انظر للأمواج الهائجة تعلو وتهبط، وانظر للسماء وقد لبست رداءها الأسود، واسمع زمجرة البحر ترن في الفضاء كما يسمع المسافر في الصحراء زئير الليث وعواء الذئاب.

***

ونفسي الثائرة تنظر للكون من وراء ضباب الألم، وعيناي الغائرتان يلمع فيهما نور مخيف، كما يلمع برق اليأس في ليل الهموم، وتعلو شفتيَّ ابتسامة السخرية.

***

لا أبتسم لابتسام الربيع، ولا أبكي لدموع الشتاء، ولا تهزني نشوة الأمل، ولا تخيفني خاطرات اليأس، وما قلبي إلا قبر مظلم رقدت فيه عرائس الأماني تمر برءوسها الخاوية أحلام الماضي.

***

تسير الناس أمامي كأنها ألاعيب تتحرك، وا رحمتاه للناس! هم ضحايا تتزاحم أمام مقصلة الطمع؛ فهم والأنعام سواء، وأنا ما زلت واقفًا أمام البحر كالتَّمثال، غير أني أهتز من آوِنَةٍ إلى أخرى كلما لاح فوق الأمواج الغاضبة فجر الشباب.

***

اليوم يوم عصيب قامت فيه الرياح وقعدت، وهددت وصرخت، فلزمت الظِّبَاء الخدور تنظر من وراء السجف لثورة العناصر، وتسمع من خلف الجدران دَوِيَّ الرياح وقصف الرعود. ولكني أرى أمامي خيال من أهوى شاحب اللون، مسدل الشعور، مادًّا يديه الناحلتين يدعوني إلى قرار البحر وهو يبتسم ويرقص مع الأمواج.

***

علام أنا مُحجِم عن لقائه ولا يبعدني عنه غير شاطئ البحر؟ علام لا يدفعني إليه الشوق القديم والنار المتأجِّجة بعد أن أسمعتني الأمواج ألحان الموتى، فطربت لها كما يطرب الغريب في منفاه لألحان وطنه، ترتلها العصافير على الأغصان عند الغروب؟!

حب البقاء! آه. ما زلت ممسكًا بتلابيبه وإن سكن اليأس قلبي وتملك عليَّ نفسي. حب البقاء! آه. هو علة الوجود، هو اللذة التي لأجلها تنبض القلوب. حب للبقاء! آه. لأجله نتألم، ولأجله نشقى، ولأجله لا نترك الحياة إلا مرغمين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.