أجل سأكتب …

أمامي صحائفي البيضاء، وبيدي قلمي، وخواطر تجول في رأسي، ونفسي تحنُّ للنقد، للنقد الصريح الذي تشوبه شوائب الغايات، ولقد رأيت بالأمس رواية «ريشليو» تأليف: اللورد ليتون، وتعريب: صديقي الكاتب الفاضل والشاعر القادر إبراهيم أفندي رمزي، واليوم أكتب هذا المقال عنها، فإن أصبت أكون قد بلغت أمنيتي، وإن أخطأت فلست أول من أخطأ. ولماذا أبدأ بريشليو وقد افتتح جورج برواية «هملت» وكان من واجبي أن أبدأ بنقدها؟ أجل كان ذلك من واجبي، وما قصَّرت في ذلك الواجب، كتبت شيئًا عن هملت، ثم قابلني صديقي حامد أفندي الصعيدي، وأخبرني أنه سينتقد جميع الروايات التي ستخرجها الأجواق في هذا العام على مسرح الأوبرا، فاكتفيت بما كتب، ومزقت ما كتبت، ثم قابلته مرة أخرى منذ يومين ورأيته قد عزم على ألا يخوض غمار النقد، فقمت إلى عملي القديم، واليوم أبدأ بنقد ريشليو.

الرواية

الرواية درام رومانتيك، محورها تلك المؤامرة الكبيرة التي دبرها الدوق دورليان والكونت براداس لخلع لويس الثالث عشر والاستئثار بالحكم بعده، والتي كادوا أن ينالوا بها غايتهم لولا دهاء ريشليو وحكمته.

أول ما يتبادر للذهن بعد رؤية الرواية هو نجاح المؤلف في بنائها؛ فقد صَبَّ الحوادث في قالب تمثيلي محكم دون أن يتغالى فيما يجنح إليه الكتاب الرومانتيك من المفاجآت المدهشة والحوادث الهائلة التي تؤثر على النفس ولا يرضى بها العقل، انظر مثلًا لروايات ديماس الكبير تجدها لا تحتوي إلا على مفاجآت يتغالى فيها المؤلف، فيحيد عن تحليل أخلاق أشخاص روايته، ويخرج للناس رواية عمادها الفظاعة والقتل وطلقات الرصاص وصليل السيوف والخناجر، أنا لا أقول: إن اللورد ليتون لم يفعل ذلك في روايته. ولكني أقول: إنه لم يجنح إلى المغالاة فيما فعل شأن كل كاتب روائي من مذهب الرومانتيك. ولهذا كاد أن ينجح في تحليل أخلاق أشخاص روايته، فأخرج لنا أشخاصًا تقرب من الحقيقة، وهذا كثير من كاتب رومانتيك. قلنا: إن الرواية صُبَّت في قالب تمثيلي محكم، وفاتنا أن نقول: إن الفصل الذي يتبارز فيه «موبرا» أمام قصر الملك مع براداس هو أقل الفصول إحكامًا، ولكنه لم ينقص من قيمة الرواية في نظر الجمهور.

التمثيل

جورج أبيض

الكردينال ريشليو هو داهية أوروبا في القرن السابع عشر، ولد عام ١٣٨٥، وتوفي عام ١٦٤٢، أي إنه عاش سبعًا وخمسين سنة، ولكنه كان ضئيل الجسم ضعيف القوى أبيض الشعر، لا يجرؤ على حمل السيف في يده، والرجل الذي يقضي حياته كالتي قضاها ريشليو تحفُّها الدسائس والمكائد وتسيل فيها الدماء لا يكون إلا على هذه الصورة، وقد نطق ممثلنا الكبير جورج أبيض وهو على المسرح يمثل دور ريشليو بجمل كثيرة تصور للناس صورة الضعف الجسماني في شخص ريشليو، ورأيناه يحمل السيف الكبير في يده فيسقط منها على الأرض، ويتأسف ريشليو على شبابه الناضر، فريشليو عاش سبعًا وخمسين سنة، ولكنه عاش في الحقيقة مائة وبضع سنين، مثَّل جورج أبيض الدور، وفعل ما يفعله ممثل له جسمُ أبيضَ وصوته، ولقد أجهد جورج نفسه إجهادًا كبيرًا، وأخرج الدور ناضجًا، فكان فيه كما في تريبوليه، ولكنه لم ينجح النجاح التام في إظهار الضعف في الجسم والصوت، ولو أتينا بسيليفان ذي الصوت الكبير والجسم الضخم لتمثيل الدور لما فعل أكثر مما فعله أبيض، فالدور يوافق طبيعة أبيض، ولكنه لا يوافق جسمه، فليس لنا إلا أن نقول بعد أن نلتمس لجورج عذرًا كبيرًا لضخامة جسمه: إنه قام بالدور خير قيام، ولكنه لم يحفظ دوره بعدُ، وهذا عيب كبير كنا نودُّ أن يتنحى عنه أبيض بعد أن رأى جميع أفراد فرقته يحفظون أدوراهم عن ظهر قلب، ورأينا أبيض يلقي جمله الساحرة ثم يقف ليسمع الملقن، فكانت تضيع تلك الجمل، وكم من مرة تململ الجمهور لذلك؛ لهذا نلفت نظر جورج، ونودُّ أن يكون في المرة الثالثة أكثر حفظًا لدوره.

عبد القدوس

مثَّل عبد القدوس أدوارًا عدة نبغ فيها، وكان في دور «سلامون» أكثر نبوغًا، رأيته يمثل هذا الدور فخُيِّل لي أني أرى ممثلًا إفرنسيًّا ينطق باللغة العربية على مسرح مصر، أي إنه بلغ في دور «سلامون» الغاية القصوى، ثم رأيته بالأمس يمثل دور «يوسف»، فلم أدرِ في أي الدورين كان عبد القدوس أكثر نبوغًا، لقد درس عبد القدوس دوره درسًا دقيقًا، وأخرجه على المسرح ناضجًا لا ينقصه شيء، فكانت إشاراته توافق كلامه، وما أجمله في نهاية الفصل الثاني بعد أن يَعِدَهُ ريشليو برتبة أسقف! ولم ينجح عبد القدوس في تمثيل دوره فقط، بل نجح أيضًا في صبغ وجهه واختيار ملابس دوره، وليس لي في هذا الموقف إلا أن أهنئه من صميم قلبي، وأضمه إلى صدري ضمة الصديق الذي يود لصديقه الفني نجاحًا، ويكفي عبد القدوس أن أقول له: «أنت في دور يوسف لا تشوبك شائبة.»

زكي طليمات

مثل زكي طليمات دور الفتى الأول «موبرا»، وكان فيه كما كان في «نيمور»، أي إنه نجح نجاحًا كبيرًا بل وبلغ الغاية القصوى، فإن كان لزكي طليمات مأثرة فنية كبيرة يتغنى بها فهي تتجلى في دور «نيمور» و«موبرا»، رأيناه في «موبرا» جميلًا حتى في المواقف الصغيرة التي يقف فيها ساكتًا لا يتكلم، وقد بلغ في الساعة التي يَهُمُّ فيها مع براداس للانتقام من ريشليو ما لم يبلغه ممثل آخر تصدى لتمثيل أدوار الانتقام، ولزكي ميزات طبيعية لا أجدها في ممثل آخر: أولها: ميزة صوته القادر، وإن كنت أعيب عليه أحيانًا الطبقة التي يظهر منها الحنو والحب، ولكني أبشره بزوال هذا العيب بعدما رأيته منه في دور «موبرا». وثانيها: حركات وجهه التي ترتسم عليه جميع الصور النفسانية في أجلى معانيها، ترى على وجهه صورة الغضب جلية إذا غضب، وصورة الحزن واضحة إذا اعترته الكآبة، وصورة الانتقام رهيبة إذا قام للأخذ بالثأر. أهنئ صديقي الممثل القادر، وأضمه لصدري كما أضم صديقه عبد القدوس.

بشارة يواكيم

رأيت بشارة لأول مرة في رواية «دزرائيلي» على مسرح الهمبرا في الإسكندرية، ثم رأيته للمرة الثانية في رواية «هملت» على مسرح الأوبرا هذا العام، فأدهشني تقدمه السريع، ورأيته ليلة أمس يمثل دور «لويس الثالث عشر» فكذبت نفسي، وقلت: «ليس هذا بشارة الذي يمثل دور الملك»، ثم تحققت منه وكدت أن أجن فرحًا بنجاح هذا الشاب. أول شيء أعجبني من بشارة: فهمه دوره جيدًا. وثاني شيء أعجبني منه: تلك الرقة وذلك الضعف الذي بدا منه وهو يمثل دور لويس ذي العواطف الرقيقة والإرادة الضعيفة. وثالث شيء أعجبني منه: إشاراته وحركاته التي كانت توافق الجمل التي نطق بها على المسرح. ولو قيض الله للويس الثالث عشر أن يقوم من قبره ويأتي للأوبرا المصرية ليرى رواية ريشليو، لصاح بملء فيه عند ظهور بشارة: «أنا أنت، وأنت أنا.» لقد أتقن بشارة دوره حتى ظننت بالأمس أني في حضرة لويس الثالث عشر، أهنئ الشاب المُجِدَّ والممثل القادر من صميم قلبي، وأضمه لصدري، وإن كنت لم أتشرف بعدُ بمعرفته، ولكن الفن يربط الرجل بالرجل قبل أن يتعارفا.

عبد العزيز خليل

مثل عبد العزيز خليل دور «براداس» وأتقنه، ولكنه لم يبلغ فيه الغاية القصوى، فلم يظهر لنا بمظهر الماكر المخادع، كما أنه بدت لنا من تمثيله مسحة مصرية يجنح إليها عبد العزيز إذا مثل الأدوار الإفرنكية، كما أن وجهه لم يعبر لنا كثيرًا عن مكنونات صدر الكونت براداس، ولكنه لم يسقط في تمثيل دوره، ولم يحطمه تحطيمًا، ونأمل أن نراه في المرة الثالثة أكثر إتقانًا وحفظًا لدوره.

إسكندر كفوري ومنسي فهمي

عجيب أن يظل الممثل مدة طويلة على المسرح وهو خامل الذكر، ثم تظهر قدرته فجأة في دور من الأدوار … هذا شأن إسكندر كفوري، لقد مكث مدة طويلة وهو خامل الذكر، ثم مثل بالأمس دوره الصغير في رواية ريشليو، ونجح فيه نجاحًا كبيرًا، وما السر في ذلك إلا إقدامه على تمثيل الأدوار التي توافقه، فلما مثل الدور الذي يوافق طبيعته نجح تمامًا، أهنئ إسكندر أفندي كفوري، وأرجو ألا يقْدم فيما بعد إلا على الأدوار التي توافق طبيعته. ومثَّل منسي فهمي دور «هوجو»، فكان فيه كما كان في «تريستان»، أي إنه نجح فيه نجاحًا عظيمًا، وإني أهنئه على ذلك.

بقية أفراد الفرقة

وأتقن عباس أفندي فارس تمثيل دوره، وأتقنت السيدة سارينا دور «جولي»، ولكنها ما زالت تقلد أصحاب المذهب القديم في النطق، تراها إذا صرخت مستغيثة باكية تجنح كثيرًا للمشي على آثار المذهب القديم، فتقول مثلًا هذه الجملة: «إنه يحبك كثيرًا» هكذا: «انه يحبك كثيرا»، وهذا عيب نود أن تتلافاه تلك الممثلة القادرة التي تصلح كثيرًا لتمثيل أدوار العواطف والحنان. أما السيدة ماري كافوري فقد أتقنت دورها أيضًا، ولكنها لم تبلغ فيه شأوًا كبيرًا.

النتيجة

أعدَّ جورج أفندي أبيض لروايته الملابس والمناظر الجميلة، وأتقن أغلب أفراد الفرقة أدوارهم إتقانًا يرجع بنا إلى عهد تمثيل لويس الحادي عشر للمرة الأولى على مسرح الأوبرا، وجاءت الرواية طبق ميول جمهورنا، وعرَّبها المعرب بأسلوب من نوع السهل الممتنع، ورمزي أفندي خير من يكتب في هذا الباب، فكان كل ذلك سببًا في أن نقول: «إن رواية ريشليو نجحت نجاحًا عظيمًا، وستعيش على مسارحنا دهرًا طويلًا.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.