في هذه الأيام التي تنتهي فيها دورة من دورات جامعة الدول العربية، والتي أرتنا بين من جمعتهم من ممثليها وجوهًا كريمة تُقدِّر التبعات الجسام، قد تمر بنفسي سحب من الأسى يخالطها شعاع من أمل بين حين وحين.

فعندما نشأت هذه الجامعة كان بعض أصدقائي يستقبلون نشأتها بكثير من التحفظ والحذر، على عكس ما استقبلتها به من فرط البشر ومزيد التفاؤل، ولم يُرتِّبوا عليها ما رتَّبْتُ من أطيب المنى. وكان برهانهم أنها تتألف من ممثلين سياسيين تتنافر فيهم الأهواء، وتتباين أمزجتهم، ولا تنسجم أنظارهم فيما يهدفون إليه؛ فبين البعض والبعض ذكريات من خصومات تعكر غيوبها ما يجب أن يكون من عفو تتلاقى فيه النفوس والعقول المجتمعة المتآلفة، وبين بعضهم من لا يرضى عن النظم والمظاهر الاجتماعية التي يرضى عنها آخرون، وفي بعضهم من يساير سياسات ويمالئ اتجاهات لا يطمئن إليها بعض آخر.

وما قِيلَ عن ممثِّلي جامعة الدول العربية قِيلَ على غراره عن مختلف شعوب العروبة؛ إذ يعوزها تجانس في الطباع، وفي مستوى الثقافات وأنواعها، وفي مختلف الاستعدادات، وفي درجة النشاط وضروب المسعى، وفي كل ذلك — وفقًا لهذه النظرة — مدعاة للتفرق والشتات. ويترتب على مثل هذه الآراء والأقوال أن ترابطًا لا يقوم على التجانس في أوسع مدى معرض لصنوف الاضطرابات والفشل.

على أنني برغم ما قِيلَ ويُقال في الجامعة العربية ورابطتها، بقيت أصمد لإشعال جذوة الإيمان بالعروبة، وكنت أُقدِّر أن القوم إذا هم تفرقوا لظروف، واختلفوا في أمور ونزعات، وتناقضوا في مواقف؛ فإن الخطوب الملمة والمحن المهيأة لإصابتهم جميعًا، في حياتهم وكيانهم وعزتهم، قد تَحُول بينهم وبين أن يُلْقوا بالًا إلى ما تفرقوا فيه من شئون قد تنخفض منزلتها عن منزلة الحياة والكيان والعزة.

وكنت أُقدِّر كذلك أن تباين الثقافات، وتنوع الاستعدادات، واختلاف الأمزجة، وتعدُّد مظاهر النشاط والمسعى في مختلف الأقطار العربية، يقتضي الترابط في العروبة لكي ينتفع الجميع بأنواع الاستعدادات وألوان النشاط والاختصاصات عندما يكون في ضمها وتضامنها وجمعها وتكتلها ما يُيسِّر بلوغ غايات عليا يرمي إليها المترابطون، وينشدها المتضامنون.

وقد مرَّت الأيام، وتوالت دورات جامعة الدول العربية، وقررت شتى القرارات، واتُّخذت مختلف التوجيهات والمواقف، وكان في ذلك ما يستأهل الحمد أو يستتبع الملامة.

على أنه مهما يكن من ترفيع أو تخفيض لنشاط جامعة الدول العربية، فإن ما أصابها في بعض نواحيها من خذلان، وما تسبب عن بعض تصرفاتها من مأساة فلسطين وفواجع لاجئيها، قد أضعف عند الكثيرين الإيمان والثقة بنجاح الجامعة.

ولقد يكون لهؤلاء المتشائمين الغالين معذرتهم، فإن ثمرات الجامعة قد تعداها الأوان دون أن تنضج قطافها؛ لأنها شجرة عُهِدَتْ رعايتها لرجال الدول وتوجيه السياسيين وحدهم، دون العامة من الشعوب، تعرض لأيدٍ قلَّما يُتاح لها حسن الرعاية وإكرامها، فلم تُخصَّب الشجرة ولم تُسمَّد كما كان ينبغي أن تُخصَّب وتُسمَّد، إذا لم تُوَثِّق جامعة الدول العربية الصلة بين نفسها وبين ذوي الإيمان المستنير بالعروبة، ولا بين نفسها وبين الشعوب التي تمثلها، ولم تؤكد التآزر لإيقاظ الشعور العربي الكامن، وإذكاء الوعي الشعبي الدفين، والانتفاع بيقظته وإذكائه …

ولقد كان من الخير لجامعة الدول العربية أن تفعل ذلك لحماية نفسها ولصالح العروبة؛ لأن الاعتماد على الشعوب نفسها وعلى ما يكون من صميم نفسيتها ومقوماتها يؤدي دائمًا إلى أفضل النتائج عند النضال الصادق للمثل العليا وللأغراض السامية.

ومن المعلوم أن سياسة المستغلين الغاصبين كثيرًا ما يتيسر لها أن تؤثر في رجال الدول وتطويهم في خداعها وفي تيارها بأسرع مما تؤثر في غيرهم ممن يستمدون نفسيتهم من صميم نفسية الشعوب وآدابها ومقوماتها. ومن الأدلة على ذلك أن المناضلين الشعبيين كانوا يَجُودون بنفوسهم في حرب فلسطين، في حين كان من يسوسون جامعة الدول العربية يتناقضون ويختلفون وفقًا لتيارات السياسة الخارجية وتأثيراتها.

وطبيعي أن الأحرار المستنيرين الصادقين لا يتقيدون بما يتقيد به الرسميون، وأن هؤلاء الأحرار أجرأ من الآخرين، وأقدر على تكشف جهات السلامة في الأمور التي يتورَّط الرسميون في ملتوياتها تحت تأثير الخدع السياسية.

وعلى ذلك، فإن العروبة الواضحة المدعمة تقتضي أهلها بعث شعور عربي قوي حساس، وإقامة جبهة جامعة للشعوب العربية تتمثل في تكتيل الهيئات العاملة لخير العرب، وفي عقد المؤتمرات المعنية بأمورهم، فإذا تحقق وجود هذه الجبهة الجامعة كانت حَرِيَّة أن تستفيد من أخطاء الرسميين وتجاربهم ومعلوماتهم.

وأغلب ظني أننا حينئذٍ قد نجد الدواء الذي يُعجِّل الشفاء، ونتبين المجرى الذي يُعَدُّ المعين الناضب بالماء الصافي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.