دعونا نتصور أن الطفل في بلادنا يحظى في بيته بحنان أبويه، وغذاء حسن، ولهْو بريء يُشبع خياله ويوقظ روح الابتكار فيه، وأنه يجد بعد ذلك في مدرسته جوًّا صحيًّا وتعليمًا مفيدًا، وتربية رشيدة دينية ووطنية وإنسانية، ورياضة بدنية، ونشاطًا فنيًّا متنوعًا، ولنتصور أيضًا أنه يوجَّه تبعًا لاستعداده، وأنه يؤهَّل بحقٍ لحياة عملية ناجحة عن سبيل حرفة أو مهنة، وأن المستقبل ينبسط أمامه واعدًا بالنجاح على قدر اجتهاده، وبإشباع حاجاته الأساسية كالزواج في نطاق المتاح من إمكاناته، لنتصور أيضًا أننا عند مراهقته نغير من معاملتنا له، نعتبره لنا ندًّا في الرأي والحوار، ونشركه في مسئوليات البيت والحياة باعتباره الوريث الشرعي لهما، وأنه عما قريب سيتسلم مراكز التوجيه والقيادة، فنحترم رؤيته في جميع الشئون الوطنية والسياسية، ونفسح له مجال التعبير والعمل فيها، ولنتصور بعد ذلك وقبل ذلك أننا قدمنا له من حياتنا الخاصة والعامة نماذج طيبة في الجد والاجتهاد والأمانة والشرف واحترام حقوق الإنسان.

إذا تصورتم ذلك فهل تتصورون إلا أن ينشأ الطفل كبير القلب، محبًّا للخير، إنسانًا، وفخورًا بآبائه وجيرانه وزعمائه؟ وهل تتصورون إن انحرف بعد ذلك إلا أن يكون انحرافه مرضيًّا نجد له العلاج عند الطبيب النفسي أو غيره من الأطباء؟!

من أجل ذلك أقول لكم إنه لا توجد مشكلة خاصة بالشباب، ولكن المشكلة الحقيقية هي مشكلة الكبار الحائزين للرشد والنضج، والممارسين لأسباب التوجيه والقيادة في المجتمع، المشكلة هي مشكلة الكبار وما يصنعون بمجتمعهم، وما يضيفون إلى الحياة من جمال أو قبح، وما يعتنقون من مبادئ يعاملون بها الآخرين، هم الذين يصنعون الدراما الإنسانية فيجعلون منها ملحمة بطولية أو كوميديا سوداء، أو تراجيديا دامية.

اللهم اهد كبارنا، ليهتدي صغارنا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.