يصف ديفيد جلومبيا — صاحب كتاب «المنطق الثقافي للحوسبة» — كيف أن النقاء الظاهري للمذهب المادي لدى مؤيدي التفرد التكنولوجي يخفي رؤية ثنائية للعقل والجسم كانت لتجعل ديكارت فخورًا. ويقول جلومبيا في هذا الصدد:

إنه مذهب ديكارتي مطلق غير قائم على سند علمي يؤمن به مؤيدو التفرد التكنولوجي؛ فهم يعتقدون بأن العقل شيء مميز، يختلف عن الجسم، هذا رغم التزامهم الصريح الواضح بمفهوم مادي وعلمي خالص للعالم.

إن فكرة الديكارتية الجديدة عن العقل تسبق ظهور مؤيدي التفرد التكنولوجي بالطبع. وهي تتلخص في رؤية العقل باعتباره آلة حاسبة يمكن فصل منطقها وبياناتها عن شكلها المادي. وقد عبَّر عالِم الحاسبات داني هيليس عن هذه الرؤية — بكلمات قوية — في عام ١٩٩٢ في مقابلة مع مجلة «ذا هول إرث ريفيو»، فقال عن البشر:

نحن نتكون من جانبين مختلفين اختلافًا جوهريًّا بينهما علاقة تكافلية؛ فيوجد لدينا الجانب الأيضي؛ ويتمثل في القردة التي تتجول هنا وهناك، والجانب الذكي؛ وهو مجموعة الأفكار والثقافة التي نحملها. وقد تطور هذان الجانبان معًا لأنهما قد ساعدا بعضهما، إلا أنهما مختلفان في الأساس. والأمر المهم لدينا — وهو الجانب الجيد في البشر — هو جانب الأفكار، وليس الجانب الحيواني.

يتكون البشر من جانب يمكن تمثيله بأرقام وجانب لا يمكن تمثيله؛ المنطق (أو العقل) من ناحية، وآلية الأيض (أو الجسم) من ناحية أخرى، وهذان الجانبان يختلفان جوهريًّا وجذريًّا عن بعضهما؛ فالعقل لا يعتمد بشكل معين على الجسم، على الأقل ليس أكثر من اعتماد البرنامج على جهاز الكمبيوتر الذي يعمل عليه.

والمدهش بشأن وجهة نظر الديكارتية الجديدة — أو الثنائية الرقمية — هو كيف تدمج في براعةٍ كلًّا من المذهب الإنساني المتطرف مع الكراهية الشديدة للجنس البشري. وبما أن الجانب «الجيد» فينا ليس «الجانب الحيواني»، فإننا نحتل مركزًا أعلى من جميع الحيوانات الأخرى التي نتشارك معها في الأرض، فهي فقط «القردة التي تتجول هنا وهناك». إن شعورنا هذا بالتميز المتفرد مصحوب بكراهية شديدة للجسم البشري مبعثها كراهية البشر، وهو الشعور الذي — من خلال ربطنا بالحيوانات — يمنعنا من تحقيق المصير الخالد للذكاء الخالص. فيقول هيليس: «إذا كنت أستطيع الدخول في جسم جديد والحياة لمدة ١٠ آلاف سنة، لفعلت ذلك على الفور.» ومن الواضح أن هذه الرؤية قريبة للغاية من مفاهيم دينية معينة عن الجسد والروح، لكن ما تفتقر إليه هو عدم وجود أية محاولة لكبح جماح الغطرسة.

في نقد جلومبيا لثنائية التفرد التكنولوجي، يعقد مقارنة مفيدة بين «الذكاء» و«العقل»:

إن استخدام مصطلح «الذكاء» في مجالات الذكاء الاصطناعي/العلوم المعرفية بوصفه له حدود مشتركة مع «العقل»؛ كان دائمًا أمرًا مضللًا؛ «فمشكلات الذكاء الاصطناعي لم تكن قط عن الذكاء»، فمن الواضح أن الآلات قد أصبحت «أكثر» ذكاءً منا بكثير، هذا إذا عرَّفنا «الذكاء» بالطرق المعتادة على أنه القدرة على إجراء العمليات الحسابية أو الوصول إلى معلومات معينة، أو معالجة بُنًى منطقية معقدة. إلا أنها «لا تملك عقولًا» — أو على الأقل عقولًا بشرية، أو أي شيء شبيه بها. ونحن حتى لا نمتلك تعريفًا جيدًا وشاملًا لماهية «العقل»، هذا رغم وجود تعريفات تقريبية جيدة في كل من الفلسفة وبعض أشكال الفكر البوذي. فرغم إصرار مؤيدي التفرد التكنولوجي، نحن لا نعلم يقينًا كيف نصف «العقل» خارج/على نحو منفصل عن أجسامنا.

ولهذا يكون الفشل مقدرًا في نهاية الأمر لبرنامج التفرد التكنولوجي؛ فالعقل هو القرد الذي يتجول هنا وهناك تمامًا بقدر كونه «الذكاء» الذي يمكن فصله ومعالجته بالأرقام. لكن كان في هذا قدر من السلوى لجلومبيا؛ لأنه رأى احتمال وجود كم هائل من الدمار في السعي الحر وراء تحقيق هدف مؤيدي التفرد التكنولوجي المشوه الإنساني/الكاره للإنسان، حتى وإن كان هذا الهدف لا يتحقق أبدًا.

العديد من أكثر خبراء التكنولوجيا تفوقًا داخل الشركات الأمريكية الكبرى يعتنقون لسبب ما هذا المبدأ (الثنائي) غير العلمي، ويسعون وراء التقدم التكنولوجي الجامح وأتمتة كل شيء لأنهم «يعلمون» (على خطى كرزويل) أن هذا يؤدي إلى السمو. هذا بدلًا من تصديق الدليل الذي يرونه بأعينهم، وهو أن هذا يؤدي إلى مكان مظلم بالفعل، خاصةً عندما نرفض دون إرادة منا — كما يفعل جميع مستخدمي جوجل تقريبًا — أن يقرر أي شخص آخر عدا خبراء التكنولوجيا أين تُطبق التكنولوجيا.

سواء تحققت أسوأ مخاوف جلومبيا أم لا، فإنه يطرح سؤالًا مؤرقًّا: ما معنى أن يمنح مجتمع ما دون تفكير السلطة لمن يرون أن الجسد البشري عائق للسمو ويعتقدون أن الأمر الجيد فينا كبشر هو ما يمكن لأجهزة الكمبيوتر الجامدة استنساخه؟

The Other Digital Dualism by Nicholas Carr. Rough Type. March 3, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.