لم أكن إذن مخطئًا ولا مسرفًا حين قدرت أن رئيس وزرائنا سيستفيد من زيارته لروما، وسيقوم من عظيم إيطاليا السنيور موسوليني مقامَ التلميذ النجيب من الأستاذ البارع. فرئيس الوزراء نفسه يسجل هذه التلمذة في رسالته البرقية التي يودع بها أستاذه قبل أن يفارق أرض إيطاليا الجميلة.

رئيس الوزراء يعلن أنه معجب أشدَّ الإعجاب بما بلغته إيطاليا من الرقي المادي (والأدبي) بهمة موسوليني وعبقريته، وأنه وهو يمثل أمة صديقة لإيطاليا يغتبط بهذه الحقيقة، ويلتمس في أعمال موسوليني أمثلة صالحة.

هو إذن معجب بموسوليني ولا جناح عليه في هذا الإعجاب؛ وكل إنسان حر فيما يحب ويكره، وهو إذن يلتمس في أعمال العظيم الإيطالي أمثلة صالحة، وهو كذلك حر لم يتجاوز حقه، ولم يَعْدُ طوره؛ فلكل إنسان أن يختار القدوة التي يريد أن يقتدي بها، والأسوة التي يريد أن يتأساها. وهو يعجب بموسوليني ويتخذه قدوة لا عن نفسه وحدها، بل عنها وعن مصر كافة؛ فرئيس الوزراء يمثِّلنا جميعًا، وهو لا يسألنا عن رأينا في هذا التمثيل، ولا يعنيه أن نرضى به أو نسخط عليه. وهو صادق فيما يدعي من تمثيله إيانا، وأنا أول من يشهد بصدقه، ويؤمن بتمثيله لمصر. وآية ذلك أني إن اتهمته بأنه يقول غير الحق، أو شككت في تمثيله لمصر أو أنكرت أني أثق به وأطمئن إليه؛ فأمر السياسة وأمري إلى من تعلم؛ ممن لا نحب أن نراهم في غير ضرورة ماسة؛ أو حاجة ملزمة. وليس علينا بأس من أن ندع صدقي باشا يمثلنا كما يشاء بعد أن تركناه يمثل بنا كما أحب.

رئيس وزرائنا إذن تلميذ لعظيم إيطاليا؛ ومصر تلميذة معه لإيطاليا، والأيام دول، والخطوب تختلف. فقد كانت مصر فيما مضى من الزمان قدوة اليونان والرومان، فأصبحت الآن تلميذة لروما. ولكن الناس لا يقرءون كلام رئيس الوزراء كما ينبغي أن يُقْرَأَ؛ ولا يفهمونه كما ينبغي أن يُفْهَم. وهم من أجل ذلك يتعرَّضون لضروب من المكروه، وفنون من خيبة الأمل. ولو قد قرءوه كما يقرأ الأبطال، وفهموه كما يفهم عظماء الناس؛ لعرفوا ما تُضْمِره لهم الأيام من خير وشر. فاستعدوا للأحداث قبل وقوعها، وتأهَّبُوا للنائبات قبل نزولها. ولكنهم يمرون بكلام الرئيس كما يمرون بأي كلام آخر؛ يفهمونه فهمًا يسيرًا ناقصًا، ويحققون جملته ولا يحققون تفصيله؛ ثم يدعونه وكأنهم لم يقرءوه.

وما على هذا الوجه يقرأ كلام البلغاء. ورئيس وزرائنا بليغ يقول الشيء الكثير في اللفظ القليل، ويؤدي المعنى الغريب في اللفظ القريب، وإذا كنت في حاجة إلى أن تقام لك الأدلة على هذا، فقف معي وقفة قصيرة عند ختام الرسالة البرقية التي أرسلها عظيم مصر إلى عظيم إيطاليا، فسترى أن فيه أسرارًا خطيرة، ونذرًا مخيفة مزعجة. وإن من الحق على المصريين لأنفسهم أن يستعدوا ويتهيئوا لما ستتكشَّف عنه الأيام إن مدت للرئيس أسباب الحكم.

أي شيء هي هذه الأعمال التي سيلتمس فيها صدقي باشا أمثلة صالحة؟ أما دستورنا القديم فقد دفنه رئيس الوزراء، وأعلن أنه لن ينشر، ولن يذوق الحياة مرة أخرى، وقد استحدث الدستور الذي يراه كافيًا لمصر، وملائمًا لحاجتها. وأما الصحف فقد فرض عليها رئيس الوزراء ما شاء مما يحقق لها الحرية الكاملة، ويتيح لها التعبير عما ترى بما لم يتح لغيرها من صحف البلاد المسرفة في الديمقراطية. وأما المعارضون فقد أخذهم رئيس الوزراء بالنظام الجديد في حزم وقوة، حتى آمنوا به، وأذعنوا له، واطمأنت نفوسهم إليه.

وأما الإدارة فقد أصلحها رئيس الوزراء حتى استقام فيها المعوج، واستقر فيها المضطرب، وأمن الناس معها على كل شيء؛ وأصبحت مثالًا ستتأثَّره الأمم الراقية التي تطمع في أن تكون لها إدارة حسنة. وأما ثروة الدولة وثروة الشعب، فقد بلغ بهما رئيس الوزراء أقصى ما تطمع فيه مصر من الثبات واليسر، حتى أصبحنا بفضله محسودين؛ يجوع الناس ونحن شباع، ويظمأ الناس ونحن ملاء، وتصفر أيدي الناس من كل شيء وتمتلئ أيدينا بكل شيء. إذن فماذا يريد صدقي باشا أن يتعلم من موسوليني؟ وفيم يريد صدقي باشا أن تتلمذ مصر لإيطاليا؟ ألست ترى معي أن كلام رئيس الوزراء غامض يحتاج إلى توضيح ككل كلام بليغ؟ بلى! ولم أكتب هذا الفصل إلا لأضع أمامك بعض الأمثلة التي سيلتمسها صدقي باشا عند السنيور موسوليني.

النظام في مصر مستقر، ولكنه مستقر بقوة الجند، وما أظن أن هذا الكلام يجعل للنيابة عليَّ سبيلًا. فأنا لا أذكر الجند الأجنبي الإنجليزي، ولا أزعم أن رئيس الوزراء يستند إلى حراب الإنجليز. وإنما أقول إن النظام الذي استحدثه رئيس الوزراء مستقر بقوة الجند المصري، وواضح أن الجيش والشرطة إنما أنشئا للدفاع عن الوطن وإقرار النظام فيه.

نظام رئيس الوزراء إذن محتاج إلى أن يعتمد على قلوب الشعب، لا على رماح الجند وعصيِّ الشرطة. وليست بلاغة رئيس الوزراء مهما يكن بليغًا، ولا فصاحة رئيس الوزراء مهما يكن فصيحًا، ولا سخاء رئيس الوزراء مهما يكن سخيًّا؛ ليس شيء من هذا كله يستطيع أن يكسب قلوب الشعب للنظام الجديد. وإنما أمر هذا كله كأمر القوة والبأس، يدور كل شيء فيه على الترغيب والترهيب، وكل ما يعتمد على الترغيب والترهيب فهو موقوت يزول بزوال الرغبة والرهبة. فلا بد إذن من عماد ثابت، ودعامة باقية لهذا النظام الجديد.

وقد وجد السنيور موسوليني لنظامه هذه الدعامة، وذاك العماد؛ فاصطنع فنًّا جديدًا من فنون التربية يأخذ به الجيل الناشئ أطفالًا وصبيانًا وفتيانًا، يجنِّدهم نوعًا من التجنيد، ويعلِّمهم فنونًا من التعليم، ويمرِّنهم ضروبًا من التمرين، وينتهي بهم من هذا كله إلى أن الفاشيم وحده يجب أن يكون قوام الحياة الإيطالية. وقد أصبحت إيطاليا بفضل هذا النظام الجديد أشبهَ شيء باسبرتا في التاريخ القديم.

فهذا مَثَل قد يحتذيه رئيس الوزراء، فيقيم التربية والتعليم عندنا على النظام الجديد، ليكسب له قلوب الأجيال الناشئة بعد أن لم يستطع أن يكسب له إلا أجسام الأجيال التي نشأت بالفعل. وتثبيت هذا النحو من نظم التربية والتعليم يحتاج إلى أن يخلص المدربون والمعلمون والأساتذة لهذا النظام الجديد. وقد عرف السنيور موسوليني كيف يكسب هؤلاء الناس لنظامه.

فأخذهم جميعًا بالأيمان المحرجة، يقسمونها على الإخلاص للنظام، وعلى أن يكون تعليمهم ملائمًا له، وخيَّرهم بين هذا القسم وبين الفصل من مناصبهم. فاختار منهم فريق بَقِيَ في مناصب الدولة، وامتنع منهم فريق فُصِلوا من مناصب الدولة فصلًا. ولم يقتصر هذا التغيير على المعلمين في المدارس الأولية والثانوية، بل تناول أساتذة الجامعات أيضًا. فهذا مَثَل آخر من الأمثلة الصالحة التي قد يلتمسها رئيس الوزراء عند موسوليني.

ولا بد لاستقرار النظام من أن يفهمه الحكام على وجهه، ويمرنوا على جملته وتفصيله، ويؤمنوا به إيمانًا صادقًا قويًّا، ومن أن يكون هؤلاء الحكام المؤمنون بالنظام كثيرين يمكن أن يتنقل بينهم الحكم، وقد عرف موسوليني كيف يهيئ هؤلاء الحكام لنظامه؛ فجعل نفسه أستاذًا، وجعل حكومته مدرسة، وجعل يمرِّن الوزراء على الحكم، حتى إذا أحسنوه وأتقنوه عزلهم من الوزارة عزلًا وادَّخَرهم ليوم مقبل، أو نقلهم من الوزارة نقلًا، ومرَّنَهم على فن آخر من فنون الحكم. وكذلك يغير موسوليني وزراءه من حين إلى حين؛ لا سخطًا عليهم، ولكن تعليمًا لهم وتأديبًا. فهذا مثل آخر قد يلتمسه رئيس الوزراء عند موسوليني، ولن يكون غريبًا من الأمر أن يمد الله لصدقي باشا في أسباب الحكم أن يعود إلى مصر بعد أسابيع، فيمتحن وزراءه، ويعزل منهم من أتمَّ التعليم، ليعلِّم مكانهم قومًا آخرين، ويفصل منهم من يرى أن ليس فيه خير للنظام الجديد.

ولا بد لإقرار النظام من أن تستمتع الدولة بهذا الشعور القوي بالعزة والسلطان، ومن أن تكره الدول الأجنبية على أن تعرف لها حرمتها وعزتها. وقد عرف موسوليني كيف بلغ هذا من خصوم إيطاليا وأصدقائها، فاستعمل العنف في السياسة الدولية، ولم يحفل بالمجاملات المألوفة كثيرًا، وأخذ يلقي خطبه المزعجة فتقع في أوروبا وقع الصواعق.

وأنا أعلم أن من العسير على صدقي باشا أن يقتدي بموسوليني في هذه الناحية. ولكن إذا لم نستطع أن نخيف الإنجليز جهرًا بالخطب والجيوش والأساطيل، فقد نستطيع بأن نخيفهم سرًّا بالزيارات والمقابلات والمحالفات. فأنت ترى أن رئيس وزرائنا قد كان بليغًا حقًّا في رسالته إلى عظيم إيطاليا، وأن مصر لم تخطئ حين أرسلته في بعثة قصيرة إلى روما ليتعلم على الأستاذ الأعظم فن الحكم وإقرار النظام. صدقني لا ينبغي أن يقرأ كلام رئيس الوزراء كما يقرأ كلام الناس، وإنما ينبغي أن يحلَّل ويمحص ويقلب على جميع وجوهه؛ فإن في نفس رئيس الوزراء من الأسرار الغامضة ما قد يضيق به وادي النيل كله. وحسبك أن الله قد جمع مصر كلها فيه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.