لعل أقوى ما يشعر به المصريون الذين لا يشملهم عطف الحكومة ورضاها في هذه الأيام — وهم بالطبع أكثر المصريين — هو أن الحكومة تقوم على تأديبهم أكثر مما تقوم على رعايتهم؛ فهي — والحمد لله — لا تأخذهم بالرفق ولا تسوسهم باللِّين، وإنما تمضي في سياستها لهم على الحزم والعزم وإظهار البأس الشديد.

وليس أدل على ذلك من تصوُّر حكومتنا للحرية وضربها على أيدي الذين يريدون أن يكونوا أحرارًا؛ لأن الله قد خلقهم ليكونوا أحرارًا. فالمصريون مراقبون، لا يجتمعون إلا إذا أذِنت لهم الحكومة في الاجتماع، ولا يخطبون إلا إذا أذنت لهم الحكومة في الخطابة، ولا يأمنون حين يكتُبون إلا إذا رضيت الحكومة عمَّا يكتبون، فإن كتبوا ما يحزنها أو يسوءها، فقد كانت الرقابة قائمة تمنع الإذاعة، فلما أُلغِيَت الرقابة قامت النيابة تُحقِّق وتواصل في التحقيق، وترسل إلى السجن الاحتياطي، وتفرض الكفالات المالية فرضًا متَّصِلًا لا يعرِف الانقطاع. وما أُحِبُّ أن أجادل النيابة فيما تدعو إليه من تحقيق، ولا فيما تُقدِم عليه من حبس احتياطي، ولا فيما تفرض من كفالات مالية؛ فالنيابة سلطة قضائية أمامها قانون تنفذه كما ترى، وهي مسئولة أمام ضميرها وأمام القانون عن هذا التنفيذ، وإنما أريد — ومن حقي أن أريد — لفتَ المصريين إلى أن الله لم يخلُق الحكومات لتأديب المحكومين، وإنما خلقها لرعاية حقوقهم والقيام على مصالحهم. فهي خادم لهم لا أكثر ولا أقل. وليس من حق الخادم أن يؤدِّب المخدوم، وإنما الحق عليه أن يطيعه وينفِّذ أمره وينزل عند إرادته ويتخلى عن عمله حين يريد الشعب، وهو سيد نفسه وسيد حكومته أن يتخلَّى عن هذا الأمر. ومن حقي أيضًا أن ألفت المصريين إلى أن لهم أن يطالبوا بتعديل القوانين القائمة إذا تبينت لهم مصلحة في تعديل هذه القوانين، أو تبيَّن لهم شَرٌّ في بقاء هذه القوانين كما هي. فاحترام القانون القائم شيء طبيعي، ولكن احترام القانون شيء وتقديسه شيء آخر. وقد وضعت القوانين لخدمة الشعوب، ولم تخلق الشعوب لتقديس القوانين، فإذا كان من حق النيابة ومن واجبها أن تنفذ القوانين كما ترى، فمن حَقِّنَا نحن أن نطالب بتعديل هذه القوانين حين تظهر حاجتنا إلى هذا التعديل.

وقد يكون من الظريف الطريف أن يلاحظ المصريون أننا لا نعرف بلدًا من بلاد الله في هذه الأيام يُحبس فيها الكتاب حبسًا احتياطيًّا في قضايا الرأي إلا مصر، مصر وحدها؛ فمصر التي لم تشارك في الحرب إلا بعد أن وضعت أوزارها، مصر التي احتملت أوزار الحرب، ولم تجنِ من ثمارها إلى الآن إلا هذا التضييق على أبنائها لا في أرزاقهم وحدها، بل حرياتهم أيضًا.

وقد كان زيد يتحدث إلى أهل البصرة فيسألهم أن يدعو الله لأئمتهم الذين يؤدبونهم ويسوسونهم بسلطان الله الذي أعطاهم، ولكن هذا كان منذ اثني عشر قرنًا، وأصبحنا نحن الذين نعطي الحكومة ما في يدها من سلطان، ونستطيع أن نسترد ما أعطينا.

فمن حقنا إذن أن نكلف الحكومة ما ترى المصلحة في أن نكلفها إياه.

ونحن نرى المصلحة الآن في أن نطلب إليها تعديل القوانين بحيث لا يُسمح للنيابة بالحبس الاحتياطي في قضايا الرأي.

وقد اتخذت الحكومة قانونًا — أستغفر الله، بل مرسومًا بقانون — منعت فيه المحاكم من أن تسمع للقضايا التي تُرفع بشأن الاستثناءات. وهذا القانون ما زال مشكوكًا في دستوريته، ولكن الحكومة اتخذته على كل حال.

ونحن نطلب أن تتَّخذ الحكومة الخطوات الدستورية لتعديل القوانين التي نطلب تعديلها؛ فإن لم تفعل فإن البرلمان لم يوجد ليذهب ويجيء ويخطب ويسمع الخطب، وإنما وُجِدَ ليكلف الحكومة ما يريد الشعب، وليفرض على الحكومة ما يريد الشعب، فليَقُم البرلمان بتعديل القوانين إذا لم تستجب الحكومة إلى ما يدعوها إليه. وليعلم الشيوخ والنواب أن ليس مما يشرف مصر أن يتحدَّث الناس عنها في الخارج بأن كُتَّابَهَا ومفكريها يُلقَوْن في أعماق السجون احتياطًا قبل أن تصدر عليهم الأحكام؛ لأنهم كتَبوا ما لا يسر الحكومة أو يرضيها.

فإذا لم تفعل الحكومة ما ندعوها إليه، وإذا لم يفعل البرلمان ما نطلب إليه؛ فمن حق المصريين أن يعتقدوا أن ديمقراطيتهم كلام، وأن حريتهم لغو، وأنهم يعيشون في ظل حكومة تريد أن تؤدبهم وتحملهم على ما تعتقد هي، لا على ما يعتقدون هم أنه الحق والخير.

وقد قررت صحف الوفد ألا تَصدُر غدًا لتلفت الحكومة ولتلفت البرلمان ولتلفت الشعب إلى أن في مصر شرًّا يجب أن يُرفَع، وإلى أن هذا الشر واقع على الحرية التي يكفُلُها الدستور، والتي كانت الحرب في سبيل حمايتها وتقريرها، وهي حرية الرأي.

وقد يقول القائلون كلامًا كثيرًا في احتجاب صحف الوفد غدًا، ولكن المهم هو أن يعلم الشعب أن حرية الرأي فيه تؤذى إيذاءً متصلًا، وقد يكون من المهم أن يمضي يوم لا تحتاج فيه النيابة إلى تحقيق، ولا تقرأ فيه الحكومة ما يسوءها، ويخلو فيه الميدان للذين يطلبون الطعن والنزال إذا خَلَوْا إلى أنفسهم.

ومن يدري لعل احتجاب الصحف الوفدية غدًا أن يُلهِم الحكومة شيئًا من الجِد، ويحملها على أن تستأنف النظر في سياستها، ويبين لها أن القوة قد تعظُم وتشتد، ولكن الحرية ستظل أقوى منها دائمًا، ولا سيما حين تلجَأ إلى السلب، وحين تؤثر الاحتجاب على الظهور، وحين تؤثِر الصمت على الكلام.

ولتحذر الحكومة أن يكثر احتجاب الصحف، ولتحذر الحكومة أن يتصل صمت الكُتَّاب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.