حضرت افتتاح معرض الهند بأرض الجمعية الزراعية بالجزيرة صباح الأربعاء الماضي. ولقد درت في أرجاء المعرض ألتمس الصورة التي قُصد إليها من إقامته، فإذا هي ما ذكره سفير الهند، تقديمًا لحفلة الافتتاح، صورة تَقدُّم الهند الصناعي في عهد الاستقلال. وهذه الصورة تشهد بعظمة هذا التقدم. فقد خَطَت الهند في مجال الصناعة الثقيلة — صناعة الماكينات وما يتصل بها — خطوات جعلتها تستغني بنفسها إلى حدٍ كبير عن غيرها من الأمم العريقة في هذه الصناعة. أما الصناعات الزخرفية وصناعة النسيج على اختلاف أنواعه، فتقف النظر بدقتها وجمالها ما تقفه نقوش العاج البارعة التي بزت الهند بها غيرها من الأمم.

على أن ما شهدتُه من ذلك لم يثر دهشتي. فقد شهدت مثله وأبدع منه حين زرت الهند في العام الماضي، لكنني لم أملك إلا الابتسام حين رأيت عن يميني في مدخل الصالة الكبرى خريطة للهند مصورة بالكهرباء، وأمامها تمثال لغاندي اعترافًا بأنه هو الذي أنشأ الهند الحديثة. وإنما تبسمت؛ لأن غاندي كان عدوًّا للصناعات الكبرى، بل كان عدوًّا للصناعات الميكانيكية كلها، وكان يدعو الهند إلى هدمها وتحطيمها، وكان يجعل المغزل وعجلة النسيج شارته وعلم جهاده، فكيف ترى الهند الحديثة جعلت من تمثاله علم هذه النهضة الصناعية التي تعرضها أمام المصريين، وكأن غاندي قد اخترع آلات جديدة يضارب بها أحدث آلات أوربا وأمريكا لتتفوق الهند في صناعتها عليهما.

على أن ابتسامي لم يكن ابتسام إنكار على الهند أن تجعل غاندي شارة صناعتها، بل كان مصدره قدرة الهنود على جمع المتناقضات، حتى ليكون صاحب المغزل وعجلة النسيج هو مصدر الوحي بهذه الصناعات الكبرى المنتشرة اليوم في أرجاء الهند جميعًا، شمالها وجنوبها شرقها وغربها. وهذه الفكرة ليست مع ذلك عجبًا، بل إن لها لمنطقًا يؤدي إليها في دقة غاية الدقة، ويقنعك بأن غاندي هو بالفعل صاحب الوحي بهذه النهضة الصناعية الكبرى في الهند.

لقد كان غاندي عدوًّا للصناعة الميكانيكية؛ لأنها تَحْرم الأيدي العاملة من أن تجد عملًا، ولأنه كان يؤمن بأن العمل هو أشرف ما يتولاه الإنسان في حياته، فكل ما يمكن أن يحرمه من هذا الشرف وزر على الكرامة الإنسانية أكبر الوزر. هذه هي الفكرة الإنسانية التي حركت مهاتما الهند العظيم ودفعته للنهوض بدعوته. لكن هذه الفكرة كانت تستر وراءها سرًّا سياسيًّا عميقًا. فلو أن هذه الصناعات الكبيرة كانت هندية تباشرها أيدي الهنود على أرض الهند، ولو أن الذين يعملون فيها وينتجون ثمراتها كانوا يستطيعون كفاية الهند لتستغني بإنتاجهم عن غيرها من الدول لكان ذلك خيرًا، ولأمكن أن تجد الأيدي العاملة التي تحرمها الآلة من عملها ميادين أخرى للعمل تنفق فيها مقدرتها ونشاطها. أما أن تكون هذه الصناعات في ملك الأجانب وإن تسمَّت بأسماء هندية وقامت على أرض الهند، ثم لا تكفي إلا القليل من حاجات الهند، وأن تكون مع ذلك نوعًا من الإعلان عن المنتجات الأجنبية التي تماثلها، وأن تغري الهنود بالإقبال على ما يصنع بالخارج، وتشعر الذين لا يستطيعون الحصول عليها بأنهم محرومون مظلومون في المجتمع فذلك ما يؤذي المعنى الإنساني للحياة، وما يصيب الهند في كيانها الاجتماعي بالضرر البالغ.

هذا السر السياسي الذي انطوت عليه دعوة غاندي لم يكن ذلك خافيًا، بل كان واضحًا عرفه الجميع. وكان وضوحه من الأسباب التي قوت دعوة غاندي إلى الصناعات اليدوية، والصناعات المنزلية، والتي جعلت من المغزل وعجلة النسيج شعارًا للهند كلها لا لغاندي وحده، ثم جعلت من غاندي وتقشفه وصبره على المكاره مثالًا يحتذيه كل هندي صادق الإخلاص لبلاده في جهادها لاستقلالها. فالاستقلال الحقيقي للفرد وللأمة هو الاستغناء عن الغير فيما لا نستطيع أن نبادله فيه عملًا بعمل، وقوة بقوة، وإنتاجًا بإنتاج.

لم يكتف غاندي بتوجيه الدعوة إلى بني وطنه يبين فيها هذه المعاني ليقنعهم بأن السعادة الإنسانية ليست في الطعام واللباس، ولا في المال والزخرف ولا في شيء من متاع هذه الحياة الدنيا الغَرور، وإنما السعادة الحقيقية في رضا النفس، وطمأنينة الضمير، والاقتناع الذاتي بأننا نعمل الخير لذوينا وأبناء وطننا. لم يكتف غاندي بالدعوة إلى تعاليمه، بل جعل يتنقل في أرجاء الهند ويقوم بإنشاء الجماعات التي تتولى تنفيذ هذه التعاليم في الهند من أقصاها إلى أقصاها فكان من أثر مجهوده أن استقلت الهند وأن تولى أبناؤها أمرها، وأن أصبح في مقدورهم أن ينشئوا فيها ما يضارعون به غيرهم من الأمم المستقلة، فكانت الصناعات الكبرى بعض هذا الذي أخذوا ينشئونه ليستغنوا به عن غيرهم، وليبادلوا به هذا الغير إذا كان لهم في التبادل فائدة.

وكان طبيعيًّا أن يحدث هذا التطور. فقد كانت سياسة غاندي قائمة على عدم التعاون مع الذين يحكمون الهند من غير أبنائها. والاستغناء عن منتجات هذا الغير مظهر من مظاهر عدم التعاون. أمَا وقد آل أمر الهند لأبنائها وأصبحت بذلك حرة في تصرفاتها، فواجبها الأول أن تستوفي كل مقومات الاستقلال.

والصناعة بوجهٍ عام، والصناعة الكبرى بوجهٍ خاص، من مقومات الاستقلال في عصرنا الحاضر. وإذا كان الاستغناء عن الغير من أنجح الوسائل في مقاومة من يحرمك من أن تقاومه بمثل أسلحته، فإن زاول هذا الحرمان يقتضيك أن تحصن نفسك بما يحصن به هذا الغير نفسه. والصناعة الثقيلة في مقدمة الوسائل لهذا التحصن؛ فهي إبان السلم سبب رخاء وانتعاش، وهي إبان الحرب تمد القوات المحاربة كما تمد الشعب بما يحتاجه من أسلحة الحرب ومن وسائل المقاومة لكل معتدٍ على أرض الوطن.

لا تناقض إذن بين تفكير غاندي في المقاومة السلمية إبان نضاله للاستقلال، وبين نهضة الهند الصناعية بعد الاستقلال، بل هي فكرة واحدة تتطور لمواجهة أحداث الحياة كتطور هذه الأحداث نفسها. ولذلك لم تكتف الهند بهذه الصناعات التي يراها من يشاهد معرض الهند بالقاهرة، بل هي تصنع اليوم هياكل الطائرات، وهي تعد العدة للمحافظة على حريتها، وعلى حيادها، إيمانًا منها بأن الحرية والحياد يقتضيان مجهودًا أعظم من المجهود الذي يحتاج إليه الجهاد في سبيل الاستقلال.

ولا عجب إذن في أن يكون تمثال غاندي علمًا لنهضة الهند الصناعية الحديثة؛ فتطور الهند السريع وأخْذها بأسباب الصناعة الكبرى إنما كان أثرًا من آثار غاندي، الذي سمي بحق منشئ الهند الحديثة. ولا عجب أن يكون زملاء غاندي في جهاده هم الذين يشرفون من منصة الحكم على هذا التطور وما يؤدي إليه. لقد كانوا معه دعاة إلى عدم التعاون، وهم اليوم العاملون الصادقون على تقوية النهضة الصناعية الحاضرة. ولو أن غاندي كان اليوم حيًّا لبارك عملهم ولشجعهم عليه، لأنه كان يؤمن بتطور الوسائل. أما إيمانه بأن المبادئ الإنسانية السامية الخالدة باقية لا تتغير ولا تستطيع عادية أن تعدو عليها أو تهد من كيانها فلم يتزعزع قط.

فلو أن معرضًا أقيم غدًا لفلسفة الهند أو لأديانها أو لتاريخها لكان تمثال غاندي شارته وعَلَمه، ولوضع في صدر ذلك المعرض كما وضع في صدر المعرض الصناعي القائم اليوم بجزيرة القاهرة. فغاندي يمثل روح الهند وعبقريتها. هو هندي في صميم نفسه وأعمق وجدانه. لقد درس القانون في إنجلترا واختلط بالجمعية الإنجليزية ثلاث سنوات تباعًا. وقد أدرك ما في هذه الحضارة الغربية من معانٍ وقوى كامنة. لكنه ظل مع ذلك هنديًّا في صميمه، وفي عقيدته، في عاداته، في حبه لوطنه وبني وطنه. هذا مع تسامح جعل نفسه تحترم العقائد جميعًا، وتقبل الآراء كلها وتحللها، وتدرك معاني الحياة على اختلاف صورها. فهو بحق ممثل الهند على تعاقب الأجيال وفي شتى نواحي الحياة. وسيبقى كذلك إلى أجيال لا يعلم عدتها إلا الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.