لا جدال في أن الموت هو أحد أكبر الألغاز التي واجهت الإنسان، وهو يمثل الصدمة الكبرى التي تواجه الفرد حين يختفي أحد المقربين له، فكيف يحدث ذلك؟ لقد كان حتى الأمس القريب يملأ الأسماع نشاطًا وصخبًا وذهابًا وإيابًا، فإذا به يسكت إلى الأبد وكأنه لم يكن! هل هكذا يتوقف عن الحركة والشعور ليصبح كقطعة من الجماد؟ كيف يموت وتختفي الحياة؟ كلها أسئلة حيَّرت الإنسان منذ نشأته. ومن هنا فقد كان شبح الموت أو الخوف منه مصدرًا للأساطير والأحلام، بل والكوابيس أيضًا، فضلًا عن العقائد والديانات، كما تكونت حوله فلسفات ونظريات وغير قليل من الخرافات والأوهام.

والسؤال: هل تنتهي «الحياة» بالموت فعلًا؟ وهل الموت هو نهاية الحياة؟

لا أقصد بذلك التعرض هنا لمفاهيم «الحياة الأخرى»، والبعث والحساب، ولكني أتساءل عن شيء ملموس هنا على الأرض، وليس فيما وراء الظاهر، وهل الموت ينهي الحياة فعلًا، أم أن «الحياة» أقوى من الموت، وأنها تستمر مع ذلك — على الأرض — بما يتركه الفرد من ذرية؟ بل إن حياة الفرد ذاته ليست حتى خاصة به، وإنما هي موروثة ومستعارة من أجداده الذين أورثوه «جيناتهم». فحياة الفرد هي حياة «الجينات» التي يحملها جسده، وهي ليست جديدة، بل موروثة منذ بدء «الحياة»، حيث يورثها كل جيل للجيل التالي، مع ما يلحقها من تغيُّرات وتطوُّرات نتيجة لاختلاط «الجينات» بين الآباء والأمهات من ناحية، فضلًا عمَّا يمر بها من طفرات وتغيُّرات عند تكاثرها وتجددها من ناحية أخرى.

ولكن، أليس من الضروري أن نبدأ بتعريف «الحياة» نفسها حتى يمكن أن نجيب على السؤال، ومعرفة ما إذا كانت هذه «الحياة» تنتهي فعلًا بالموت أم أنها تستمر رغم هذا الموت، بل لعلها تزدهر وتتوسع وتتنوع من خلال تتابع الأجيال التي تحمل هذه «الجينات الموروثة»؟ هناك تعريفات متعددة «للحياة» من الشعراء والأدباء والحالمين والمفكرين، كما أن هناك تعريفات أخرى من العلماء الذين يدرسون «الحياة» كمظهر للعلم الوضعي التجريبي. ولعل أشهر ما كُتِبَ عن تعريف «الحياة» من جانب هؤلاء العلماء، هو ما ينسب إلى الفيزيائي النمساوي إرفن شرودنجر Schrodinger في محاضرات ألقاها في دبلن عام ١٩٤٣، وهو يبدأ تعريفه بملاحظة أن كل شيء في الكون يتجه نحو التحلل والتآكل decay، وأن «الحياة» هي — على العكس — مقاومة لهذا التحلل. فالحياة بهذا الشكل هي مقاومة للاتجاه الطبيعي للأشياء نحو الفوضى entropy، الأمر الذي يعرف في علوم الفيزياء بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية؛ فالكائن «الحي» لا يتجه إلى «التحلل»، وإنما — على العكس — «للنمو» والازدهار. وتتحقق هذه المقاومة لقوى الطبيعة عن طريق ما تتغذى به الكائنات الحية من البيئة المحيطة، فهذه الكائنات تأكل وتشرب وتتنفس مما يتوافر حولها من غذاء وشراب وغازات، وتُحوِّل كل هذا عن طريق التمثيل الغذائي metabolism إلى طاقة تُستَخدم لمقاومة التحلل الطبيعي وبما يساعدها على مزيد من النمو والتماسك؛ فالكائنات الحية تُحوِّل الغذاء الذي تأخذه من البيئة إلى طاقة تمكِّنها من مقاومة التحلل مع إمكان تحقيق النمو. وهكذا، فإن الحياة — عند معظم الفيزيائيين — هي مظهر لمزيد من التنظيم order والتركيب والتعقيد complexity في مواجهة اتجاه طبيعي للفوضى والتحلل في الأشياء غير الحية. وعلى عكس الفيزيائيين، فإن علماء البيولوجيا يركزون في تعريفهم «للحياة» على القدرة على «التناسل» reproduction والاستنساخ، فالكائن الحي يكرر نفسه من خلال ذريته التي يورثها خصائصه فيما ينقله إليها من «جينات».

وهكذا فإنه بإدخال الوراثة في تعريف «الحياة»، فإنها تصبح قوة عاتية تعصى على الموت، فإذا كان من الصحيح أن الإنسان — كما كل الكائنات — يموت ويتحلل في نهاية حياته، فإنه من خلال «الوراثة» يبقى «الحياة» في شكل «جينات» قائمة مستمرة ودائمة في ذريته، يسلمها كل جيل إلى الجيل التالي، وبحيث تستمر شعلة الحياة موقدة دون توقف، وإن كان حامل العلم يتغير. «فالحياة» مستمرة ودائمة رغم الموت؛ فالفرد قد يموت وينتهي وجوده المادي، ولكن «جيناته» تستمر في الوجود، بل وتتوسع وتزدهر مع الأجيال الجديدة، فالخالق برحمته يميت الإنسان ولا يقتل «الحياة»، أوليست قصة النبي نوح إلا تعبيرًا عن هذا المعنى بإنقاذ «جينات» الكائنات الحية؟

وإذا كان عمر الأرض يُقدَّر بأقل قليلًا من خمسة بلايين سنة، فإن بداية مظاهر الحياة — في صورها البدائية للبكتيريا — وجدت منذ ما يزيد على ثلاثة بلايين سنة، ومنذ نحو أربعمائة مليون سنة — على الأقل — بدأت الكائنات الحية تحمل نفس «الجينات» المستمرة حتى وقتنا الحالي، وإن عرفت تطورًا هائلًا وطفرات متعددة في أشكال متعددة من الكائنات التي تحمل هذه الجينات. فالكائنات الحية المعاصرة — حيوانية أو نباتية — تحمل نفس «الجينات» التي كانت موجودة منذ أربعمائة مليون سنة، وإن اختلف ترتيبها وتنظيمها وتعقيدها. وقد عرفت هذه الجينات في كثير من المراحل طفرات متعددة، ولكنها تظل وريثة «الجينات» الأولى واستمرارًا لها، وإن اختلفت الأجساد التي تحملها. وهذه «الجينات» هي جوهر «الحياة»، وهي مستمرة غير عابئة بالموت الذي يلحق حامليها بين الحين والآخر، فهي تنتقل بالوراثة بين الأجيال، وبذلك فإذا كانت معركة الحياة والموت هي معركة «الجينات»، فإن «الحياة» تكون أقوى من «الموت» وتجاوزه عن طريق ما تورثه من «جينات» لنسلها؛ فالإنسان — مثلًا — يولد نتيجة تخصيب الحيوان المنوي للأب للبويضة التي تفرزها الأم، وكلٌّ منهما يحمل جينات الأب أو الأم، ويأخذ الطفل جيناته مناصفة من الأب والأم، فهو استمرار لهما في جسد جديد، ولكنه يرث كذلك في الوقت نفسه جينات كل أجداده من الطرفين، فما يرثه عن الأب والأم ليس إلا إعادة توزيع لميراثٍ سبق أن حصل عليه والداه. وهكذا فإن كل فرد منا ليس فقط وريث أبيه وأمه فيما يحمله من جينات، بل هو وريث كل أجيالهما السابقة، وهو بالتالي وريث البشرية جمعاء، كما أنه — بشكل ما — شقيق لبني البشر أجمعين؛ فالحديث عن وحدة البشرية ليس تعبيرًا مجازيًّا أو بلاغيًّا، وإنما هو تعبير عن حقيقة بيولوجية، فكلنا ننهل من مجمع pool واحد للجينات البشرية، بل الحقيقة أننا نشارك في ذلك جميع الكائنات الحية الأخرى. ويؤكد عدد من العلماء أن سكان العالم خارج أفريقيا السوداء ينحدرون من أم أفريقية خرجت من القارة السوداء قبل حوالي ١٤٠ ألف سنة.

وليس معنى ذلك أن «الجينات» وهي تنتقل من جيل لآخر لا تعرف تغيرات أو طفرات mutation، فهذا جزء طبيعي من عملية التكاثر والتوارث، ولكن تظل الحقيقة هي أننا جميعًا ننهل من مجمع واحد «للجينات»، فالموت وهو يقضي على الأفراد فإنه لا يفلح في القضاء على «الحياة» نفسها التي تستمر باستمرار «الجينات» بين أفراد البشر، بل انظر إلى الوليد الذي يبدأ بنطفة تتكون من خلية وحيدة تجمع بين جينات الأب والأم، ولكن هذه الخلية الوحيدة ما تلبث أن تتكاثر حتى يستكمل الوليد تكوينه في بطن الأم. وبعد المولد فإن هذه الخلايا التي تكوِّن هذا الطفل لا تظل على ما هي عليه، بل تبدأ في الموت والتجديد والتكاثر، فتتكون خلايا الجسم من نوعين: أحدهما يجدد نفسه باستمرار، وهو ما يعرف germ cells، والنوع الآخر لا يتجدد ويصاحب الإنسان منذ مولده حتى وفاته ويعرف soma. ويتركز هذا النوع الأخير في خلايا المخ والقلب والكلية، أما باقي خلايا الجسم فهي تموت وتتجدد باستمرار. ومعنى ذلك أن الإنسان — في أثناء حياته — يجدد معظم خلايا جسمه كل ثلاث أو أربع سنوات، ليصبح كائنًا جديدًا بخلايا جديدة، ولكنها وريثة الخلايا القديمة وتحمل خصائصها؛ فالإنسان يكاد يتجدد كل ثلاث أو أربع سنوات بخلايا جديدة، والشيء الوحيد الذي يضمن استمراريته هو أن الخلايا الجديدة ترث خصائص الخلايا القديمة، فضلًا عن أن المخ والذاكرة يحتفظان بكل الذكريات الواعية وغير الواعية؛ مما يعطي الانطباع بالاستمرار وعدم التغيير. وهكذا فرغم أن معظم الخلايا في جسد الإنسان تموت وتتجدد دوريًّا ويستبدل بها خلايا جديدة بنفس الجينات، فإن موت هذه الخلايا لا يعني نهاية الإنسان، بل إن حياته مستمرة مع هذه الخلايا المتجددة، ثم تنتقل جيناته بعد ذلك بالوراثة من جيل لآخر. «الحياة» هي أقوى الأشياء على الأرض وأكثرها قدرة على الصمود والبقاء والاستمرار.

ولذلك يمكن أن نقول إن «الحياة» لا تنتهي مع «الموت»؛ فالموت يصيب الأفراد وأجسادهم، ولكن «الحياة» تستمر من خلال استمرار «الجينات» بالوراثة، فالإنسان يموت، ولكن «الحياة» تستمر مع نسله، وهؤلاء هم استمرار لحياته وحياة والديه وأجداده وأسلافه. «فالحياة» مستمرة برغم الموت، بل إن الموت نفسه عنصر لدعم «الحياة» وتقويتها؛ فبالموت نتخلص من الأجساد البالية والعتيقة ليحل محلها الجديد والشاب الذي يحمل نفس «الجينات»، وهو ليس جديدًا تمامًا، وإن جاء بحلة جديدة وجسد شاب. وبهذا الإحلال يكون «الجديد» أكثر قدرة على الإبداع والتعايش والتطور. وهكذا ظهرت الشيخوخة لأن هناك حاجة متجددة إلى شباب جديد؛ فالتكاثر ليس نزوة لمجرد تحقيق الزيادة العددية، وإنما هدفه إحلال الجديد محل القديم، والذي ليس جديدًا بالكامل بقدر ما هو استمرار للقديم بجميع خصائصه، وإن كان بشكل أكثر تنوعًا وانفتاحًا. فالموت نوع من «العَمْرة» أو الترميم «للجينات»، وبالتالي «للحياة» بإعادة الشباب لها لتجديدها بخلايا جديدة ونظيفة مع استمرار نفس «الجينات» الموروثة. وبغير الموت لن يكون هناك جديد وتجديد، وتصبح الحياة مملة ورتيبة وغالبًا كئيبة. كما أنه بغير الشيخوخة لن يكون هناك شباب، وبالتالي آمال وطموحات. الموت حماية «للحياة» ودعم لها بنبض جديد ومستمر. ألا ما أبدع حكمة الخالق في الحياة والموت! والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.