يظهر أن الوزارة كرهت أن يظل موقف مصر أثناء هذه الأزمة الحادة موقفَ هُدُوء وأمنٍ وسِلْم، يمتاز بالنقاء والصفاء، وإن اشتدَّ فيه اختلاط الآراء وازدحام المذاهب، وإن كثر فيه القلق، وعظم فيه الاضطراب، وانطلقت فيه الألسنة بالأحاديث المختلفة التي لا تُحْصَى: يظهر أن الوزارة كرهت للموقف المصري أن يكون نقيًّا ناصعًا أثناء هذه الأزمة الحادة، وأبت ألا تلونه بالحمرة قليلًا، وتصبغه بشيء من الدماء، وبشيء من دماء المصريين، فكان ما كان من هذا العدوان المنكر الذي اقترفته الشرطة أول أمس، حين أقبل رئيس الوفد من مصيفه، ليستقرَّ في مدينة القاهرة.

وقد يكون للوزارة بعض العذر في هذا الإثم القبيح الذي اقترفته الشرطة المصرية وفي هذا العدوان الصريح الذي جناه الجند المصري على الشعب المصري؛ فإن ذكاء الوزارة على حدته وشدته، وعلى لباقته ورشاقته، وعلى إيثاره للصمت وحرصه على التكتم، لم يخرجها من الأزمة ولم يهيئ لها منها مخرجًا، وإذا لم يُجْدِ الذكاء اللبق الرشيق، النافذ الدقيق، فقد يجدي الاعتداء المنكر الصريح.

وقد جدَّت الوزارة في أن تقنع الإنجليز بالإبقاء عليها فيما يظهر فلم تفلح، وقد جدت الوزارة في إقناع الإنجليز بأن آراءها في حل هذه الأزمة موفقة صائبة فلم تفلح، وقد جدَّت الوزارة فيما يظهر في أن تَجِدَ لها من المصريين أعوانًا وأنصارًا فلم تفلح، وقد جدَّت الوزارة فيما يظهر في أن تهدئ قلقَ المصريين بهذا الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء فلم يقل فيه شيئًا فلم تفلح، والوزارة عاجزة عن أن تضرب الإنجليز بالعصيِّ والسياط، والوزارة عاجزة حتى عن أن تمنع الإنجليز من أن يتنكروا لها أو يمكروا بها، والوزارة عاجزة حتى عن أن تمنع نائب المندوب السامي من التفتيش على ثكنات الشرطة وأقسامها، وإذا عجزت الوزارة عن الإنجليز فلتضرب المصريين، ولتعمل في رءوسهم وأجسامهم العصي والسياط، وما الذي يمنعها من ذلك؟

فقد يكون الإنجليز أحرارًا، لم يملكهم رئيس الوزراء ولم يَرِثْهم عن أبيه، وقد يكون الإنجليز أحرارًا، لم يملكهم القيسي باشا ولم يرثهم عن أبيه أيضًا، ولكن المصريين عبيد يملك بعضهم رئيس الوزراء بطريق الشراء ويملك بعضهم بطريق الميراث، ويملك بعضهم القيسي باشا شراءً وميراثًا، فمن حق الوزارة أن تعمل في رءوسهم وأجسامهم العصي والسياط، ومن الذي يستطيع أن يمنع المالك من أن يتصرف في ملكه كما يحب، ويخضعه لما يشتهي من ألوان الجد والهزل، ومن فنون العبث واللعب، ومن ضروب التنعيم والتعذيب؟

المصريون ملك لرئيس الوزراء وملك لوزير الداخلية، فللوزارة أن تصنع بهم ما تشاء، تنعمهم إن أرادت وتعذِّبهم إن أحبت وتبيعهم إن خطر لها أن تبيعهم، لا يمانعها في ذلك إلا من يجهل القانون أو يتحداه. وعلى غير هذا النحو من التفسير لا يمكن أن يفهم أحد هذه الأعمال التي اقترفتها الشرطة المصرية أول أمس داخل المحطة وخارجها في غير حساب وبغير تقدير ومن غير احتياط. كانت كل الرءوس المصرية مباحة للشرطة المصرية، وكانت كل الأجسام المصرية مباحة للشرطة المصرية، وكان المصريون يتلقَّوْن الضربات لا فرق فيهم بين الكبير والصغير ولا بين المثقف والجاهل ولا بين الصحفي وغير الصحفي، كلهم أرقَّاء، وكلهم ملك للقيسي باشا، ورث بعضهم واشترى بعضهم الآخر، وكان بعض المصريين معرضًا للخطر، وكان بعضهم معرضًا للجراحات، ولم تكن الشرطة تحفل بذلك، ولا تأبه له؛ فقد أباح لها صاحب الملك ووزير الداخلية أن تتصرف في هذا الملك كما تريد.

وصاحب الرقيق حر في أن يستغني عن بعض هذا الرقيق فيعرضه للموت، أو يصب عليه العذاب، وما ينبغي لك ولا لي أن تعرض للقيسي باشا ولا أن تناقشه؛ فقد يكون هذا فضولًا، وقد يؤذينا القيسي باشا إلى ذلك فيعرضنا للخطر أو يسلِّط علينا العذاب، وللوزارة فيما يظهر معذرة في هذا الطيش الذي دفعت إليه أول أمس، فأخرجها عن طورها، ودفعها إلى هذا الإسراف في العدوان؛ فقد يقال إن رئيس الوفد هذا الذي كان الناس يحتفلون به أول أمس لقي نائب المندوب السامي وأقام معه ساعة وبعض ساعة، وفي هذا اللقاء شبهات، وفي هذا الحديث مخاوف، وقد يكون لهذا الحديث ما بعده، وقد يكون من عواقب هذا الحديث أن يزول السلطان عن قوم لا يُحسِنون النهوض بأعباء السلطان، ولا سيما في هذه الظروف التي يشتد فيها الحرج وتشكل فيها الأمور.

فإذا استؤنفت الصلات بين الوفد وبين دار المندوب السامي، وإذا ابتدأ اللقاء بين رئيس الوفد وبين ممثلي بريطانيا العظمى، وإذا اتصل الحديث بين رئيس الوفد وبين المسئولين من الإنجليز، فمن المعقول جدًّا أن تفقد الوزارة كل تقدير للأمور وكل صواب في التفكير، وكل اعتدال في السيرة والعمل، ومن المعقول أن تخرج الوزارة عن طورها وتؤدب المصريين لأنهم يحبون رئيس الوفد، وتعذِّب المصريين لأنهم يسعون إلى لقاء رئيس الوفد، وتعرض المصريين للخطر لأنهم يستقبلون رئيس الوفد، بما لم يظفر الوزراء بشيء عنه يبلغ العشر، أو يبلغ الواحد في المائة أو يبلغ الواحد في الألف من الحب والإخلاص والوفاء.

الوزارة معذورة في هذه الآثام التي اقترفتها الشرطة؛ لأن الأمور قد أفلتت من يدها فيما يظهر، ولكن من الذي زعم أن المصريين مكلَّفون أن يحتملوا نتائج ما تدفع إليه الوزارة من اليأس وسوء التقدير.

أما أن الوزارة كانت يائسة سيئة التقدير أول أمس خارجة عن طورها حقًّا، فشيء ليس إلى الشك فيه من سبيل؛ فقد كان الثلاثاء يومًا من أيام مصر، فيه تحتفل الدولة والشعب بعيد صاحب الجلالة الملك، وكان هذا اليوم أبغض الأيام للدماء، وأزهدها في العنف، ولكن الشرطة المصرية سفكت في هذا اليوم دم بعض المصريين، وما يصدر مثل هذا الأمر عن قوم يملكون صوابهم كله. جلالة الملك مريض لا تعرض عليه في هذه الأيام شئون الدولة، ولا يصدر الوزراء عن رأيه السامي فيما يعملون، والبرلمان القائم مفرق، لا تسأله الوزارة ولا يشير عليها، ولعل الوزارة تخافه وتقلق منه، والإنجليز يخاصمون الوزارة في هذه الأيام، وقد تحدثت الصحف بأنهم لم يشتركوا أول أمس كما تعوَّدوا أن يشتركوا فيما كان من العدوان، وإذن فأمور المصريين إلى عشرة من الوزراء يتصرفون فيها كما يريدون هم لا كما يريد المصريون من الشعب، ولا كما يريد البرلمان، وهم يُبِيحون للشرطة الاعتداء على المصريين وتهشيم رءوسهم بالعصي، وتمزيق أجسامهم بالسياط، فهل يعرف الوزراء أن هذا الذي يقدمون عليه كريه؟ وهل يقدر رئيس الوزراء وصديقه القيسي باشا ثقل ما يحتملان من التبعات؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.