من أخبار أمس أن الطبيب المجري جورج فون بتليسي مُنح هذه السنة جائزة نوبل الطبية؛ مكافأةً له على دراساته للأذن الداخلية، وقال رواة النبأ البرقي في وصف تلك الدراسات: إنها «معقدة للغاية!»

وكل خبر من أخبار الصحف والإذاعات في هذا الزمن ينبغي أن يكون معقدًا للغاية، إذا احتاج إلى ربط الكلمة بالكلمة أكثر من نصف سطر، ولا نقول من سطر واحد.

سمعنا مع هذا الخبر مذيعًا يقول ما نصه مع حذف الأسماء:

أعلن فلان، مندوب الدولة الفلانية في الأمم المتحدة، أعلن أنه يبلغ الهيئة كيت وكيت!

فهذا المذيع وأمثاله يعتقدون أن سامعيهم عاجزون عن ربط الفعل بمفعوله على بعد كلمات، فلا بدَّ إذن من الإعادة والتكرار؛ للفهم والتذكار.

والواقع أن السامعين غير عاجزين عن ذلك كما نعلم، وأن الجمهور السامع أو القارئ أحسن كثيرًا من ظنون الرواة الصحفيين والمذيعين. ولكن الحقيقة أن صناعة الأخبار قد استدرجت إليها في هذا الزمن كثيرًا من الأكْفَاء لفن واحد من فنون الرواية الصحفية أو الإذاعية؛ وهو فن العجلة العاجلة المستعجلة، ولا شيء عندهم يحسنونه بعد العجلة والتعجل والاستعجال.

هذه الصناعة العاجلة المتعجلة المستعجلة تقوم على الخطف والجري والسرعة في الهرب من الفهم والتفاهم، وأصحابها هم العاجزون عن الفهم وإن أرادوه، وعن التفاهم وإن حاولوه … فلا يحبون عندهم أن يتهموا أنفسهم في هذا النفَس القصير بين الكلمة والكلمة، وبين الفكرة والفكرة. وأسهل من ذلك أن يتهموا الجمهور أولًا حيث لا تهمة، وأن يتهموا العلم والعقل ثانيًا بالتعقيد للغاية، حيث لا تعقيد للغاية ولا لما هو دون الغاية!

وموضوع الدراسات في الأذن الداخلية موضوع بسيط لا تعقيد فيه للمختصين ولا لغير المختصين، إلا إذا وصل الأمر إلى التشريح وتمييز الأعصاب والخلايا.

ففي هذه الحالة كل ظفر يقصه الحلاق من الأصابع معقد غاية التعقيد، ولا موجب لتمييز الأذن الداخلية أو الخارجية بذلك التعقيد المزعوم.

منذ زمن بعيد والناس يشعرون بالعلاقة بين حاسة السمع وبين حفظ التوازن في الجسم كله؛ لأن الأمر هنا لا يحتاج إلى دراسة ولا تشريح، ويكفي فيه لَكْمَةٌ على الأذن تطيح بالسمع وبالتوازن في لمحة عين. لكمة على أذن المذيع إذا شاء، ولا مؤاخذة!

ومنذ زمن بعيد والناس يشعرون بالعلاقة بين المسموعات والمنظورات؛ لأنهم يشاهدون بعض المكفوفين الذين فقدوا البصر يستعيضون بحركة الأذن عن حركة العين، ويعرفون من أمواج الهواء بعض ما فاتهم من أمواج الأثير.

ومنذ زمن بعيد والناس يشعرون بأن الجهاز الصناعي يوضع على عظمة خلف الأذن فيؤدي إلى الدماغ أكثر الأصوات التي كانت تصل إليه من فتحات الأذن.

ومنذ زمن بعيد يدرك الناس أن العلاقة وثيقة جدًّا بين الملكات الموسيقية وحاسة السمع، وأن تمييز النسب الموسيقية — ومعها النسب الرياضية — مرتبطة بالقدرة على تمييز النسب بين الأصوات. وأن الفوارق بين هذه الأصوات تدق أحيانًا حتى تخفى على بعض الأسماع الإنسانية، ولكنها لا تخفى على أسماع بعض العباقرة الموسيقيين ولا عن أسماع بعض الحيوان.

وهذا كله شيء معروف مفهوم في كل مكان يوجد فيه الموسيقيون والمكفوفون والذين يتضاربون باللكمات، والذين يدركون دقة السمع في بني آدم وفي الحيوانات.

وهذا هو موضع دراسة العالم المجري التي قال رواة البرق: إنها معقدة غاية التعقيد!

إن كان فيها شيء جديد فهو البحث في العلاقة بين طب الأذن وبين طب النفس «السيكولوجي» … ولكنه ليس بالجديد كل الجدة؛ لأن أثر الصمم في الحالات النفسية عارض قديم، لا يخفى على الممثلين الفكاهيين، فضلًا عن أطباء الآذان أو الأطباء النفسانيين.

وإن كان فيها شيء جديد — مرةً أخرى — فهو البحث عن الفارق بين انطباع الصوت في الدماغ وانطباع الصوت في قرص الشمع الذي تسجل عليه أدوار الغناء. فإن الأجهزة الفنية تثبت أن الطابع في الحالتين متشابه، ولكن الفرق بين دلالة الصوت ودلالة الكلمة هو محل الاختلاف الكبير.

وهذا أيضًا ليس بالشيء الجديد كل الجدة؛ لأن الكلمة من اللغة الأجنبية يتلقاها الإنسان بدماغه كأنها علامة مرسومة على قرص الشمع، وإنما يختلف عملها في الدماغ عندما تنتقل من مجرد صوت مسموع إلى تركيبة من الحروف المفهومة.

وقبل الدكتور بتليسي بسنوات كان الطبيبان ويفر Wever وبراي Bray يحققان عمل الأصوات في دماغ الحيوان، ويثبِّتان اللاقطات الكهربية على أعصاب دماغ القط متصلة بالمكبرات الصوتية، فإذا بأعصاب القط تعيد ما ينطبع عليها من الانفعالات كما يعيدها قرص الشمع على جهازه المعروف. ولكن الخطوة التالية هي أن الآثار التي تحدثها الكلمات غير الآثار التي يحدثها مجرد الأصوات.

والمظنون أن البحوث الأخيرة تتقدم في هذا الاتجاه، وأن الاتصال بين السمعيات والنفسيات يزداد يومًا بعد يوم على أيدي أصحاب هذه البحوث من الأطباء والعلماء.

ولكن من الواجب أن تتصل هذه البحوث بجمهرة القراء من جانبها البسيط الشائع الذي يعلم الناس بالحس والمشاهدة أنه ليس بالشيء الجديد. ولا أمل في هذا الاتصال على أيدي العاجلين المتعجلين المستعجلين من محترفي صناعة الخطف على الأثير أو الخطف على المكنات الطابعة؛ فإن كل فكرة عندهم ترتبط بأكثر من ثلاث كلمات، هي تعقيد بل تعقيد للغاية يحسن السكوت عنه والسكوت عليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.