غدًا يتبين الرشد من الغي، وينسل النور من الظلام، ويعلم قوم أين يكون الحق، وأين يكون الباطل، وأين يكون الذين يعللون أنفسهم بالآمال والأماني، وأين الذين لا يقولون إلا عن ثقة، ولا يعملون إلا عن يقين.

غدًا يتبين أنصار الوزارة القائمة أنها إن كانت الآن شيئًا، أو إن لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، فستصبح في يوم من الأيام وهي حديث من الأحاديث، وخبر من الأخبار، وذكرى من الذكريات.

في مثل هذه الأيام من العام الماضي كان صدقي باشا في باريس يصطاف ويستريح، وينشر في الجو أحاديث تدل على القوة التي لا حد لها، كما تدل على الضعف الذي لا حد له، تدل بالضبط على الاضطراب، وفقد الصواب، وضياع الاتزان السياسي الذي يجب أن يتمتع به رؤساء الوزارات.

كان يتحدث إلى هؤلاء بأنه عائد إلى مصر، وقد يرفع استقالته، وكان يتحدث إلى أولئك بأنه عائد إلى مصر وقد لا يستقيل، وكان يقول لهذا المُكاتِب من مُكاتِبي الصحف: إن وزارته لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، وكان يقول لمُكاتِب آخر: إنه لا يفهم لماذا تستقيل الوزارة ما دامت مستمتعة بثقة البرلمان وعطف الملك، وكان يقول لهذه الصحيفة الأجنبية: إنه ينتظر أن يفرغ بال الإنجليز من مشكلاتهم العامة ليتحدث إليهم في المشكلات الخاصة.

وكان مُكاتِب الديلي تلغراف في القاهرة يبرق إلى صحيفته بأن وزارة صدقي باشا غير مرغوب فيها، وكان صدقي باشا يبرق إلى الديلي تلغراف بأن مُكاتِبها كان قاسيًا ظالمًا، متجاوزًا للحق، متجنبًا للصواب.

وكان الوزراء هنا يعلنون الثقة ببقائهم في مناصبهم، ويضمرون الخوف من نزولهم عن مناصبهم، وكانوا إذا تحدثوا إلى الناس أو خطبوا فيهم أظهروا القوة والبأس، وهاجموا الديلي تلغراف وما يشبهها من الصحف. كانوا إذا خلوا إلى أنفسهم أداروا أمورهم بينهم وجلين، واستعدوا لغدهم متحفظين، وكانت صحف الوزارة تذهب مذهب الوزارة، فتصور الأمر لقرائها على غير وجهه، وتزعم أن الوزارة باقية في مناصبها ما وثق بها البرلمان، حتى إذا خلا كُتَّابها إلى أنفسهم دقوا يدًا بيد، وأجهدوا أنفسهم ليتبينوا من أين تأتي الريح.

ثم أقبل صدقي باشا فاستقال، وترك له جلالة الملك أن يقدر الأمر ويرى أتسمح له صحته بالعمل أم تريده على الراحة؟ فاستحى، واستخذى، وتراجع، واستكان، وتكلف استشارة الأطباء، وأعلن أنه قادر على العمل، ومضى في الوزارة، وزعم أنه لم يكن في يوم من الأيام أقوى مما كان في تلك الأيام.

ثم لم يمض أسبوعان حتى هوى صدقي باشا من القمة إلى الحضيض، كان كل شيء، فأصبح وهو لا شيء، كان قوة كله، فأصبح وهو ضعف كله، كان جبارًا فأصبح خاضعًا لأضعف الوزارات وأعجزها عن الجبروت، وهم أن يعتز بالنظام الذي وضعه والبرلمان الذي جمعه؛ فخذله النظام، وتخلى عنه البرلمان، ثم تفرق عنه أعضاء حزبه، وأصبح طريدًا من الهيئات السياسية كلها، لا يأوي إلى ركن، ولا يعتز بنصير.

بدأت هذه السلسلة في مثل هذه الأيام من العام الماضي، وكان رئيس وزرائنا الرجل الطيب غائبًا في باريس يصطاف ويستريح، فلما كان ذات صباح أو ذات مساء جاءه البرق بأنه قد أصبح رئيس وزراء، ولم يكن الرجل ينتظر هذا ولا يفكر فيه، ولكنه فضل الله يؤتيه من يشاء.

وفي مثل هذه الأيام من العام الماضي، كان اضطراب ظاهر في التمثيل السياسي لإنجلترا في مصر، مندوب ينقل، وآخر يختار، ثم يقال: إن المندوب المنقول سيعود إلى عمله حتى يأتي المندوب الجديد، وكان هذا كله يحدث في الجو المصري اضطرابًا واختلاطًا، ويملؤه بالأنباء والإشاعات، وكان المخاصمون للوزارة يقرءون ويسمعون ويصورون الأمور لقرائها كما يرونها، لا يزيدون فيها وقد ينقصون منها؛ لأنهم كانوا يتحفظون، ويكرهون أن يقال: إنهم يتعجلون الحوادث ويستحثون الأيام، فماذا يحدث الآن؟ وماذا يقال؟ وماذا ينشر هنا وهناك؟

كل شيء يصور وزارتنا القائمة ضعيفة أشد الضعف، وإن زعمت أنها قوية أعظم القوة، عاجزة أشنع العجز، وإن زعمت أنها قادرة أبرع القدرة، مضطربة أقبح الاضطراب، وإن زعمت أنها ثابتة أحسن الثبات، هي مؤمنة بقوتها إذا تحدثت إلى الناس، ولكن الله وحده يعلم والراسخون في العلم يقولون: إنها إذا خلت إلى نفسها لم تجد حلاوة هذا الإيمان ولا حرارته، ولا ما يبعث الثقة في النفوس، والاطمئنان في القلوب.

وصحف الوزارة تظهر الأمن والرضا، والثقة بغد وبعد غد، ولكن كتابها إذا خلوا إلى أنفسهم أو تحدثوا إلى الناس سألوا: أين هم؟ وماذا يراد بهم؟ وأين يكونون غدًا؟ والمندوب السامي يسافر في إجازة كانت قصيرة — فيما يقال — فإذا هي تطول، وكان يراد أن ينوب عنه رجل من أهل داره، فإذا الذي ينوب عنه رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية، والصحف الإنجليزية تكتب من عند نفسها، أو من عند وزارة الخارجية، أو من عند مكاتبيها في مصر أن طوارئ قد تطرأ، وملمات قد تلم، وأن التمثيل الإنجليزي في مصر يجب أن يكون قويًّا، حازمًا، عازمًا، قادرًا على التصرف السريع حين تطرأ الطوارئ أو تلم الملمات.

والصحف الإنجليزية الكبرى تنشر لمكاتبيها في مصر كلامًا عن ضعف الوزارة القائمة وشحوب لونها السياسي، وذهاب التضامن بين أعضائها، ووجوب التغيير والتبديل:

إما غدًا زعموا

أو لا، فبعد غد

ثم يراد من المصريين بعد هذا كله أن يناموا، وأن يؤمنوا بأن الأمور كلها مستقيمة، وأن الأحوال كلها هادئة، وأن الحياة المصرية لم تكن في يوم من الأيام مستقرة كما هي الآن، لولا فيضان النيل، وفساد الآداب على ساحل البحر، وتأليف جماعة الشبان المصريين.

هؤلاء الوزاريون أصحاب سذاجة لا حد لها، يحسبون أن أمتهم من البله والغفلة بحيث يخدعها لعب الأطفال وعبث الأغرار. لو أن الأمور هادئة مستقيمة، والحياة صالحة مستقرة؛ لما اضطربت العقول إلى هذا الحد، ولما اختلطت أمور السياسة إلى هذا الحد، ولما نشأت هذه الأنباء من الهواء؛ فليس المصريون هم الذين خلقوا الطوارئ وحديثها، وليس المصريون هم الذين ندبوا المستر بترسون لينوب عن المندوب السامي، وليس المصريون هم الذين قالوا للتيمس والديلي تلغراف وغيرهما من الصحف ما أذاعت وما لا تزال تذيعه من حين إلى حين.

لم يفعل المصريون شيئًا من هذا، كما أنهم لم يدعوا العفاريت إلى تلك الدار التي ظهرت فيها العفاريت منذ أيام، وكما أنهم لم يأمروا النيل أن يسرف في الفيضان، فإذا كان الوزاريون يريدون أن يُخفوا الحقائق الواقعة على أنفسهم، ويحبون أن يُخفوا رءوسهم حتى لا يروا ما قد تُقبل به الأيام؛ لأنهم محتاجون إلى هذه الشجاعة التي تمكنهم من مواجهة الحقائق، ومن الإيمان بأن الأيام دُول، وبأن المناصب تقليد لا تخليد، كما تعودت المقطم أن تقول. إذا كان الوزاريون على هذا النحو من الضعف والخوف والاضطراب فلينعموا بضعفهم وخوفهم واضطرابهم، ولكنهم يسرفون على أنفسهم إن ظنوا أن المصريين جميعًا مثلهم يضعفون أمام الحقائق الواقعة، ويخافون من الطوارئ الممكنة، ويضطربون أمام المفاجآت.

كلا، إن المصريين ما زالوا يذكرون أمس القريب، وقد فهموا دروسه أحسن الفهم، وهم لذلك يرقبون غدًا وقلوبهم مطمئنة، وآمالهم مشرقة، ونفوسهم راضية، لا لأنهم يخدعون أنفسهم، ويظنون أن الغمة قد تنجلي مفاجأة وعلى غير انتظار؛ بل لأنهم أيقاظ غير نيام، وحذرون لن يؤخذوا على غرة؛ ولأنهم يعرفون حقهم، ويصرون على أن يستمسكوا به، ويأبون إلا أن ينتبهوا إليه.

هم لا يخافون الغد، كما أنهم لم يَفْرَقوا من أمس، هم واثقون بأن الأمة إذا أرادت شيئًا فهي منتهية إلى ما تريد، سواء أرضي الطغاة والمستعمرون أم كانوا ساخطين.

فلننتظر غدًا، ولينتظره الوزاريون، فما نشك في أن قومًا سيضحكون من قوم، وما نشك في أن قومًا سيشفقون على قوم إشفاقًا تصحبه ابتسامة فيها شيء كثير من الازدراء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.