من ألزم ما يكون لمعيشة الاجتماع التناسق في الأفكار بين أفراد الجماعة؛ ذلك لأن الفكر مصدر الخلق، ومصدر الإحساس، ومصدر الحركة، فإذا اختل ذلك التوازن فسدت الأخلاق، وتنافرت المشاعر، وتضاربت الحركات. وهذا كله منتهى الفوضى، والفوضى قتالة للجماعة إذا دامت ما لم تنج الجماعة منها بحركات عنيفة داخلية، أو تكرهها على البقاء، ولو من غير تماسك قوة شديدة خارجية.

إن مصدر الثورة الفرنساوية الفوضى التي سبقتها، كذلك هي مصدر الثورة الإنكليزية العظيمة، ثورة القرن السابع عشر، وقوام الإمبراطورية الصينية الحكم الاستبدادي، كما أن قوام أمم كثيرة حكم الغير، وإكراهه إياها على البقاء في الفوضى.

ولقد كتب على بلد العجائب (مصر) أن تكون الفوضى فيها نظامًا، فهي اليوم قوام حياته في كل أجزائها، وهي لا تفتر تجد من العاملين على تقويتها بأقوالهم، وأقلامهم ودسائسهم ما يزيد في ترتيبها، ويمد في سلطانها، ويهيئ لها من أسباب القوة ما يجعلها آمنة تطمع في الخلود.

بلغ من قوتها بفضل أولئك الأنصار المجدين، أنه أصبح التفكير في وسائل الخلاص منها ضربًا من المجازفة، وطلبًا للمستحيل، وبلغ من قوتها أن انسلت إلى أفكار أولئك المجازفين أنفسهم في بعض مواضعها؛ فجعلتهم يقعون أحيانًا فيما يكرهون لغيرهم، من عدم التصريح إطلاقًا بكل ما يجول في خواطرهم، وبلغ من قوتها أن مهدت لليأس من الإصلاح سبيلًا في نفوس طامعة في الفضيلة، ولنصرة الإصلاح.

لكن اليأس أقتل للجماعات من الفوضى، الفوضى مهما استحكمت حلقاتها، ومهما وجدت من الجنود الذين يقاتلون في جانبها، ويساعدون على امتداد صفوفها يمكن لنفس قوية باسلة أن تقوم في وجهها، وأن تحاربها، وأن تستعلي عليها فترد التناسق إلى نصابه، وتعيد إلى الجماعة قوتها، ولكن اليأس إذا داخل النفوس سلبها فضائلها، وأضعف مادة الحياة فيها، ثم دفعها إلى سبات الموت، هيهات لغير قوة فوق الطبيعية أن تقيها منه.

لهذا كان القيام في وجه أنصار الفوضى الممهدين لليأس سبيل احتلال النفوس والتسرب إلى القلوب أقدس واجب محتوم على أنصار الإصلاح، ومحبي الخير لهذه البلاد، فإن أولئك هم السم في الدسم، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وتصف أقلامهم الكذب وهم يعلمون.

أبلغنا السفور ما لا يفتر يناهضه به خصوم الشبيبة وأعداء الإصلاح، وأبلغنا أنهم لا يزالون يضربون على نغمتهم القديمة البالية نغمة رمي المصلحين بالإلحاد، ويطرزون مطعنهم هذا بوشي قذر من السباب والشتائم، ثم يحيطونه بكلماتٍ من آي القرآن لتزدرده النفوس الساذجة، آملين ببعد نظرهم الأثيم، أنه متى احتلها ذاب الغطاء، ورسبت في قرارتها المطاعن والسباب.

ليتقولوا عليكم إخواني الشبان ما شاءوا، وليكفكم ماضيهم حجة عليهم، يكفيكم أن السعاة منهم أكثرهم أفاقون كل همهم في الحياة مرتزق، ورغد يطلبونهما، ولا يهمهم حطة السبل التي تصل بهم إلى ما يرجون منهما. سيروا أنتم في سبيلكم لا يثنكم قول أفاق، ولا حجة مأجور.

لا تهتموا لما يقولون، إنما يقولونه نفاق، وكونوا أحرارًا في أفكاركم أحرارًا في عقائدكم أحرارًا في سعيكم إلى الإصلاح، وفوق هذا كله كونوا مخلصين في حريتكم، وإن رموكم بالإلحاد فليعلم أي منكم مسه هذا القول أن المخلص في إلحاده خير من المنافق في إيمانه، إنما الإلحاد، والإيمان، والإسلام، والنصرانية كلها ضروب من اليقين في العقيدة يأخذ بها الرجل مخلصًا لها إن وقر في نفسه أنها الحق، أما النفاق والإفك، وما يرجونه إلى جنب ذلك من الأباطيل فهي مبتدعات النفس المخربة الفاسدة، النفس التي لا يهمها إلا نفسها، النفس الأنانية التي تطلب كل شيء من كل الأبواب وبعدها الطوفان.

إن هذه النفوس تعيش في ظلام الوهم متسلطة على النفوس الأخرى، ولكنها تفنى إذا سطع عليها نور الإخلاص. وأنتم إخواني قد أخذتم على أنفسكم نصرة ما تعتقدونه الحق، والعمل لما يصل إلى إصلاح أمتكم، وإسعادها، فاعملوا للإصلاح، وانصروا الحق ينصركم، ثم لا تخذلون.

انصروا الحق مخلصين له الحجة، وحجة الحق المخلصة هي وحدها الباقية الخالدة، ولا يروعنكم تألب المبطلين، وتناصرهم، ولئن امتدت ظلمات إفكهم حتى خيم غسقها، وحتى عم النفوس أدهم ليلها، فإن كل كلمة حق مخلصة تقذفون بها عليهم تخرق حجب ذلك الظلام، وقريبًا يجيء اليوم الذي يبدد فيه غسقه، وتنجلي فيه غياهبه، ويطلع نهار الإصلاح والحق مضيئًا ساطعًا يبصر فيه حتى من أضلت قلبه الأكاذيب التي بناها المنافقون.

يومئذ تسودُّ وجوهٌ، وتبيضُّ وجوهٌ، يومئذ يعلو المخلص، وتزهق روح المبطل الأفاك.

في ذلك اليوم تخمد أسباب الفوضى، ويكون لكم أن تقروا بين أهل أمتكم المبادئ السليمة الطيبة التي تصل بها إلى أحسن الغايات، فتجدون منها الآذان الصاغية، والقلوب الواعية، فأعدوا لهم ما استطعتم من ذلك، فأنتم الأعلون، ولكم دون غيركم حكم الغد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.