ظن رئيس الوزراء أنه سيصلَى في مجلس النواب نارًا حامية حين يلقى الاستجواب حول أزمة المحاكم المختلطة؛ فاتَّخَذَ الأُهْبة، وأعدَّ العُدَّة، واحتاط للحريق، واصطنع كل ما كان يمكن اصطناعه من ألوان الحذر؛ حتى لا تمسَّه النار، ولا تمسَّ وزارته، أو لا تؤذيه ولا تؤذيها إن مسَّه منها لهب أو شُوَاظٌ.

وتحدَّث الناس أنه إنما ذهب إلى الإسكندرية قبل النظر في هذا الاستجواب؛ فأقام فيها من الأيام ما أقام، ولقي فيها من لقي، وتحدَّث فيها إلى من تحدَّث إليه؛ ليدَّخِرَ من جوها الحلو، ونسيمها العليل، ومن قربه من البحر، ذخرًا يمكنه من لقاء هذه النار الحامية، ويجعلها عليه بردًا وسلامًا.

ثم تحدَّث الناس بأنه زار دار المندوب السامي صباح الأحد، مهنِّئًا بعيد صاحب الجلالة البريطانية، متحدثًا في بعض شئون السياسة، ومنها أزمة المحاكم المختلطة واستجوابها في أكبر الظن، فأضاف من هذا الحديث ذخرًا إلى ذخر وحيطة إلى حيطة، وذهب أمس إلى مجلس النواب هادئ القلب، فارغ البال، مستريح الضمير، مطمئنًّا إلى أنه سيقتحم النار اقتحامًا، وسيخرج منها كما دخل فيها سالمًا موفورًا، لم يلحقه أذًى، ولم يمسسه سوء؛ لأنه قرأ من العزائم، واتخذ من الطلسمات ما يعصمه من النار، ويجعله غير قابل للاحتراق، ثم اقتحم النار وخرج منها، مبتسمًا مبسوط الأسارير، ثم نظر إلى هذه النار، نظرة الواثق المطمئن، وألقى عليها «دشًّا» باردًا كما يقولون! فإذا هي تتضاءل وتتضاءل، وتنكمش قليلًا قليلًا، حتى تدخل جحرها الذي خرجت منه، ويتفرَّق النواب نحو منتصف الليل، وهم يتساءلون أأيقاظًا كانوا أم نيامًا؟ أحلم ما كانوا فيه أم علم؟

والحق أني مهما أُقِلُّ ومهما أُطِلُ، ومهما أُجْمِل ومهما أُفَصِّل، فلن أقدر رئيس الوزراء حقَّ قدره، ولن أوفيه ما هو أهل له من الحمد والثناء، فقد بذَّ نفسه أمس، وبذَّ الساسة المصريين جميعًا، وأظهر أن في كنانة مصر سهامًا أو سهمًا واحدًا على الأقل، وأن في أغماد مصر سيوفًا أو سيفًا واحدًا على الأقل، وأن مصر تستطيع أن تَثْبُت للحوادث والخطوب، وأن تلقى الأجانب محارِبة واثقةً بالفوز، أو مسالمة واثقة بالتفوق؛ فقد جمع الله لها في رئيس الوزراء شهاب حرب وصاحب رأي، قلَّ أن يَثْبُتَ له المحاربون، وقلَّ أن يثبُت له المجادلون والمناظرون!

وأهم ما نلاحظه في رد رئيس الوزراء على الاستجواب أمس أنه رجل يحب العدل، ويكره الجور، ولا يريد للنواب أن يدخلوا فيما لا يَعْنِيهم، ويَعْرِضوا لما لا شأن لهم به؛ فأمر المحاكم المختلطة أمر دولي لا ينبغي أن يخوض فيه النواب، ولا أن يخوض فيه الشيوخ، وإنما هو موكول إلى الوزارة، مقصور عليها بحكم الدستور، فمن تعرض له من النواب أو الشيوخ أو خاض فيه، فهو مخالف للدستور وخارج عليه، ويجب أن يشكر المستجوبون لرئيس الوزراء أنه كان رفيقًا بهم، عطوفًا عليهم، فردَّهم إلى الصواب في غير عنف، وقد كان يستطيع — لو أراد — أن يطلب إلى المجلس محاكمتهم؛ لأنهم خرجوا على الدستور، وأرادوا أن يُخْرِجوا المجلس معهم على الدستور.

ومعنى هذا الموقف الذي وقفه رئيس الوزراء أمس — ووقفه مرات أخرى قبل أمس — أن هناك رقابة مضروبة على البرلمان تحدُّ سلطانه وتقصُّ جناحه، وتنزع من اختصاصه — كما يقولون — أمورًا كان الناس يظنون أن من حقه أن ينظر فيها، ويُمْضِي فيها قضاءه. والذي يعرفه الناس أيضًا أن مجالس النواب في بلاد الأرض كلها تناقش في السياسة الخارجية، وتناقش في سعةٍ وبسطٍ وتفصيلٍ، ولا يستطيع وزير من وزراء الخارجية، ولا رئيس من رؤساء الوزارات أن ينكر عليها حقها في هذه المناقشة الواسعة المفصَّلة.

والذي يعرفه الناس أيضًا أن في مجالس النواب كلها لجانًا، تسمى لجان الشئون الخارجية، وأن هذه اللجان تراقب السياسة الخارجية من كثب، وتسمع الوزراء، وتسألهم وتخاصمهم في مجلس النواب، وتضطرهم في أحيان كثيرة إلى السقوط، هذا في أوروبا، فأما في مصر فالفقه الدستوري الجديد لا يُبِيحُ لمجلس النواب أن يعرض لمسألة المحاكم المختلطة بالمناقشة، أو يتخذ فيها قرارًا؛ لأنها مسألة دولية، فأمرها إلى الوزارة وحدها.

ولكن هناك سؤالًا نودُّ لو يجيب عليه رئيس الوزراء: ما رأيه في المسألة المصرية؛ أدولية هي أم غير دولية؟ أيمكن أن يعرض لها النواب بالمناقشة أم لا يمكن؟ ومسألة الدين العام، أيمكن أن يعرض لها المجلس أم لا يمكن؟ وإذا حظر رئيس الوزراء على النواب أن يعرضوا للمسائل المصرية، التي تمسُّ السياسة الدولية العامة أو الخاصة، فماذا بقي للمجلس من السيادة والسلطان وحماية الاستقلال؟

وأمر آخر ليس أقل خطرًا من هذا الأمر، ولا أهونَ شأنًا، ولكنه يدعو إلى الابتسام، وقد يدفع إلى الضحك، وهو أن رئيس الوزراء قد بذل جهدًا عنيفًا؛ ليثبت أن أزمة المحاكم المختلطة قد ثارت من تلقاء نفسها، لم يُثِرْهَا أحد، ولم يتدخَّل فيها عنصر خارجي عن المحاكم المختلطة، فنحب أن نعلم من الذي اتهم الوزارة بأنها هي التي أثارت الأزمة، ودفعت القضاة إلى أن يفكروا ويحتجوا؟ وعلى من كان يردُّ رئيس الوزراء؟ هذا كلام أشير إليه في بعض الصحف والبيئات الأجنبية؛ فهل قام رئيس الوزراء أمس ليُثْبِت للنواب أن الحكومة جادة في تحقيق المصلحة المصرية، وحماية الحق المصري، أم قام ليثبت للأجانب أن الوزارة بريئة مما اتهموها به من أنها أثارت الأزمة وحرَّضَت القضاة؟

وأيهما كان أحبَّ إلى رئيس الوزراء، وآثر عنده؛ أن يَطْمَئِنَّ النواب، ويطمئنَّ المصريون على حقوق مصر، أم أن يطمئن الأجانب على أن أحدًا لا يُغرِي بهم، ولا يحرِّض عليهم، ولا يثير لهم الأزمات؟ وأدعى من هذا وذاك إلى الابتسام والضحك، هذه الطاقة الظريفة، التي أهداها رئيس الوزراء إلى الأجانب، من فوق منبر مجلس النواب، فرئيس الوزراء قد أثنى على الأجانب، وذكر فضلهم علينا، وإحسانهم إلينا، وشكرنا لهم، ورعايتنا لحقهم. يا للرجال لقول غير مملول! ما أكثر ما قيل هذا الكلام، فلم يُغْنِ عن قائليه ولا عن سامعيه شيئًا! فالأجانب يعلمون كما يعلم المصريون أن الصلة بينهم وبيننا لن تقوم على الكلام، مهما عذب، ولا على الخطب، مهما كانت ساحرة، وإنما تقوم، ولن تستطيع أن تقوم منذ الآن، إلا على الصدق والإخلاص، وحسن النية، وتبادل الاحترام. فأما أن يبسم بعضنا لبعض، ويُثْنِي بعضنا على بعض، من أطراف الألسنة والشفاه، وفي القلوب ما فيها من الإشفاق والحذر وسوء الظن، وفي الأعمال ما فيها من المكر والخداع، وإيثار المنفعة على الحق، فهذا هو الشر الذي ليس بعده شر، والبلاء الذي ليس مثله بلاء.

رئيس الوزراء يعلم هذا، حق العلم، ويعلم أن الصلة بيننا وبين الأجانب لن تحسن إلا إذا عرفت الحكومة المصرية كيف تقيمها على الحزم، واحترام الحق، والتسليم بأن مصر بلد إن لم يكن حرًّا بالفعل، فهو مصمم على أن يكون حرًّا، ولكنه مع ذلك يُبْدِئ ويُعِيد فيما أبدى فيه غيره وأعاد.

هذا كل ما قال رئيس الوزراء أمس في بيانه القيم الظريف. أما أنه أرضى كثرة النواب فشيء يظهر أنه سيبين مساء اليوم أنه لا شك فيه، وأما أنه أرضى المصريين من غير النواب فنستطيع أن نؤكِّد لرئيس الوزراء صادقين، ويستطيع رئيس الوزراء أن يؤكد لنفسه صادقًا، أن هذا شيء لا سبيل إليه؛ ذلك أن المصريين لا يرضون بالكلام، ولا بالكلام الذي لا يدل على شيء، ولا بالكلام الذي يراد به فك المجالس، كما تقول العامة، وإنما تُرضِيهم الأعمال وحدها، فإذا لم يكن بد من الكلام فالكلام الحازم الصارم الذي يملؤه الشعور بالحق، والحرص على صيانته، والإصرار على الوصول إليه مهما تكن الظروف. وهل يريد رئيس الوزراء أن نصارحه اليوم كما صارحناه من قبل؟ هل يريد رئيس الوزراء أن ننبئه بأن المصريين لم يكونوا ينتظرون منه غير ما قال أمس؛ لأنهم يعلمون حق العلم أنه لا يستطيع أن يقول غير ما قال، ويعلمون حق العلم أنه لا يتحدث عنهم، ولا ينطق بلسانهم، ولا يصوِّر ما يشعرون وما يريدون؟ وأين هو مما يشعر المصريون وما يريدون؟!

ليهنأ رئيس الوزراء برضا النواب، إن رضوا، وليهنأ رئيس الوزراء بما سيُظْهِر له الأجانب من الرضا. وليجهل رئيس الوزراء ما يكتم الأجانب عنه من هذا الابتسام الذي يُهْدِيه بعضهم إلى بعض، إذا خلوا إلى أنفسهم، وغلقوا من دونهم الأبواب. فأما المصريون فليدعهم رئيس الوزراء وما هم فيه؛ فقد يكون من الرفق به والعطف عليه أن لا تحدثه بما يظهرون وما يضمرون!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.