إذا قطعتَ ذراع أخطبوط، فإن الطرف المبتور سيظل يتحرك لمدة ساعة على الأقل؛ ذلك لأن كل ذراع يوجد بها نظام تحكم خاص؛ وهو عبارة عن شبكة من نحو ٤٠٠ ألف خلية عصبية يمكن أن توجه حركاته دون تَلَقِّي أي أوامر من مخ هذا المخلوق.

الأخطبوط الشائع.
الأخطبوط الشائع.

يمكن لمئات الممصات على طول كل ذراع أيضًا أن تتصرف على نحو مستقل؛ فإذا لمس أحد الممصات شيئًا فإنها ستغير شكلها لتشكِّل سدادة مُحكمَة، وستقبض عضلاتها لتولِّد قوة شفط شديدة؛ فهي تمسك وتمص من خلال رد فعل لاإرادي.

وهذا التكوين يسمح للأخطبوط بالسيطرة على زوائده المذهلة دون إرهاق شديد لمخه. لذراعك عدد قليل من المفاصل يمكن أن تنثني في عدد محدود من الاتجاهات، لكن ذراع الأخطبوط يمكنها تشكيل العديد من المفاصل كما تريد، وفي أي اتجاه وفي أي مكان على امتدادها، كما يمكنها أيضًا التمدد والانقباض وإعادة تشكيل نفسها. وللتحكم في هذه الأطراف بالغة المرونة يحتاج الأخطبوط إلى تفويض الأطراف نفسها في عملية التحكم هذه.

ولكن ماذا يحدث إذا لمست ذراعٌ ذراعًا أخرى؟ فإذا كانت الممصات تمسك بالأشياء من خلال رد فعل لاإرادي، فلماذا لا يقبض الأخطبوط على أجزاء من جسمه باستمرار عن طريق الخطأ؟

لمعرفة ذلك، شكَّل خبير أذرع الأخطبوط بيني هوكنر فريقًا مع خبير ممصات الأخطبوط فرانك جراسو. يقول جراسو: «يُستخف بممصات الأخطبوط من حيث التعقيد. وأنا أحد المدافعين عنها؛ فهي أدوات رائعة حقًّا في تناول الأشياء.»

بالتعاون مع نير نيشر وجاي ليفي، لاحظ الثنائي أن الممصات الموجودة على ذراع مبتورة حديثًا لن تعلق أبدًا بذراع أخرى. بالتأكيد سوف تمسك بالأجزاء منزوعة الجلد من الذراع المبتورة أو أجزاء اللحم العاري في مكان البتر، ولكن لن تقبض على الذراع نفسها. سوف تقبض على أطباق بتري في المختبر، ولكنها لن تقبض على الأطباق المغطاة بجلد الأخطبوط.

الأخطبوط الشائع.
الأخطبوط الشائع.

من الواضح أن جلد الأخطبوط تغطيه طبقةٌ ما تقيهِ من ممصاته. تأكد الفريق من هذه الفكرة عن طريق استخلاص مواد كيميائية من جلود الأسماك والأخطبوط، ووضعوا أمزجة من هذه المواد في أطباق بتري. وجد الباحثون أن مستخلص الأخطبوط يمكنه تعطيل الفعل اللاإرادي للممصات، ولكن مستخلص الأسماك لم يستطع ذلك.

تقول جنيفر ميذر من جامعة ليثبريدج، التي تدرس سلوك الأخطبوط: «نعلم جميعًا أن الأخطبوط يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الاستشعار الكيميائي، لكننا لم نُجْرِ الكثير من الأبحاث حول هذا الموضوع. الأرجح أن هذا البحث سيمثل نقطة البداية في هذا الصدد.»

أيًّا كانت نوعية المادة الكيميائية الغامضة، فإنه من الواضح أن الأخطبوط يمكنه التغلب على تأثيرها. وأوضح الفريق أن الأخطبوط الحي سيقبض على الأذرع المبتورة من وقت لآخر، حتى من منطقة الجلد. ويمكن لمخه أن يمنع رد الفعل اللاإرادي لممصاته.

بل يمكنه حتى أن يعرف إذا ما كانت الذراع المبتورة تخصه هو أم تخص أخطبوطًا آخر. فإذا لمس ذراعًا مبتورة لأخطبوط آخر، فإنه في كثير من الأحيان يستكشفها ويمسكها ويحملها بطرف ذراعه في وضع غير معتاد يطلق عليه الفريق اسم «مسكة المكرونة السباجيتي» (الأخطبوط الشائع سوف يلتهم أفراد الأخطبوط من نفس نوعه، لذلك تمثل الذراع العائمة هدفًا للصيد)، ولكن عندما يمسُّ الأخطبوط طرفًا مبتورًا خاصًّا به، فإنه يتجنبه في العادة، ونادرًا ما يتعامل معه على أنه طعام.

تقول ميذر: «يعطينا هذا فكرة عن الكيفية التي يولِّد بها الأخطبوط شعورًا بالذات لديه؛ ليس من خلال الرؤية التي قد تكون بلا جدوى نظرًا لمظهره المتغير، ولكن عن طريق الإشارات الكيميائية.»

إن تجنب الأخطبوط لذراعه مثال عظيم على الإدراك التجسيدي؛ وهو فكرة أن جسم الحيوان يمكن أن يؤثر في سلوكه على نحو مستقل عن مخه. وكما يوضح أندرو ويلسون وسابرينا جولونكا: «ليس المخ هو المورد الوحيد المتاح لدينا من أجل حل المشكلات؛ فأجسادنا … تفعل الكثير من العمل المطلوب لتحقيق أهدافنا.»

والأخطبوط يجسد هذه الفكرة؛ فمخه يحكم العديد من قراراته ويمارس سيطرة على أذرعه، ولكن أذرعه يمكنها فعل ما يخصها، بما في ذلك الابتعاد عن طريق الأذرع الأخرى؛ فلا يحتاج الحيوان معرفة موقع كل ذراع لتجنب التشابكات المعرقلة، فيمكنه أن يعهد لأذرعه مهمة تجنُّب بعضها بعضًا.

قد تكون هذه الفكرة مفيدة في تصميم الروبوتات؛ فالروبوت العادي — مثل الروبوت أسيمو الذي صنعته هوندا اليابانية — يعتمد على برامج مركزية تتحكم في كل أفعاله؛ فيمكنه إنجاز المهمات المبرمجة مسبقًا؛ مثل الرقص أو الجري، لكنه يتعثَّر حتى في العقبات البسيطة؛ فهو يفتقر إلى المرونة والكفاءة. وعلى النقيض من ذلك، يعتمد روبوت بيج دوج الذي صنعته بوسطن دايناميكس على الإدراك التجسيدي؛ فصُممت ساقاه المرنتان للتعامل مع الطرق الوعرة دون الحاجة لتعليمات جديدة من معالجه المركزي (أوجِّه الشكر مرة أخرى إلى ويلسون وجولونكا لتزويدي بهذه الأمثلة).

ربما يتمكن العلماء يومًا ما من خلال دراسة أذرع الأخطبوط من تصميم نسخ من الروبوت بيج دوج تتمتع بمزيد من المرونة، وتجمع بين مرونة الحركة ومرونة الهيكل؛ فربما يصنعون روبوت بيج أوكتبوس (ويعني بالعربية: الأخطبوط الكبير).

Why Octopus Arms Don’t Get Tangled? By Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. May 16, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.