتجرعوها، واحتملوا ألوانًا من الذل في الاقتراض يلتمسونه في هذا المصرف فيأباه، ويلتمسونه في ذلك المصرف فيردهم خائبين، وما تعوَّدُوا قط أن يسألوا، وما تعوَّدوا قط أن يذوقوا ألم الرد والاعتذار.

أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون فيمَ هذا كله إذا كانت خزانة الدولة غنية هذا الغنى، مثرية هذا الإثراء، موفورة الحظ لا من الألوف، ولا من مئات الألوف، بل من الملايين! … وأخذ بعضهم يجيب بعضًا بطائفةٍ من الأجوبة لا يسر الحكومة أن تعرفها، لو أن الحكومة تشعر بما يشعر به الشعب من ألم، ولو أن الحكومة تجد ما يجد الشعب من أذًى، ولو أن الحكومة تحسب لما يدور في نفس الشعب حسابًا.

قال بعضهم إن الإنجليز تعصرهم الأزمة، وهم يعصرون الحكومة المصرية — كما قالت الأهرام منذ أسابيع — والحكومة مضطرة أن تعصر الشعب، فما تستصفيه من هذه البقرة الحلوب التي تُسمَّى مصر، يستصفيه منها الإنجليز فيما يريدون أن ينهضوا به من الأعمال في السودان، وفي بلاد الحبشة! …

وقال بعضهم إن ذاكرة المصريين قصيرة، فهم قد نسوا أن الصحف الإنجليزية في الصيف الماضي وفي الخريف الماضي تحدثت فأطالت الحديث عن وزير الأشغال السابق، وعن بعض المقاولين، وعن مشروعات هائلة للري وغير الري، ستُنْفَق فيها الملايين والملايين، فلم يكن بد إذن من أن تُهيَّأ الأموال وتُدَّخَر، حتى إذا تهيأ الإنجليز للأخذ في هذه المشروعات، كانت الأموال مهيأة مرصدة، فانتفعت الشركات الإنجليزية، واندفعت إلى الانتفاع، ووجدت منها الوزارة المصرية في بلاد الإنجليز أعوانًا لها على البقاء في مناصب الحكم! …

وقال بعضهم الآخر: ليس المصري قصير الذاكرة فحسب، ولكنه سريع الانخداع، تعبث به الألفاظ وتستهويه الوعود، فيصدق ما لا يجب تصديقه، ويؤمن بما لا يجب الإيمان به، زعموا له أن طرائق الحكم في هذا العصر الحديث قد تغيرت، فأصبح الشعب لا يُستغَل ولا يُستذَل، ولا يُسخَّر لمنفعة سادَتِهِ ومواليه، وإنما تُدبَّر أموره لنفسه، وتُجْبَى منه أمواله لِتُرَدَّ عليه.

ورأى المصريُّ هذا واقعًا في البلاد الأوروبية، وسمع أن بلده قد أصبح جزءًا من أوروبا فانخدع، وظن أن أموره ستجري كما تجري أمور الأوروبيين، وأن وزاراته قد قامت لتخدمه لا لتظلمه، وأن أمواله تُجبَى منه لتُنْفَق عليه، وترد عنه السوء إن تورط فيه، حتى إذا كانت هذه الأيام السود، نظر إلى الوزارة فإذا هي تقطب له الجبين، ودعا الوزارة فإذا هي تضع الأصابع في الآذان، وألح على الوزارة فإذا هي تعلن الفقر، وتعلن الإعدام، وتلح في إعلانهما!

ثم لم تكتفِ الوزارة بالتقطيب له والإعراض عنه والإباء عليه، بل أقبلت عليه تستعينه على أزمتها، وتلتمس منه أن تكشف عنها ضر الفقر والإعدام، فلما عجز عن ذلك كذبته، وعذبته، واضطرته إلى أن يكون عند ما تريد! وقد احتمل التكذيب، وخضع للتعذيب، وأدى من راحته وأمنه ودمه ما طُلِب منه، ثم نظر فإذا هو بائس، وإذا الحكومة ناعمة، وإذا هو معسر والحكومة موسرة، وإذا هو يلتمس القرش وبعض القرش إن كان فقيرًا فلا يجده، ويلتمس الجنيه أو بعض الجنيه إن كان غنيًّا فلا يظفر به، وإذا الحكومة قد وفرت ثلاثة ملايين ونصف مليون في أقل من عام! …

ظن المصري المخدوع أنه يحكم لنفسه، فإذا هو يحكم لغيره أو اعتقد المصري المغرور أن الوزارات قد قامت لتخدمه، فإذا هي قد قامت لتهضمه! وآمن المصري الغافل بأن طرائق الحكم قد تغيرت، وبأنه قد أصبح سيدًا راشدًا مالكًا لأمره، فإذا طرائق الحكم هي هي كما كانت في العصور القديمة، تغيرت أشكالها ولم تتغير حقائقها، وإذا هو كما كان في العصور القديمة، مسود قاصر، لا يملك لنفسه نفعًا، ولا يدفع عن نفسه ضرًّا، وإنما أموره كلها إلى سادته المعصومين، الذين يقضون في أمره وفي أمواله كما يريدون لا كما يريد! …

تحدث الناس بعضهم إلى بعضٍ بهذه الأحاديث المرة التي تتقطع لها القلوب، وتتصدع لها الأفئدة، وتذوب لها النفوس، وزاد أحاديثهم مرارة وآلامهم لذعًا، أن الوزارة تفاخر بهذا الاقتصاد، وأن صحيفة الحكومة تتمدح بهذه الثروة الحكومية، والشعب معسر معوز معدم، تلفحه الفاقة، ويحرقه الجوع، وأصبح الناس اليوم، وسيمسي الناس اليوم، وسيصبحون غدًا ويمسون، وفي مصر صوتان يسمعهما الشعب: صوت ينكر غنى الحكومة وبؤس الأمة، وصوت يحمد غنى الحكومة ويراه مفخرةً لرئيس الوزراء.

وهذان الصوتان يقعان من نفس الشعب مواقع مختلفة، ولكنها كلها تنتهي إلى نتيجة واحدة، وهي إحساس الشعب بأنه بائسٌ تعسٌ مستغلٌّ مستذلٌّ، يرثي له قوم ويسخر منه قوم آخرون!

ونتيجة هذا الإحساس المؤلم الذي يجده الشعب، والذي يتغلغل في طبقات الشعب كلها، سيئة منكرة، يعرفها رئيس الوزراء ويُقدِّرها إذا خلا إلى نفسه. ولكنه لا يريد أن ينزل عند ما تقتضيه من المواقف، وعندما تدعو إليه من الاستقالة والتنحي عن الحكم، لقومٍ آخرين هم أرفق بالشعب، وأعطف عليه، وأرحم له، من أن يدعوه في هذا البؤس والعسر والفاقة، بينما تقتصد الحكومة ثلاثة ملايين ونصف مليون! …

كل شيءٍ في مصر الآن مؤلمٌ محرجٌ يثير حفيظة الشعب، ويملأ قلبه مرارةً وحزنًا، حكومته غنية وهو فقير، حكومته مترفة وهو بائس، حكومته مسرفةٌ وهو لا يجد ما ينفق، ثم يفكر الشعب فيرى رئيس وزرائه يستمتع بما لا يستمتع به المصري العادي، يعمل أشهرًا ويقتضي أجر سنة!

ومع ذلك فبين المصريين من يعملون ويجدون، ثم لا يقتضون شيئًا! وبين المصريين من يصيبهم المرض فإذا ظهر أنه مانع من العمل، أُبْعِدوا عن أعمالهم، وإذا ظهر أن علاجه قد يَطُول أُنْقِصَتْ أجورهم، فما بال رئيس الوزراء لا يكون كغيره من الناس؟! ما باله لا يعتزل العمل إن كان مرضه لا يمكنه من المضي فيه؟! وما بال أجره لا ينقص كأجر غيره من الموظفين إن كان علاجه يحتاج إلى زمن طويل؟! وما بال مصالح الدولة كلها تُوكَل إلى مَنْ لا يستطيع أن ينهض بها أو يقوم عليها؟!

الله يشهد ما نحب لرئيس الوزراء إلا أن يكون كغيره من الناس مستمتعًا بالصحة الكاملة، والعافية الموفورة، ولكنا نريد له أن يكون كغيره من الناس في كل شيء، في نتائج الصحة وفي نتائج المرض، في نتائج القدرة وفي نتائج العجز.

كل شيء مؤلمٌ ممضٌّ في مصر الآن: حكومة غنية، وشعب بائس! رئيس وزارة يمتاز في مرضه من بقية الناس بل من بقية رؤساء الوزارات، وموظفون في الدواوين يُوكَل بكل منهم الخادم والخادمان، والمصريون خارج الحكومة يجدون ويجهدون ويحتملون ألوان المكروه لعلهم يعيشون، فتضيق بهم الحياة وتنقطع بهم الأسباب، وتُفتَح أمامهم أبوابٌ من اليأس، فإذا نظروا منها رأوا من الآثام والسيئات ما لا نحب أن نتحدَّث عنه أو أن نفكرَ فيه! …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.