لم يَكَدِ الناس يفرغون بعدُ من التفكير في أمر الموظفين الذين يشكون وينكرون، ويطالبون الحكومة بأن تنظر في شكاتهم لا بنظرة عطف ورفق، بل بنظرة عدلٍ وإنصاف؛ لأنهم لا يريدون إلا العدل والإنصاف، يريدون أن تُفتَح أبواب الترقيات والعلاوات لهم كما فُتِحت لكبار الموظفين، أو تُغلَق هذه الأبواب دون كبار الموظفين في حزم وصدق ونية حسنة، كما أُغلِقت من دونهم.

فإن من الجور المنكر أن يُفرَّق بين الناس إلى هذا الحد، وأن يُؤثَر بالترقية والعلاوة مَن يستطيع أن يستغني عنهما، ويُحرَم الترقية والعلاوة مَن هو في حاجة إليهما ليعيش.

لم يَكَدِ الناس يفرغون من أمر هذه الشكاة التي يتقدَّم بها صغار الموظفين، ويلحون فيها، حتى ظهرت لهم شكاة أخرى ليست أقل منها تأثيرًا في النفوس، ولا إيذاءً للقلوب، ولا إثارةً لعاطفة العدل والإنصاف، وهي هذه الشكاة التي يتقدَّم بها عمَّال ثور نيكرفت منذ زمن طويل، فقد مضت أيام وأسابيع منذ تقدَّمَ هؤلاء العمَّال إلى الشركة بشكاتهم، يطلبون إليها أن تغيِّر بعض الشيء من سيرتها معهم؛ لتخفَّ عنهم أثقال الحياة، وليستطيعوا أن يُقبِلوا على عملهم محبِّين له، مخلصين في النهوض به، فأعرضت عنهم الشركة، ومضت في الإعراض، ولجأ العمال إلى الحكومة لعلها أن تتوسَّط بينهم وبين الشركة، ولعلها أن تأخذ هذه الشركة بما يجب أن تُؤخَذ به، من تنفيذ الشروط التي يشتمل عليها عقد الالتزام، فأعرضت عنهم الحكومة، ومضت في الإعراض، وصبر هؤلاء العمَّال وصابروا، واحتملوا ما احتملوا من ألمٍ ومكروهٍ، حتى تجاوَزَ بهم الصبر حده، فانقطعوا عن العمل، وأعلنوا الإضراب منذ أمس.

ثم لم يَمْضِ يومٌ كاملٌ على إعلان الإضراب هذا، حتى نشرت الصحف للشركة إعلانًا تطلب فيه إلى العمال أن يعودوا إلى عملهم، وتنذرهم بالفصل إذا تلكَّئُوا في هذه العودة، وتضرب لهم أجلًا يومين، يفكِّرون فيهما، ويتخيَّرون بين النزول على حكم الشركة، والخضوع للبطالة وما يتبعها من عاديات الألم والجوع والحرمان.

واللَّه يعلم ما نحب الإضراب ولا نميل إليه، واللَّه يعلم ما نُرَغِّب فيه العمال ولا ننصح لهم بالإصرار عليه، ولكن هؤلاء العمال ناس مثلنا، من الحق عليهم أن يحتملوا الألم ويصبروا للخطوب، ويجاهِدوا في سبيل الحياة، ولكن من حقهم أيضًا أن يُنظَر إليهم على أنهم ناس يشعرون ويحسون ويطمعون في الخير، ويطمحون إلى شيء من حسن الحال، فإذا كان الألم قد كُتِب على الناس جميعًا، فإن الرغبة في تخفيف الألم قد أُبِيحت للناس جميعًا، وإذا كانت الحياة لا تستقيم بغير مشقةٍ ولا عناء، فإنها أيضًا لا تستقيم بغير اجتهادٍ في تخفيف المشقة وتيسير العناء، وإذا كان من الواجب على العمال ألَّا يضيعوا منفعة الجمهور بالإضراب عن العمل، فإن من الواجب على الشركة أن لا تضيع مصلحة الجمهور بتحميل العمَّال فوق ما يطيقون، وإذا كان من حق الجمهور أن ينتظر من العمال تيسير أموره وتمكينه من الانتقال، فإن من الحق على الجمهور أن ينتظر من الشركة تمكين هؤلاء العمال من أن يؤدُّوا مهمتهم ونفوسهم راضية، وقلوبهم مطمئنة، وأبواب الأمل أمامهم مفتوحة، وصحتهم موفورة، وحياتهم غير معرَّضَة للخطر، وإذا كانت الحكومة إنما أُنشِئت لتقيم العدل بين الناس، وتنتصف للمظلوم من الظالم، وتحمي الضعيف من القوي، وتحقِّق المنافع العامة، لهذا كله، فقد كان من الحق عليها، وما زال من الحق عليها، أن تتوسط فيما شجر بين العمال والشركة من خلاف، لتقر الأمر في نصابه، ولسنا نشك في أنها لو فعلَتْ ذلك، واصطنعَتْ فيه الحزم، لما اضطر العمال إلى الإضراب، ولما لقى الجمهور ما يلقى من المشقة والعسر في الانتقال منذ يومين.

وهناك أمر يجعل واجب الحكومة في مثل هذا الموقف أجلَّ خطرًا، وأحقَّ بالعناية، وهو أن الخصومات التي تقع بين العمال والشركات في مصر، ليست كالخصومات التي تقع بين العمال وأصحاب رءوس الأموال في البلاد الأوروبية، بل هي أشد منها تعقيدًا؛ فهذه الخصومات في أوروبا تقع بين قوم تختلف طبقاتهم، ولكنهم متحدون في الجنس والوطن والمنفعة، فأي الفريقين ظلم صاحبه أو أسرف عليه، فظلمه قبيح، ولكن خير العمل وشره، ونفع العمل وخسارته، راجعة كلها إلى أمة واحدة.

أما في مصر فالأمر مختلف، فالشركات التي تستغل العمال أجنبية، والعمال الذين يخضعون لهذا الاستغلال مصريون، فخير العمل وربحه يرجعان إلى الأجنبي أكثر مما يرجعان إلى المصري، ومن هنا كان العامل المصري في حاجة مضاعفة إلى حماية الحكومة له، ورفقها به، وعطفها عليه، ومن هنا كان من الحق على الحكومة أن تنظر إلى مثل هذه الخصومات من وجهة المنفعة الاقتصادية، ومن وجهة الكرامة القومية أيضًا، هؤلاء العمال يطلبون أن تنقص ساعات العمل، وهذه الشركة تعترف بأنهم يعملون تسع ساعات ونصف ساعة، فقد يكون من الحق على الحكومة أن تسأل كم ساعة يعمل العمال في إنجلترا أو في غيرها من بلاد أوروبا، وقد يكون من الحق على الحكومة أن تلاحظ أن ليس هناك فرق بين العامل الأوروبي والعامل المصري، كلاهما يجب عليه أن يعمل ليعيش، وكلاهما يحق له أن يطمح في تحسين حاله، وترقية شئونه الاقتصادية والصحية، ولعل الجو الذي يعمل فيه العامل المصري أن يكون أدعى إلى العناية بهذا العامل والرحمة له، وتخفيف الأثقال عليه، وهؤلاء العمال يطلبون أن تُرفَع أجورهم بعض الشيء، وقد يكون من الحق على الحكومة أن تسأل عن أجور العمال في أوروبا، وأن تجدَّ لا أقول في التسوية بين العامل المصري والعامل الأجنبي، فذلك حق، ولكنه قد يكون عسيرًا، وإنما أقول في التقريب بين العامل المصري والعامل الأجنبي إلى حدٍّ ما. وإذا كان العامل الأوروبي قد شعر بوجوده وأسرف أحيانًا في هذا الشعور، وطالَبَ بحقوقه، ولج أحيانًا في هذه المطالبة، فقد يكون من الحق على الشركات وعلى الحكومة، أن تعرف للعامل المصري أنه ما زال إلى اليوم متواضِعًا لم يتورَّط في غلوٍّ ولا في إسرافٍ. وإذا كان شعور العامل الأوروبي بوجوده وإسرافه في هذا الشعور، ومطالبته بحقوقه ولجاجته في هذه المطالبة، قد أنشأت مذاهب في الاقتصاد والسياسة، نكره أن تنتشر في مصر، ونحب أن يتأخر انتشارها إلى أبعد أجلٍ ممكن، فقد يكون من الحق على الشركات، وعلى الحكومة، أن ترفق بالعمال، وتختصهم بشيءٍ من البر بهم، والرثاء لحالهم، وتحول بينهم وبين السخط الذي هو أوضح طريق، وأقربها إلى إفساد النظام، والترويج لهذه المذاهب الخطيرة.

وليست المسألة في حقيقة الأمر خصومة جزئية بين العمَّال وشركة من الشركات، وإنما هي اختلاف جوهري، أساسي في طبيعة العلاقة بين الشركات والعمال، فقد مضى الوقت الذي كانت الشركات تنظر فيه إلى العمال كما تنظر إلى أدوات العمل، وترى أن لها أن تسخِّر العمال وتستغلهم كما تسخِّر أدوات العمل وتستغلها، انقضى هذا الوقت وأصبح من الحقائق الواقعة أن العامل شيء والأداة شيء آخَر، وأن العمَّال شركاء في حقيقة الأمر لأصحاب رءوس الأموال، في استغلال أدوات العمل، وإذا كان هذا الفهم للعلاقة بين العمال والشركات، لم يظهر في مصر على وجهه إلى الآن، فقد أصبح من الحق على الشركات، وعلى الحكومة، أن تعترف به وتؤمن له، وتتخذه أساسًا لما يكون بينها وبين العمال من صلاتٍ.

وإن من الغريب حقًّا، أن تؤمن الحكومة أو تُظهِر الإيمان، بأن الديموقراطية هي أساس العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبأن من حق الشعب أن يراقِب تصرُّفات الحكومة، في الأعمال العامة، بل أن يقيم الوزارات ويُسقِطها، ثم لا تؤمن أو لا تُظهِر الإيمان بأن الإنصاف والاعتراف بحق العامل فيه، يجب أن يكون أساسًا للصلة بين العمال وأصحاب رءوس الأموال.

كل هذه أمور نحب أن تفكِّر فيها الشركات وأن تقدِّرها الحكومة، وأن تسبق الشركات والحكومة إلى قبولها والعمل بها، قبل أن يفوت الوقت، وقبل أن تنتشر الآراء والأفكار الخطرة بين هذه الطبقات التي لا نخاف عليها شيئًا، كما نخاف عليها السخط والامتعاض.

وإنَّا لَنرجو ونلحُّ في الرجاء، أن تنظر الحكومة إلى هذا كله نظرةَ جدٍّ، وأن تتوسَّطَ بين العمال والشركة، بل بين جميع العمال وجميع الشركات، وساطةً تعصم هؤلاء العمال من السخط والشكوى والاضطرار إلى الإضراب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.