أهدى شاب إلى أناتول فرانس كتابًا ألفه، وتوسل إلى كاتب فرنسا العظيم أن يقرأه، ويبدي له فيه رأيه، وانقضت أيام وأسابيع تردد خلالها الشاب يسأل فرانس رأيه في الكتاب، فلما كثر تردده وإلحاحه قال له فرانس: يا بني، في مثل سني لا يقرأ الإنسان جديدًا، وإنما يعيد تلاوة ما قرأ من قبل.

وأحسب الأمر لا يقف عند الكتب وقراءتها، وعود الإنسان إلى ما استراح له من قبل منها، بل هو يتناول الآراء والأفكار والصور التي تحيط بالإنسان منذ نشأته. فهو يتخطاها واحدة فواحدة، وهو يعتقد في كثير من الأحيان أنه قد خلفها إلى غير رجعة إليها، لكنه ما يلبث، كلما تقدمت به السن وكلما ازداد معرفة بالحياة وما في الحياة أن يعود إليها؛ ليمتحنها، وليرى مبلغ ما كان فيها من خير وفضل، وليحاول أن يبعث منها ما يعتقده قويًّا على الحياة صالحًا لها.

وهذا شعوري أنا اليوم. فقد تقلبت في الحياة منذ الطفولة إلى هذه الساعة التي أكتب فيها، في صور وألوان من الحياة، وتعلقت فيها بآراء وأفكار، ثم أنكرت تلك الصور والألوان، وطرحت تلك الآراء والأفكار، وأنكرت منها ما كنت أعرف، واستبدلت بها غيرها ثم غيرها، وها أنا اليوم أستعيد صورة الحياة أيام طفولتي، وأسائل نفسي إذا لم تكن أدعى لسعادة الناس من صورة الحياة التي يحيون اليوم، وإذا لم يكن من الخير أن نعمل لإعادة هذه الصورة، لا كما كانت فذلك غير ميسور، ولكن في الحدود التي ترضاها قوى الحياة في هذا الزمن الحاضر الذي انتقلنا وانتقلت الحياة إليه.

والروح التي كانت تحرك تلك الصورة تتلخص في كلمتين اثنتين: الحياة محبة، محبة شاملة لكل ما في الحياة ولإخواننا بني الإنسان جميعًا أولًا. محبة لا يغض منها التنافس، ولا يعدو عليها بقاء الأصلح، ولا تعرف استغلال القوي للضعيف. محبة صادقة تعطر جو الحياة كله، وتجعل الناس يتحركون فيه على أنه الهواء الذي يتنفسون، والنور الذي به يهتدون … ماذا؟ لست أريد أن أبدأ بشرح فكرتي، وإنما أريد رسم صورة الحياة كما كانت في دار طفولتي لأصور الفكرة كما تدور بخاطري.

فقد كان جدي عمدة البلدة، وكان يناهز السبعين حين ولدت، ولشيخوخته هذه — على ما أظن — تواضع أهل القرية فأطلقوا عليه لقب شيخ البلد، وكان رجلًا مثلًا في التقوى والورع، ولأنه كان أكبر إخوته فقد كان هو الذي يدير أملاك الأسرة كلها، وكانوا جميعًا كما كان أبناؤهم مقيمون وإياه بدار واحدة أطلق الناس عليها «الدار الكبيرة» لأنها كانت كبيرة بالفعل. كان بابها الواسع حتى ليدخل منه جمل بحمله يفتح على دهليز يؤدي إلى فناء رحب هو وسط الدار، ومن حول هذا الفناء كانت تقوم غرف فوقها غرف يختص بطائفة منها كل رجل وزوجه وأبناؤه، وكان قطَّان هذه الدار من أهلنا يزيدون على المائة عدًّا، وكانت لهم بها طاحون لا تهدأ الليل ولا النهار، وأفران لتحميص الحب، وأخرى لخبز العيش اختص بالعمل فيها بعض نساء الدار سواء من أهلها أو من أتباعهم، يقمن قبيل الفجر، ويعملن تلك في تجهيز الحب للطحن، وتلك لنخله بعد طحنه، والأخريات للخبز، وذلك كله في حركة متصلة قد تستمر أحيانًا إلى ضحوة النهار، وأحيانًا أخرى إلى ما بعد الظهر، وفي جانب من هذه الدار الكبيرة تقوم زريبة لأبقار اللبن وجواميسه تحلب في المساء، وفي الصباح قبل أن تذهب إلى المزارع، ويعمل من ألبانها الجبن والسمن، وعلى مقربة من الدار الكبيرة كان يقوم دوار المواشي به مرابط الثيران وإصطبلات الخيل، ويلاصق هذه الدار مَناخ الجِمال، وهذه المواشي والخيل والجِمال كانت تعمل في أراضي الأسرة كلها لا فرق بين ما هو مملوك لجدي ولغيره من أهله وذويه؛ لأنه كما قدمت كان أبًا للأسرة جميعًا فكانت كلمته في الأسرة هي العليا، وكان له في قلوب إخوته وأبنائه وأبناء إخوته كل إجلال وإكبار.

وكنا نحن الصغار نتناول الطعام في الدار. أما جدي فكان يتناول طعامه في المضيفة القائمة إلى مقربة من الدار الكبيرة ومن باقي مباني العائلة، ولم يكن قط يتناول طعامه من غير أن يحيط به من أهل البلد ومن الضيوف عدد غير قليل، ومن هؤلاء أناس من أهل القرية عضتهم الحاجة فلاذوا بشيخ البلد يقضون أكثر وقتهم إلى مقربة منه ويتناولون الطعام وإياه، ومنهم عدد غير قليل من أهله. أما الدار الكبيرة فلم يكن يقتصر تناول الطعام فيها على أهل الأسرة، بل كان التملية الذين يشتغلون في المزارع يتناولون فيها طعام العشاء بعد عودتهم من عملهم، كما كانوا يفطرون قبل ذهابهم لعملهم اليومي. أما الغداء فكانوا يتناولونه في المزارع، وهؤلاء التملية كانوا يجلسون كتفًا إلى كتف مع أبناء العائلة الذين يعملون وإياهم في المزارع، ويشعرون جميعًا كأنهم أسرة واحدة هذه الدار دارها وهذا الخير الذي ينالونه جميعًا خيرها المشترك بينهم جميعًا.

فإذا جاءت المواسم وآن لشيخ البلد أن يحضر الكسوة، جيء بها إلى هؤلاء جميعًا، إلى التملية وإلى أبناء العائلة، ولن أنسى كيف كانت إحدى سيدات العائلة توزع الثياب على هؤلاء الناس من هذا المجتمع، تعطي الواحدة كسوتها وكسوة زوجها وأبنائها، والتملية وأبناء العائلة في ذلك سواء لا امتياز إلا لبعض الكبراء ممن تقدمت بهم السن ومن أصبحوا بحاجة إلى زي خاص يتفق مع سنهم ومقتضيات هذه السن من مبالغة في الورع والتقوى.

هذه صورة موجزة سطحية من الحياة في دار طفولتي، وقد ظلت هذه الصورة كما هي أو تكاد إلى ما بعد ذهابي إلى المدرسة الابتدائية بسنتين أو ثلاث، بدأت بعدها تتطور شيئًا فشيئًا، وها أنا أعود الآن فأستعرض هذه الصورة القديمة التي مضى عليها وعلى بدء تطورها ما يناهز الأربعين سنة، وأسائل نفسي إن كانت مصر قد أحسنت بالانتقال من هذا النوع من الحياة الاجتماعية إلى النوع السائد اليوم. فما أشك في أن هذه الصورة التي شهدت بدار طفولتي كانت السائدة الحاكمة منذ أكثر من ثلث قرن مضى في مصر جميعًا، وما أشك في أن أهل كل قرية كانوا في ذلك العهد كأهل قريتنا يتعاونون فيما بينهم، ويحب بعضهم بعضًا، ويدين شيوخهم بما كان يدين به جدي من كراهية الاستدانة، ومن اعتبار القرية وحدة يجب أن يسهر كبراؤها عليها لحمايتها مما يعتقدونه السوء والأذى، وأدت كراهية الاستدانة هذه بجدي إلى أن أحدًا من الأروام أو غيرهم من المرابين لم يستطع أن يجد له بالبلد عيشًا، وكان أحد أهل القرية إذا تأخر عليه لتاجر أو للحكومة مال دفعه عنه غيره، ونظرة إلى ميسرة، وكان إكرام الضيف بعض عوائد أهل القرية جميعًا حتى كانوا طوال شهر رمضان يخرج الواحد منهم طعام إفطاره أمام باب داره فإذا مر به ساعة الغروب فقير أو غريب دعاه لمشاركته في اللقمة التي أمامه، ودعاه عن نفس طيبة وقلب مطمئن كما يدعو الأخ أخاه والولي الحميم وليه الحميم.

ولم يكن ابن من أبناء العائلة أو أحد من التملية أو رجل من رجال القرية يجد إلى تذمر موضعًا. ذلك أنهم كانوا جميعًا يؤمنون بعدل شيخ البلد، وبأنه رجل يؤثر على نفسه ولو كانت به خصاصة، ويرعى الفقير والبائس والمحروم، ويرى الأقربين أولى بالمعروف، ويقوم بما يقوم به من ذلك كله كما يؤدي فرائض صلاته وصيامه وزكاته وحجه، مؤمنًا بأنه يؤدي لله حق الله عليه، ويقوم في ذلك بأداء واجب الشكر لله ليزيده الله من نعمته، وكان ما يضربه للناس من هذه المثل يدفعهم إلى احتذائها، ويجعلهم يحب أحدهم أخاه أو صاحبه، لا لأن واجبًا عليه أن يحبه، ولكنه يحبه كما يتنفس الهواء وكما يتناول الطعام في أوقات الطعام.

كانت الحياة محبة إذن بين أهل القرية في ذلك الزمن النائي القريب. ذلك الزمن الذي شهدنا نحن من لا نزال في صيف العمر لم نتخطه بعد إلى الخريف، أو لو تطورت حياة الجماعة المصرية في هذا الضرب، وبقيت هذه الحياة محبة تزداد كلما ازداد الناس معرفة للحياة واتصالًا بها، أفما كان ذلك خيرًا من هذه الحياة التي استعرنا من الغرب والقائمة على أساس من الأثرة والشحناء والتنافس والبغضاء؟ أوليس غريبًا أن يكون هذا الزمن الذي نفاخر به ونزعم أنَّا قطعنا في سبيله الخطى قد نأى بنا عن أدق أسرار الحياة — المحبة — ودفعنا إلى التفكير فيما يفكر أهل الغرب فيه من نضال الطوائف، وفي استئصال ما نظنه من إخواننا بني الإنسان غير صالح، وأدى بالكثيرين منا إلى أن يطرحوا جانبًا معاني الفضل والكرامة والشهامة والكرم والإيثار والمحبة؛ ليسلكوا إلى المجد الموهوم أدنى السبل إلى الجريمة وأبعدها عن الخير والحق والجميل؟ إنني أفكر اليوم في هذا وأشعر حقًّا بأننا قد ملنا عن الطريق، وضللنا الحجة، وأننا أصبحنا نتخذ المثل الأعلى في الحياة من حثالة أبناء الغرب الذين يفدون إلى شرقنا مزودين بظاهر زائف من علم، وفضل، وباطن حالك اللون من شراهة وافتراس.

أشعر بهذا، فهل يرجع هذا الشعور إلى تفكير غير مقيد بالذاتية ولا متصل بهذا الماضي الذي أتحدث عنه؟ أم أنه رجعة الضمير إلى منشئه الأول، وتأثره بالبيئة التي نجم فيها، والتعاليم التي تغذى أول أمره بها، وحرصه على استعادة صور هذه النشأة الأولى على نحو ما يفعل الأكثرون حين يبلغون سنًّا معينة فلا يقرءون جديدًا، وإنما يعيدون تلاوة ما قرءوا من قبل؟ هذا البحث نفسي جدير بالاعتبار جدارة اختلاف الناس في النظر إلى الحياة بخلاف نشأتهم، والتعاليم التي تلقوا أول حياتهم. كنت أتحدث إلى أحد معارفي الغربيين منذ أيام فذكرت له أن لا شيء أهون من كسب الوفير من المال على شريطة واحدة، ألا يشتد الإنسان في تقدير اعتبار الفضل، والنزاهة والكرامة، فكان جوابه: تلك اعتبارات علمها إيانا أشد الناس شرهًا للمال وحرصًا على اقتناصه لنكون أضعف منهم في ميدان المنافسة، وكان دليله على رأيه هذا أن القسس ورجال الدين ممن نصبوا أنفسهم في العصور الماضية لتعليم الزهد والإعراض عن الدنيا كانوا وما يزالون أوفر الناس ثروة وأشد للمال شرهًا، وهو لذلك يرى أن يعمل الإنسان للوصول إلى المال ما دام لا يقع تحت يد القانون؛ لأن المال قوة، ولأن الذين يعفُّون عن المال عجزًا منهم عن اكتنازه وادعاءً منهم أنها الفضيلة والنبل هما اللذان يحولان بينهم وبين الثراء، فهؤلاء يقعون في كثير من الأحيان تحت سلطان أرباب المال يستغلون تفكيرهم وضمائرهم بما يشاء سلطان المال.

وبينما يقول محدثي الغربي هذا الكلام تنشر الصحف أن هتلر زعيم ألمانيا اليوم إنما وصل إلى ما وصل إليه من قوة؛ لاحتقاره المال احتقارًا أدى به إلى التنازل عن مرتب المنصب الكبير الذي يشغله اكتفاء بما تدره عليه كتاباته، وهتلر يعتقد أن الإيمان الصادق بالفكر والدعوة إليها دعوة خالصة من شوائب الغرض الذاتي أقوى من المال، وأقوى من كل سلطان.

أفينكر هتلر وينكر أيضًا محدثي الأجنبي، فإن كلاهما متأثر بماضٍ قديم هو البيئة التي نشأ فيها؟ ليكن الجواب بالإثبات أو بالنفي فلن يغير ذلك من رأيي شيئًا في أن أعمق أسرار الحياة هي المحبة، وفي أن ما تقاسي الإنسانية اليوم من آلام يرجع إلى رغبتها عن معرفة هذا السر وعن السعادة به ظنًّا منها أن الإثراء والنعمة المادية يغنيان عن الإيثار والمحبة ورضى النفس، وهذا الظن إثم كله، وهو لذلك لا يمكن أن يعيش إلا ريثما تعود الإنسانية إلى إدراك سر الحياة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.