في كتاب صدر أخيرًا للأستاذين محمود الشرقاوي، وعبد الله المشد عن «علي مبارك»، قرأت ما رواه المؤلفان عن جورجي زيدان أنَّه كان يُلقَّبُ بالرومي، وقد استبعد المؤلفان ذلك، فمن أين جاء جورجي زيدان بهذه النسبة؟

وقد دافع المؤلفان دفاعًا قويًّا عن موقف علي مبارك من الثورة العُرابية … مع أن المعاصرين له — وخاصة عبد الله نديم — كان لهم رأي آخر، فما هو وجه الحق التاريخي في هذه المسألة؟

وقرأت في كتاب للدكتور طه حسين بيتًا من الشعر الرائع هو:

وما أنا بالمفتون ضربة لازب

ولا كل سلطان عليَّ أمير

ولكني لم أستطع معرفة صاحبه، فهل هو من الشعر القديم؟

محمد منير الحسامي – جامعة القاهرة

إن جورجي زيدان لم يقل: إن «علي مبارك» كان يُلقَّب بالرومي، وإنما نقل نسبته من كتاب الخطط التوفيقية — الذي ألفه علي مبارك — وجاء فيه غير مرة أنه يلقب «بالروجي» بالجيم، وأن جده الأعلى قد عرف بهذا اللقب قبل عدة أجيال.

ولا نرى رأي المؤلفين أن تلقيبه بالرومي مُحتَمَل لانتقاله زمنًا إلى آسيا الصغرى التي كانت مشهورة باسم بلاد الروم؛ لأن جده الأعلى كما تقدم هو صاحب اللقب الأصيل.

أما موقف علي مبارك من الثورة العرابية، فخلاصة القول فيه أن الرجل كان ثائرًا يدعو إلى الإصلاح وتنظيم الحكم النيابي ولكنه لم يكن «عرابيًّا» في خطته وفي طريقةِ تنفيذه لرأيه، وقد فُصل من وظيفته وحاق به الغضب غير مرة لانتقاده نظام الحكم «الخديوي» في كتبه وفي أحاديثه.

وينبغي أن نذكر هنا حقيقة تغيب عن أذهان بعض قراء التاريخ فيما يتعلق بفترة الثورة العرابية على الخصوص، وهي: حقيقة الموقف الثوري بين المفكرين والساسة من طبقة الوزراء في تلك الفترة. فقد كان المطلوب من الرجل الذي يدعى لتأليف الوزارة أو الاشتراك فيها يومئذٍ أن يتولى معاملة السفراء ومفاوضة الدول الأجنبية وإجراء الأعمال الوزارية برئاسة الأمير، فكان الوزير الثوري الصالح لهذه الوظيفة هو الوزير الذي يرضى عنه دعاة الثورة والإصلاح، ولكنه لا يكون على حالة العداء البَيِّن لمن تحاربهم الثورة ويحاربهم المصلحون، ولا غنى له عن الوقوف موقف التفاهم أو موقف «التخاطب» مع جميع العناصر التي تتصل بجهاز الحكومة من جانب الدول أو من جانب الدولة العثمانية أو من جانب الأمير. ولم يكن علي مبارك ولا أمثاله من طراز شريف والبارودي ورياض ليضطلعوا بأعباء الوزارة إذا كانوا منتسبين إلى معسكر عرابي في الصميم، وإنما كان يكفي أن يكون أحدهم مؤيدًا لمطالب الثورة ليتقبله الثائرون، ولكنه لا يقطع علاقاته بجهات الحكم ولا بجهات السياسة الدولية، وقد يكون على خلاف مع العُرَابِيِّين في بعض الأمور وعلى خلاف مع الأطراف الأخرى في غيرها من الأمور، أو يكون له موقف في السياسة العملية وفي برامج التنفيذ والإدارة يستقل به عن الفريقين، ولكنه لا يسلك مسلك المقاطعة البينة لأنصار الثورة أو لأعدائهم المحافظين.

وقد كان «علي مبارك» ينتقد الحكم الخديوي؛ فهو بذلك مقبول عند العرابيين. وكان ينتقد الخطط المتطرفة التي لجأ إليها العرابيون دفاعًا عن أنفسهم؛ فهو بذلك قريب من جانب القصر وجانب السياسة الدولية. وهكذا كان سائر الوزراء في سياستهم الثورية على درجات من الاقتراب إلى هذا الجانب أو إلى ذاك، وربما تغير هذا الموقف قربًا وبعدًا على حسب درجات الخلاف وتبدل الحوادث والأحوال.

ولم يكن «علي مبارك» على التحقيق، من أتباع القصر المُمَالئين لسياسته ولا من أتباع عرابي المنقادين له في جميع خططه، ولكنه — على ما يظهر — لم يكن مؤيدًا لمسلك عرابي في المرحلة الأخيرة بعد حوادث الإسكندرية.

أما البيت الذي قرأه الأديب الحسامي في كتاب الدكتور طه حسين، فهو من قصيدة لأبي نواس نظمها وهو يقصد إلى مصر بمديحه لأميرها الخصيب، ومطلعها:

أجارة بيتينا أبوك غيور

وميسور ما يرجى لديك عسير

ومنها:

أما دون مصر للغنى متطلب؟

بلى! إن أسباب الغنى لكثير

ذريني أُكثِّر حاسديك برحلة

إلى بلد فيه الخصيب أمير

ويروى البيت الذي أعجب به الأديب الحسامي على رواية أخرى لا نرجحها، ففي بعض نسخ الديوان النواسي أنه قال:

وما أنا بالمشغوف ضربة لازب

ولا كل سلطان علي قدير

والمعنى واحد …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.