نشرنا في العدد السابق جملةً من هذه النظرات العميقة، بقيت نظراتٌ حارةٌ في غرور الإنسان، وارتكابه الأغلاط بسبب هذا الغرور.

(١) من أشدِّ أغلاط الشبان حمقًا ظنهم أنهم يفقدون أصالة الرأي وميزة الابتكار إذا اعترفوا بحقيقة اعترف بها الناس قبلهم، فيحاولون ابتكار شيء جديد حتى ولو كان مناقضًا للحقيقة ومخالفًا لها.

(٢) الكفر بالنعمة وإنكار المعروف والجميل المصنوع نوع من العجز والضعف، وما رأيت قط رجلًا قادرًا يكفر بالنعمة وينكر الجميل إلا إذا كان في نفسه جانب ضعف خفي.

(٣) ليست التقوى غاية، وإنما هي وسيلة إلى الثقافة النفسية. والذين يتخذونها غاية لا وسيلةً ينتهون إما إلى مخادعة أنفسهم، وإما إلى مخادعة الناس. ولعله يعني بالتقوى التي هي غاية مظاهر التقوى التي تخلو من الصفاء الروحي وطيب السجايا.

(٤) ليس أساس الصداقة الحب، بل أساسها الاتفاق في المقاصد والأغراض مهما كان اختلاف الوسائل وحالات الحياة، قال جوتا ذلك في الصداقة بينه وبين شيلر وكانا ينشدان الحق والجمال على اختلاف وسائلهما.

(٥) كما ينبغي للمرء أن يحذَرَ كلَّ الحذر من العناد والإصرار على الأخذ برأي نفسه ونظره إلى الأمور، كذلك ينبغي أن يحذر من عجزه إذا حاول التخلُّص من هذه الحالة والأخذ برأي غيره.

(٦) كل أمر يحدث يحاول أن يشغلَ مكانًا لنفسه، ومن أجل ذلك يدفع أمرًا آخر عن مكانه ويقلِّل مدَّة بقائه؛ فالأمور بينها تنازع كتنازع الناس البقاء.

(٧) الرجال والشيوخ أميل إلى استنتاج القاعدة العامة وإلى تفضيلها. أما النساء فهُنَّ مثل الشبان أميلُ إلى الشواهد الشاذة عن القاعدة، على أن كل إنسان يميل أحيانًا إلى تطبيق القاعدة من غير نظر إلى الأحوال الخاصة الاستثنائية، كما يميل أحيانًا إلى خلق حالة استثنائية لا وجودَ لها.

(٨) لما كان الخطأ يعاد في العمل ويتردَّد، كان من الواجب أن نُعِيدَ ذكرَ الصواب والحق مهما كانا معروفين. ومن الخطأ أن نهمل ذكرهما اعتمادًا على أنهما معروفان مألوفان. وهذا يصدق في التعليم كما يصدق في الحياة الخاصة أو العامة.

(٩) ربما استطاع المرء مقاومة مضايقة الحوادث اليومية بذكر حوادث تاريخ الجماعات الإنسانية في العصور العالمية، وما كان بها من كوارث يتأسَّى بها.

(١٠) إن أدب اللغة المكتوب المتوارَث هو جزء ضئيل مما قيل وما صنع في حياة الناس، ومع ذلك نرى في كتب الأدب أمورًا وقصصًا وأقوالًا وأحوالًا وآراءً وأعمالًا وأحاسيس معادة مكررة. وهذا يدل على أن عقل الإنسان ومآله محدودان.

(١١) أحسن الحكومات هي التي تعلِّم المحكومين حكم أنفسهم بأنفسهم.

(١٢) قد يكون خلو المرء من الخطأ سببه أنه لا يعتزم عمل أي أمر معقول، فهذا الخلو من الخطأ ليس فضلًا له، بل هو قصور.

(١٣) أحسن الجماعات هي التي يكون حديثها تعليمًا وسكوتها تهذيبًا.

(١٤) إذا استأنف إنسان حكمَ أهل عصره، ولجأ إلى ما يتوقع من حكم الأجيال القادمة، دلَّ ذلك على شعور واضح منه بأن في حياة الإنسان حقًّا خالدًا، إذا لم يظهر لأول وهلة فإنه سيظهر في المقبل من الدهر، ويحوِّل القلة إلى الكثرة. وقول جوتا هذا صحيح، ولكن هذا الشعور قد يكون مؤسَّسًا على غرور الثقة بنفسه أو غرور الثقة بالناس.

(١٥) عند المحاجَّة ينبغي الحذر من أن تنقلب إلى كره ومقت كما يصنع بعضُ العلماء عند تفنيد كلٍّ منهم رأي مُنَاظِرِه، فإن شعورهم بكره رأي المناظر يتحول إلى شعور بكره صاحب الرأي، حتى كأنه عدو لدود. قد يكون قول جوتا هذا صحيحًا، إلا أن هذا التحول أكثر ما يكون بسبب الأَثَرَة وحبِّ الاستعلاء والغرور وطلب الظهور، وهي صفات كثيرًا ما تكون في نفوس العلماء، وتظهر عند البحث النظري، والشعور بكره الرأي إنما كان لأنه يخالف رأي كارهه، فقد ذكر جوتا في مقال سابقٍ أن الإنسان قلما يهمه انتصار الحق إلا إذا كان انتصاره يُزْكِي ويعزِّز رأيه.

(١٦) كما أن روما القديمة كان بها — عدا سكانها من الأحياء — سكانٌ من التماثيل المنصوبة في كل مكان، كذلك هذه الدنيا، بها — فضلًا عن الحقائق — دنيا من الأوهام أشد أَثَرَة في النفوس. وأكثر الناس إنما يعيشون في دنيا الأوهام التي في الدنيا، وهم يحسبون أنهم يعيشون بنفوسهم وقلوبهم وعقولهم في عالم الحقائق.

(١٧) لقد شُبِّه ثوار الثورة الفرنسية بالمجانين، ولكن أفواهَ المجانين قد تنطلق بالحق حين يخشى المستذلون النطقَ به. وبالرغم من ذلك فقد حَذَّر جوتا الألمان من الاقتداء بالثورة الفرنسية كما نصح الأمراء بالإصلاح.

(١٨) يكثر شكُّ المرء كلما اتسع نطاق ما يطلق من المعرفة. فلا يصحُّ أن يقال عن رجل إنه يعرف شيئًا إلا إذا كان ما يعرفه أمرًا محدودًا معيَّنًا، فإذا انتفى التعيين والتحديد انتفى العرفان.

(١٩) قد ظللتُ أشغَل نفسي وأُعَنِّيها بالنظريات العامة، حتى فطنت إلى النجاح العظيم الذي يستطيعه أهل الفضل إذا عملوا في اتجاهٍ واحد محدود، بدل توزيع جهودهم على مطالب متعددة.

(٢٠) كنت من عهد الصغر أشجع بشغف وعبث الملكات المشكوك فيها. وهذا خطأ لم أستطع التخلص منه إلى الآن. والظاهر أنه يقصد ملكات غيره، ولكنه ربما يصدق في نفسه أيضًا لاتساع مطالب ثقافته وتنوعها تنوعًا باهظًا فادحًا.

(٢١) لقد عاش الناس في عهود التاريخ في بحثهم عن الجمال والحق تحت ظلال الحروب المتكررة؛ وذلك لأن الإنسان يأبى أن يحكم نفسه، وهو مع ذلك يريد أن يحكم غيره، ولا نجاة للناس والأمم إلا أن يتعلَّم الإنسان ضبط النفس وحكمها بدل أن يحاول حكمَ غيره والسيطرةَ عليه.

وهذه الحكمة هي خلاصة قصة فوست، وهي أنه ما دام شره التحكُّم والتملُّك دافعًا للنفس فلا نجاة ولا أمان في العالم، بل تعتدي الأمة على الأمة، ويعتدي الإنسان على الإنسان.

(٢٢) إن الشغف بالحق يتطلَّب منا أن نعرف حدودَ فكرنا، فإذا انتفى هذا الشغف حلَّ الخطأ وهو يتملَّقنا ويُفْهمنا أن فكرنا غير محدود بحدود. ومن أجل ذلك كان الخطأ أقربَ إلى طبيعة الإنسان من الحق؛ لأن الإنسان يميل إلى التخلص من الحدود.

(٢٣) ومن أجل أن آراءنا محدودة نعتقد أننا دائمًا على صواب فيما نرى، وقد ترى رجلًا كبير العقل يخطئ ويجد مسرة فيما يخطئ فيه، وقد يستخدم ملكاتِ عقله العظيمة في الدفاع عن الخطأ.

(٢٤) المقاصد السامية أجدى على طالبها من المقاصد الأقلِّ سموًّا وسموقًا، حتى ولو تحقَّقَت الثانية ولم تتحقق الأولى.

(٢٥) ينبغي الحذر من أنصاف الحمقى وأنصاف العقلاء أكثرَ من الحذر من البُله ومن الذين كمل عقلهم؛ لأن الأصناف الأولى أكثر خطرًا؛ إذ إن البُلْه لبلاهتهم لا يتقنون تدبير الشرِّ، والذين كمل عقلهم يرون في مطالب عقلهم وثقافتهم ما قد يترفَّع بهم عن تدبير الشر. ولا يراد بالبُله طبعًا المجانين الذين يدفعهم دافع إجرامي.

(٢٦) حالنا في قراءة الكتب حالنا مع الأصدقاء الجدد؛ ففي أول الأمر إذا عرفنا إنسانًا يسرنا أن تكون هناك مشابهة وملاءمة عامة، وأن يكون هناك تأثير من الناحيتين في أي جانب من جوانب الحياة. فإذا نضجت المعرفة واتصلت المخالطة ظهرت أوجه الاختلاف بين الصديقين. والمسلك المعقول لا يكون بأن نسلك مسلكَ الأطفال في إحجامهم ونفورهم وخصامهم، بل يكون بالاستمساك بما نتَّفق عليه، ثم نفهم أسبابَ الاختلاف من غير إحجام، ومن غير رغبة في الموافقة من غير فهمٍ واقتناع.

(٢٧) إننا لا نستطيع معرفةَ الصفات الغالبة على إنسان بالنظر إليه في البيئات التي يتكلَّف فيها العادات والأخلاق، كما يكون في زياراته وفي الحفلات، وإنما نستطيع ذلك بدراسته في بيئته الخاصة التي يرفع فيها التكلف والاحتجاز.

(٢٨) ليس التسامح هو غاية ما يراد من جميل الأخلاق والطباع؛ فالتسامح خطوة أولية ينبغي أن تسوق المتسامح إلى فهم ما يتسامح فيه، وإلى العطف عليه بالفهم.

(٢٩) إننا كلنا نعيش في الماضي بأفكارنا وإحساساتنا، وهذا العيش في الماضي إذا استشرى يؤدي إلى الهلاك؛ لأننا بهذا الاستشراء نصير عالةً على الماضي فنعيش عليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.