لاحظ بعضُ النُّقَّاد الرياضيين أن لاعب الكرة المصري يفوق غيره في براعة اللعب، ولكن الفِرَق المصرية تنهزم أحيانًا أمام الفرق التي لا تساويها في براعتها؛ لأن اللاعب المصري يحبُّ الانفرادَ بالإصابة ولفتَ الأنظار ولا يلعب متعاونًا مع زملائه.

ملاحظة يمكن أن تقال عن كل ميدان من ميادين الحياة المصرية، ولا يقصرها الناقد على ميادين الألعاب.

وأولها ميدان البيع والشراء، أو ميدان التسعيرة الذي يكثر عليه الكلام في هذه الأيام.

كل شارٍ يحسب أنه هو الشاري الوحيد أو يقول لنفسه: ماذا تُجْدِي المحافظة على التسعيرة من فرد واحد إذا كان الآخرون جميعًا يخالفونها ولا يحافظون عليها؟

وسيفشل بيننا كلُّ عملٍ اجتماعي ما دام كلٌّ منا يقول لنفسه هذه الكلمة، وسينجح بيننا كل عمل اجتماعي إذا نسيناها كلَّ النسيان، وتذكرنا شيئًا واحدًا وهو: أن نعمل ما يجب عمله، ولا نسألَ أنفسَنا عن عمل الآخرين؛ لأنهم هم المسئولون عنه منفردين أو مجتمعين.

منذ سنوات كنت مع صديقي الجيلاوي نشتري فاكهة من مكان بجوار ديوان البريد، فزاد البائع على سعر الأقة قرشًا وأصرَّ على هذه الزيادة، وكان الجو قائظًا والمشي عسيرًا في وهج الظهيرة، فقلت لصديقي: نركب عربة إلى ميدان سليمان باشا؛ فإن هذا الصنف يُبَاع هناك بسعره المقدور.

قال: وأجرة العربة … ألا تساوي أضعافَ الفرقِ المطلوب؟

قلت: ولكن أجرةَ العربة ثمنُ المحافظة على السعر، وليست ثمنًا للفاكهة يدخل في جيب المخالفين المغالِين للأسعار.

ولستُ أذكرُ هذه القصةَ فخرًا؛ لأنني — بحمد الله — غني عنه، وإنما أذكرها لأقول: إنني أعتبر نفسي وأعتبر كلَّ مصري مسئولًا عن التسعيرة قبل الشرطي وقبل مفتِّشي التموين؛ لأنهما يؤدِّيَان وظيفةً ولا يصابان بالخسارة إلا إذا دخلا في عِداد الشُّراة. وأما الشاري فهو الذي يصاب بيديه من كل مخالفة يشترك فيها، وليس أيْسَر عليه من اجتناب هذه المخالفة، ولو استغنى عن السلعة المطلوبة يومًا أو بضعة أيام؛ فإن ضررَ الاستغناء عنها أهونُ من ضرر الاستغلال الذي ينطلق من عقاله غير مكبوح بيد القانون ولا بيد «المجني عليه».

اشتراكية التأليف

لما أراد الدكتور شبلي شميل أن يُعِيدَ طبعَ مجموعته لم يقدرْ على تكاليفها، ولم تتيسَّرْ له تلك التكاليفُ إلا بمعونة من محبِّي الثقافة ومحبِّيه.

وقد نشر الرجل أسماءَ المتبرعين مع الفهرست في ختام الجزء الأول، وقدَّرَ ثمنَ الكتاب جنيهًا مصريًّا للجزأين.

وكتبتُ له يومئذ أقول له ما معناه: «إنك اشتراكي غريب؛ لأنك تستكثر على الأغنياء احتكارَ المال، وتريد في الوقت نفسه أن يحتكروا المعرفة … إذ مَن يشتري كتابًا واحدًا بجنيه إن لم يكن من الأغنياء؟»

وبادر الدكتور فأعلن في الصحف أنه خصص مائة نسخة من الكتاب بغير ثمن للسابقين إلى طلبه من الأدباء، وجاءتني في البريد نسخة من الجزء الأول ثم نسخة من الجزء الثاني، عند ظهوره بعد شهور.

كتبت هذه القصة مرة، فاطلع عليها مئات المرات من القراء، ولكني لا أدري لماذا يقرءون ما كتبته عن الكتب التي تطلب مني ولا أستطيع إرسالها لأنها ليست من حقي، بل من حق الناشرين؟

وكثيرون يذكِّرونني بقصتي مع الدكتور شبلي شميل وينسون الفارق في القياس؛ فقد كان الدكتور شبلي شميل يملك جميعَ النسخ التي طبعت من كتابه بمعونة المتبرِّعين.

أما الكتب التي أؤلِّفها، فالناشرون هم الذين يطبعونها بأموالهم، وهم أصحاب الحقِّ في توزيعها أو إهدائها لمن يختارونه، وقلَّمَا يستطيعون إهداء الكتب لغير القليل جدًّا من نخبة «العملاء».

معذرة إلى القارئ الأديب الذي جاء في خطابه اليوم يذكِّرني بقصتي مع الدكتور شبلي شميل؛ فإنني لو ملكتُ نُسَخًا من كتابي كالنسخ التي ملكها الدكتور من كتابه لصنعتُ مثل صنيعه وزدتُ عليه.

العنب الدليشي …

هل سمعت أيها القارئ «بالعنب الدليشي» يباع في الطريق.

لا أظنك سمعت به؛ لأنه لم يوجد، ولم أسمع أحدًا ينادي عليه قبل هذا النداء الذي سمعته اليوم.

وأحسب أن بائع «العنب الدليشي» كان يبيع «التفَّاح الدليشي»، ثم تحوَّل عنه إلى بيع العنب، فأعطاه هذه المزية التي كانت صالحة عنده لترويج التفاح وغيره … ولو تحوَّل منه إلى بيع القماش أو الصيني أو «الخردوات».

أترانا نضحك من تفنُّن هذا البائع اللبيب؟

نعم، ولكن بشرط يسير، وهو شرط السيد المسيح حين قال لجمهرة المنافقين المطالبين بعقاب المرأة الخاطئة: من لم يخطئ منكم فليرمها بحجر.

فلنضحك نحن — إذن — من ذلك البائع إن كنا لم نخطئ مثلَ خطئه، ولكننا جميعًا نخطئ ذلك الخطأ في أشيع الكلمات.

من منا لا يقول الأسطوانة ويعني قرص الجرامفون؟ ومن منا لا يقول «الحرامي القراري» وهو يعني الحرامي البارع في السرقة؟

أما الصواب في هذه الكلمة، فقد عرفه أجدادنا قبل بضعةِ قرون، وقد عرفوه لأنهم قسموا الفلاحين في القرية إلى فلاح «قراري» وفلاح «فراري» … وقصدوا بالفلاح «القراري» أنه المتشرد الذي يدور بين القرى ليبحث عن العمل في مواسم الزراعة، ثم يفارق مكانَه ولا يستقرُّ على قرار.

كانت كلمة «القراري» صفة للفلاح العامل الأصيل، العارف بصناعته، المثابر عليها في موطنه وموطن أبيه وجده، فما زالت حتى أصبحت مع الزمن صفة لمن لا يعمل ولا يستقرُّ على عمل شريف.

إن صاحبنا بائع «العنب الدليشي» لَيستطيع أن يمضي في طريقه دون أن يُصِيبَه حجر واحد؛ لأن الأرض لا تحتوي من الحجارة الملقاة عليها حجرًا واحدًا يرميه به من لم يخطئ مثلَ خطئه في كلمات تُعَدُّ بالعشرات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.