اليوم أكتب للقارئ ما وقع مع صديقي ﻫ. و. ذلك الطالب الأمريكي الذي وفد إلى باريس ليدرس الطب.

رأيته لأول مرة في بلفاردسان ميشيل يجدُّ في سيره، ثم عرج يسرة إلى باب فندق «السلكت» بجوار السربون، وكنت أسكن ذلك الفندق، ثم ركبنا المصعد (أسنسير) سويًّا، وتفرست في معارف وجهه فرأيتها تنطق بما يكنه ضميره من صراحة وشهامة وإقدام. ونزل المستر ﻫ. و. في الطابق الثاني، وصعدت إلى الطابق الثالث دون أن نتحادث. ثم أصلحت من شأني في غرفتي، ونزلت إلى الصالون في الطابق الأول؛ لأستريح قليلًا قبل الذهاب إلى النزل الذي كنت أتناول فيه طعام الغداء والعشاء، فإذا به يدخن سيجارة وقد جلس على متكأ بجوار النافذة. فلما رآني همَّ واقفًا وجاء إليَّ وهو يقول: معذرة يا سيدي إذا حادثتك قبل أن أتشرف بمعرفتك، أنا طالب جئت من بوستون لباريس لأدرس الطب، وقد قضيت في هذا البلد شهرًا من الزمن دون أن أعثر على نزل يجيدون فيه الطهي، فهل لك أن ترشدني إلى نزل يجمع بين النظافة وجودة الطعام؟

فقلت له وقد أدهشتني صراحته: حبًّا وكرامة! لو شاء السيد أن يرافقني الساعة إلى نزل مدام ميلون أكون له من الشاكرين.

فنظر إليَّ نظرة تعبر عن شكره، وقال: أشكرك يا سيدي.

وسرنا جنبًا إلى جنب إلى نزل مدام ميلون، وتحادثنا في الطريق بعد أن تعارفنا، وسره كثيرًا أن يصادق مصريًّا من أبناء النيل، وأعجبه طعام النزل، فتردد عليه كل يوم، وأصبحنا صديقين نسكن فندقًا واحدًا، ونأكل في نزل واحد.

***

للمستر ﻫ. و. أخلاق اختص بها هو ومن يسكن أمريكا، أخلاق تجمع بين الإخلاص والصراحة والإقدام والمحافظة على الوقت والتفاني في فعل الغرائب والعجائب. ذهبت معه مرة إلى النزل، وجلسنا حول المائدة، وإذا بربة الدار تقدم لنا رجلًا نرويجيًّا، فوقفنا وأحنينا رءوسنا وأكرمنا وفادة القادم الجديد. وجلس الرجل أمام صديقي ﻫ. و. فتغير نظام الجالسين، وتحول المستر ﻫ. و. عن طرف المائدة، واتخذ له مكانًا بيني وبين الآنسة ديجنسكي الفتاة الرومانية ذات الوجه الجميل والقد الممشوق، وتناولنا طعامنا، وتحادثنا في شئون مختلفة. وكنت أنظر للمستر ﻫ. و. راجيًا أن تلفته نظرتي إلى الآنسة ديجنسكي ليحادثها، ولكنه ظل ساكنًا لا يفوه ببنت شفة، فقلت له دون أن يسمعنا أحد: هل لك أن تحادث جارتك؟

فالتفت إليَّ وابتسم وظل ساكتًا إلى أن فرغنا من الطعام.

فلما دخلنا الصالون قلت له: لماذا لم تحادث الآنسة ديجنسكي؟! أخشى أن يكون قد آلمها ذلك.

– ولماذا؟

– لأن النساء يؤلمهن أن نغضَّ عنهن أنظارنا.

– لم أغضَّ عنها نظري يا صديقي، ولقد بحثت عن موضوع يخلق بي وبها أن نتحادث فيه فلم أجد. فما حيلتي إذن؟

– الموضوعات كثيرة يا صديقي: حادثها عن الطقس، عن جمال باريس، عن …

– أتريد أن أحيل عن الجِدِّ إلى السفسطة؟ إني أفضل السكوت في مثل هذا الحال.

وتحادثنا في شيء آخر بعد أن تلقيت عنه درسًا جديدًا.

***

وفي ذات ليلة كنت عائدًا معه من النزل إلى الفندق، فقال لي: هل لك أن تذهب معي إلى الكوميدي فرانسيز؟

– معذرة يا صديقي فأنا تعب هذه الليلة.

فودعني وذهب منفردًا وصعدت إلى غرفتي وآويت إلى فراشي، ونمت نومًا هادئًا لا تزعجه الأحلام، وإذا بي أسمع في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل دقًّا عنيفًا على الباب، فقمت من الفراش مذعورًا، فرأيت المستر ﻫ. و. يقول: ما كان يخطر ببالي أنك من محبي النوم.

– وما تقصد بذلك؟

– سمعت وأنا عائد من دار التمثيل أن الطلبة يقيمون في هذه الليلة حفلة في قهوة بلزار احتفالًا بنجاة أخ لهم من الانتحار، فلم أشأ أن أستأثر بهذه الحفلة دونك، لهذا قرعت بابك وأيقظتك راجيًا أن ترتدي ملابسك وتنزل معي.

فحاولت الاعتذار فإذا به قد حمل ملابسي وأتاني بها لأرتديها فأطعته، وغادرنا الفندق سويًّا لنشاهد حفلة النجاة من الانتحار. أليس هذا من غرائب الأخلاق الأمريكية؟

***

وفي صبيحة يوم من الأيام قرعت بابه ليرافقني إلى النزل، فإذا به لم يرتدِ ملابسه بعد، فقال لي: انتظرني خمس دقائق فقط.

– وإذا لم تنتهِ من ارتداء ملابسك بعد خمس دقائق؟

– تذهب للنزل وحيدًا.

وغادرته على هذا الوعد، ووقفت أمام الفندق أنتظر والساعة في يدي، فلما مرت الدقائق الخمس فتح ﻫ. و. نافذة غرفته وأشار إليَّ بيده قائلًا: لقد أبطأتُ، اذهب يا صديقي فالوقت من ذهب.

***

ورأيته يومًا في النُّزل يحمل في يده صورة «كارت بوستال» عن زنوج أفريقيا، فقال لي مازحًا: هؤلاء من القاهرة.

فآلمتني جملته، وقلت له وأنا أحرق الأرم: بل هؤلاء من بوستون.

فأدرك لساعته أني غضبت، فأخذني إلى ركن من أركان الصالون وقال لي: إنه من الواجب أن يعترف المخطئ بخطئه، لقد أخطأتُ وإني أعتذر لك عما بدر مني، فهل لك أن تصفح؟ فأعجبني اعترافه بخطئه وهززت يده علامة الصفح.

***

ثم تطاولت المدة ودبت الأيام ودرجت الليالي، فرأيت صديقي ﻫ. و. يميل للوحدة والانفراد والتفكير، فلم أهتدِ لسر ذلك وخشيت أن أسأله مخافةَ أن يغضبه سؤالي. ثم رأيته يطيل النظر إلى الآنسة ا. ب. ساعة تناولنا الطعام في النزل فقلت: لقد بدأت العاصفة تهب، سنرى ما سيكون من أمر غرام الأميركي. ومكثت مدة وأنا أتغافل عن حبه وهيامه، فإذا بي أراه في صبيحة يوم من الأيام يقرع باب غرفتي، ففتحت له الباب فبادرني بقوله: لي معك حديث يا صديقي.

– وما هو؟

– إني أحب.

– محب محبوب؟

– أجل، ومن أجل هذا أغادر باريس اليوم، فهل لك أن تساعدني في إعداد حقائبي؟

– تغادر باريس من أجل فتاة!

– بل من أجل الواجب يا صديقي، فالآنسة ا. ب. تحبني حبًّا طاهرًا، وأنا أيضًا أحمل لها في قلبي مثل ذلك الحب، ولكن أريد الاحتفاظ بعهدي.

– وماذا تقصد بذلك؟

– لقد عاهدت والدتي أن لا أتزوج إلا فتاة من بنات جنسي، والرجل لا ينقض عهده.

فرجوته أن يؤخر سفره عدة أيام، فقال: لقد أصبحت ثمرة الحب رطبًا جنيًّا، هل لك أن تساعدني في إعداد حقائبي؟

فنزلت معه إلى غرفته وبعد أن انتهينا من إعداد الحقائب ذهبنا سويًّا إلى المحطة، وودعته مودعًا معه الإخلاص والشهامة والإقدام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.