في رسالة للأستاذ الغزالي حرب المدرس الأول للغة العربية بدار المعلمين في بنها، يقول الأستاذ موجهًا الخطاب إلى كاتب هذه اليوميات:

… قلتم في يومياتكم: إن الموضوع الذي نال به كارل ماركس شهادة الدكتوراه بالمراسلة كان بحثًا من بحوث الأدب اليوناني لا بحثًا علميًّا بالمعنى المصطلح عليه في عصرنا. والذي أعلمه من قراءاتي القليلة أن موضوع رسالته كان دفاعًا عن أبيقور وردًّا على هيجل … أفلا يرى الأستاذ العقاد أن مثل هذا قد يوصف بأنه بحث علمي أو بحث فلسفي؟

ثم ينتقل الأستاذ إلى السؤال عن قصيدة للشاعر الحكيم صالح بن عبد القدوس، فيقول:

وقلتم في يومياتكم: إن صالح بن عبد القدوس هو حكيم الشعراء في عصره، ثم أوردتم من شعره أبياتًا أوردها مؤلفو النقد والبلاغة لتلاميذ شهادة الدراسة الثانوية، ثم قالوا معقبين عليها بما نصه: إننا لا نستجيب لها ولا نتأثر بها؛ لأن الشاعر عرضها عرضًا ذهنيًّا ولم يربطها بتجارب معينة تهيئ وجداننا لها من ناحية وتعينه هو على نظمها في أسلوب شعري موفق من ناحية أخرى.

ثم يختم الأستاذ الغزالي أسئلته بسؤال عن أسلوب ابن عبد القدوس في هذه الأبيات:

هل هو أسلوب شعري موفق أو غير موفق … ولماذا؟

وقبل الكلام على أسلوب كارل ماركس وأسلوب ابن عبد القدوس، نود أن نقول للأستاذ الغزالي كلمة عابرة عن أسلوبه هو في المناقضة كما عرفناه من رسائله الكثيرة، وله أن يراجع — لتمام العلم بهذا الأسلوب — تاريخ طائفة القرائين؛ «أحبار» بني إسرائيل الذين كانوا يقرءون أسفار التوراة والتلمود ليبحثوا في كل نقطة على كل حرف من كل كلمة موضعًا للمناقضة يفتحون به بابًا من أبواب الخلاف، وقلما يلتفتون بعد ذلك إلى مائة موضع من مواضع الموافقة إلى جانب ثقب الإبرة الذي فتحوه بأيديهم للاعتراض المستغنى عنه! والأستاذ الغزالي إذا قرأ ذلك التاريخ جدير أن ينهج في اعتراضاته أسلوبًا غير ذلك الأسلوب؛ لأنه لا يحب — طبعًا — أن تكون له قدوة بالقَرَّائين الأقدمين ولو كانوا موسومين بسمة الأحبار.

إذا كان كارل ماركس كتب بحثه في الدفاع عن أبيقور، فماذا في ذلك من المناقضة لقولنا: إنه موضوع «أدبي» وليس بموضوع علمي كما حددنا العلم تحديدًا لا التباس فيه، وقلنا: إنه هو العلم بمعناه المصطلح عليه في عصرنا هذا؛ عصر القرن العشرين؟

وإذا كان موضوع أبيقور موضوع فلسفة يونانية، فهل ثقافة الفلسفة عندهم علم بالمعنى المصطلح عليه في القرن العشرين؟ أو هي ثقافة أدبية مما يصدق عليه أنه بحث من بحوث الأدب في كل اصطلاح.

إننا عرَّفنا رسالته بأنها بحث من بحوث الأدب وليست بحثًا من بحوث العلم العصري، وليس في هذا منفذ لثقب الإبرة الذي فتش عنه السيد «حرب» فوجده كما وصفه أو لم يجده في الحقيقة؛ لأنه غير موجود.

أما إذا كان السيد حرب مخالفًا لرأي مؤلفي النقد والبلاغة في شعر ابن عبد القدوس فلماذا لا يعارضهم بما يراه؟ ولماذا يسألني عن آرائي التي يستطيع أن يعرفها من كل كتاب لي في موضوع النقد والبلاغة؟

إن الموضوع العقلي البحت هو الموضوع الذي نستريح إليه بعقولنا — دون شعورنا — كما نستريح إلى حل مسألة رياضية أو نتيجة تجربة علمية. ولكننا إذا قرأنا كلامًا فاسترحنا إليه؛ لأننا نلمس فيه الصدق المريح من مقلقات الخوف والأمل ومزعجات الشك والتردد ووساوس الأخلاق والعادات وبواعث الاضطراب في الحس أو في باطن النفس، فذلك الكلام الذي نستريح إليه شعر شعر شعر بالتثليث لا باللفظ المفرد الذي يحتاج إلى هذا التوكيد.

وهذا هو مجمل آرائنا في نقد الحكمة الشعرية، وعلى الأستاذ حرب بعد ذلك أن يبحث هو عن ثقب إبرته المفقودة، ولكن على طريقة غير طريقة القَرَّائين!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.