صرح رئيس الوزارة البريطانية أثناء الأسبوع الماضي في مجلس العموم البريطاني بأن من الخطأ أن يحاول محاول إنكار الحقائق البديهية أو تجاهلها، وأن من هذه الحقائق البديهية أن في العالم دولًا صغيرة ودولًا كبيرة، وأن من غير المعقول أن تتحقق المساواة بين هذه الدول مع اختلاف أحجامها وتباين حظوظها من القوة، وإن كانت هذه المساواة أملًا من الآمال الحلوة، ومثلًا من المثل العليا التي تطمح إليها الإنسانية كلها.

وكان الناس يعتقدون أن تحقيق هذه الآمال الحلوة قد أصبح قريبًا، وأن بلوغ هذه المُثل العليا قد أصبح يسيرًا. دفعهم إلى هذا الاعتقاد ما كان يقال في الحرب الماضية حين أذيعت مبادئ الرئيس ولسن، وما كان يعلن من الأسف والحزن حين رفضت الولايات المتحدة الأمريكية الاشتراك في عصبة الأمم والتعاون مع الدول الأخرى على تحقيق هذه المبادئ، وما كان يُذاع من أن اعتزال الولايات المتحدة هو الذي أخَّر تحقيق العدل الدولي، وقضى على عصبة الأمم بالإخفاق، واضطر أوروبا إلى أن تتورط في الحرب الحاضرة، ثم ما كان يقال حين أُعلنت هذه الحرب من أن اشتراك الولايات المتحدة فيها شرط لازم لتحقيق النصر من جهة، وإقامة العالم الجديد على نظام قوامه الحق والعدل والمساواة من جهة أخرى.

وقد كان العالم يائسًا — أو كاليائس — من انتصار الحق والعدل والمساواة حين كانت الولايات المتحدة الأمريكية ملتزمة حيادها في أول هذه الحرب. وازداد يأس العالم حين طلبت فرنسا المعونة إلى أمريكا فلم تظفر بها، ثم انهارت قوتها العسكرية ذلك الانهيار المخيف. وقد عرف العالم للرئيس روزفلت جهاده الرائع الخالد في حمل بلاده على الاشتراك في الحرب، وما وُفِّق إليه من ذلك. فلما أصبحت أمريكا دولة محاربة مُحِي اليأس من النفوس محوًا، واستيقن الناس أن كفة العدل والحق والمساواة قد رجحت، وأن كفة الجور والباطل والاستبداد قد خفت، وجعل ساسة الحلفاء وقادتهم يتحدثون عن العالم القديم وما كان فيه من جور وظلم، ومن عسف واستبداد، وعن العالم الجديد وما سيقدم عليه من إنصاف وتراحم، ومن مساواة وتعاطف، ولا سيما بعد أن أذيع ميثاق الأطلنطي.

والواقع أن الإنسانية لقيت من الهول والنكر ما خيل إليها أن أسباب الخصومة والخلاف التي تدعو إلى الحرب وأهوالها ستنحسم حسمًا، وتُجتثُّ اجتثاثًا متى أتيح النصر للديمقراطية، ولم يخطر للناس أن الحقائق الواقعة أقوى من الآمال الواسعة، وأن الغرائز أشد تسلطًا على الأفراد والجماعات والشعوب من العقول، وأن العقل الإنساني ما زال أشبه شيء بالمصباح الضئيل الذي يستطيع أن يضيء للناس في الظلمة الحالكة، ولكنه لا يستطيع أن يمحو هذه الظلمة كما تمحوها الشمس حين تشرق.

وأن العقل في حاجة إلى وقت طويل جدًّا ليصبح شمسًا مشرقة تملأ الأرض حرارةً ونورًا، وتردُّ عنها ظلمة الغرائز، وتقر فيها الحق والعدل والمساواة.

لم يخطر هذا كله للناس؛ لأنهم كانوا يشقون بالحرب من قريب أو بعيد، وكانوا يحلمون بالسلم فيرونها في صورة رائعة تملأ القلوب حسنًا وبهجةً وجمالًا، ثم لم يخطر للناس أن من أخص ما يمتاز به الإنسان أنه قادر على أن يأمل حتى لا يكون لأمله حد، وعلى أن ينسى حتى لا يكون لنسيانه حد، وعلى أن يتعظ حتى يصبح كأنه من القديسين، وعلى أن ينسى الموعظة حتى كأن قلبه قُدَّ من حجر، وإن كان من الحجارة ما يشقق فيخرج منه الماء. والإنسان يرى الموت في كل يوم، ويشعر كلما رآه بأنه ميت، فيمتلئ قلبه موعظةً واعتبارًا، ثم لا يلبث أن ينسى الموت ويعرض عمَّا أثار في نفسه من الموعظة والاعتبار، ويمضي في الحياة ساهيًا لاهيًا لاعبًا حتى ينتهي إلى مصيره المحتوم.

لم يخطر للناس هذه الخواطر حتى كانوا يرون الأرض قد ملئت هولًا، ويسمعون فيما بين ذلك هذه الأصوات الحلوة تنبئهم بأن النصر قريب، وأن فجر السلم قد أخذ يدنو في الأفق تحف به ملائكة من الحق والعدل والإنصاف والمساواة، ثم أخذت الحرب تدنو إلى غايتها، وأقبل النصر مشرق الوجه، باسم الثغر، يريد أن ينشر جناحيه على الأرض فيظلها ويحميها من هذه الأهوال الثقال.

وإذا الناس ينظرون إلى موكب النصر فلا يرون الملائكة الأخيار، ولا يرون الشياطين الأشرار، وإنما يرون القادة والساسة ومن ورائهم القوة والبأس، وبين أيديهم الحيطة والحذر والمكر والدهاء. ويسمعون صوت رئيس الوزارة البريطانية ينبئهم باسمًا، وفي صوته نبرة غريبة قد اختلط فيها الجد بالسخرية، ينبئهم بأن من الخطأ أن ينكر الإنسان الحقائق البديهية أو يتجاهلها، وبأن من الحقائق البديهية أن في الأرض دولًا كبارًا ودولًا صغارًا، وأن المساواة بينها أمل حلو، ولكن تحقيقه عسير.

ومن المحقق أن الناس قد سمعوا لصوت المستر تشرشل يلقي إليهم هذه الحقيقة المرة، فلم يذعروا ولم يراعوا ولم يأخذهم شيء من القلق؛ لأن الناس سراع إلى الأمل، سراع إلى اليأس، تزدهيهم الأماني حتى يظنوا أنها قد حققت، وتردهم الحقائق الواقعة إلى أطوارهم حتى كأن الأماني لم تخطر لهم ببالٍ، فهم قد صدقوا أن المساواة بين كبار الدول وصغارها ستتحقق، ثم هم يطمئنون الآن إلى أن هذه المساواة شيءٌ حلو يُطمع فيه ولا يُظفر به، ويُطمح إليه ولا يُقدر عليه. وأي غرابة في ذلك، وإنما الحياة الدنيا أرجوحة ترتفع بأصحابها في الجو، وتهبط بهم إلى الأرض، وما تزال تضطرب بهم في الفضاء حتى يردوا آخر الأمر إلى الاستقرار والسكون؟

ولم يكد تصريح المستر تشرشل يذاع في الناس ليردَّهم إلى ما ينبغي لهم من القصد والاعتدال حتى جاء صوت من أمريكا ينبئ بأن أمور الاستعمار ستكون موضع البحث والدرس قبل اجتماع المؤتمر الموعود في سان فرانسسكو، ستكون موضع البحث والدرس لتحقيق شيء من العدل، إذا لم يمكن أن يحقق العدل كله؛ فهناك مستعمرات قد يصح أن تستقل، ومستعمرات أخرى قد يصح أن تظفر بشيء من الاستقلال الداخلي، وهناك بلاد قد خضعت للانتداب، ولا بدَّ من تغيير الانتداب بحيث يصبح في أيدي لجان دولية، ولا تنفرد به هذه الدولة أو تلك من الدول الكبرى.

جاء هذا الصوت من أمريكا، ولم يكد الناس يسمعونه أو يهمون بالتفكير فيه حتى جاء صوت آخر من بريطانيا العظمى يحذر الأمريكيين — على لسان وزير من وزراء الإنجليز — من هذا الغلو في إهداء الاستقلال إلى المستعمرات، فإن هذا الغلو قد ينشئ للعالم مشكلة خطيرة حين تنشأ فيه عشرات من الدول المستقلة الجديدة. والوزير البريطاني مُصيبٌ بالطبع؛ فإن الدول الكبرى لا تعرف بعدُ كيف تلائم بين مطامعها واستقلال الدول الصغيرة القائمة الآن، فكيف إذا أضيفت إليها دول جديدة لا تعد بالآحاد، وإنما تعد بالعشرات.

على أن هذه المستعمرات التي فكر بعض الأمريكيين في استقلالها لا تستعمرها دول في القمر أو في المريخ، وإنما تستعمرها دول في الأرض تسمى بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا، فمَنْحُها الاستقلال ظلمٌ لهذه الدول التي تستعمرها، والحلفاء لم يشتركوا في الحرب ليظلم بعضهم بعضًا، ولا لينقص بعضهم من أطراف بعض، وإنما اشتركوا في الحرب ليقهروا دول المحور ويمعنوها إلى آخر الدهر من الظلم والبغي والعدوان، وهم قد بلغوا ذلك أو أوشكوا أن يبلغوه، فما لهم لا يكتفون؟ وما للعالم لا يكتفي ببلوغ هذه الغاية الكبرى؟

حقًّا إن الإنسان لمغرور لا يعرف لآماله حدًّا، وإن الشاعر القديم لصادق حين قال:

وحاجة من عاش لا تنقضي

ولم يكن بد إذن من أن تقال الكلمة التي تقر الأمور في نصابها، وتضع الأشياء في مواضعها، وترد النفوس الجامحة إلى القصد والاعتدال، وقد قيلت هذه الكلمة في هذا الأسبوع. بدأ بها وزير الخارجية الفرنسية حين أعلن في الجمعية التشريعية الاستشارية يوم الاثنين الماضي أن فرنسا لن تسمح بأن تمس سيادتها على أي جزء من أجزاء الإمبراطورية، ثم ثنَّى بها المستر تشرشل حين أعلن في مجلس العموم البريطاني أمس أنه لن تُعرض على مؤتمر سان فرانسسكو أو غيره من المؤتمرات التي تتصل به من قريب أو بعيد مسألة من المسائل التي تمس أي جزء من أجزاء الإمبراطورية البريطانية.

وبهذه المناسبة — وبمناسبة ما قال وزير الخارجية الفرنسية — أعادت البيئات السياسية في بريطانيا العظمى ما قاله مستر تشرشل يومًا ما، من أنه لم يتولَّ الحكم ليصفي الإمبراطورية البريطانية. وليس من شك في أنه تولَّى الحكم ليقود الإمبراطورية البريطانية إلى الفوز، وقد فعل، وليزيد قوة الإمبراطورية، ويمكن من سلطانها في الأرض، وسيبلغه النصر من ذلك ما يريد.

وإذا كان المستر تشرشل لم يتولَّ الحكم ليصفي الإمبراطورية البريطانية؛ فإن الجنرال ديجول لم يتول الحكم، ولم يحتمل ما احتمل، ولم يجاهد ما جاهد ليصفي الإمبراطورية الفرنسية. وقل مثل ذلك في هولندا؛ فهي لم تخض غمار الحرب طائعة أو كارهة لتصفي الإمبراطورية الهولندية، وقل مثل ذلك في بلجيكا؛ فهي لم تحتمل ما احتملت من الهول لتصفي الإمبراطورية البلجيكية.

وإذا، وإذا، فلا بدَّ من أن تعود الأمور بعد الحرب إلى مثل ما كانت عليه قبل الحرب، وإذا لم يكن بدٌّ من أن يتحقق شيء من الخير، فستأخذ الدول مستعمراتها بالرفق. فأمَّا بريطانيا فلم تفرق بين الأجناس ولا بين الألوان، كما قال وزير مستعمراتها أمس.

وأمَّا فرنسا فستمنح الهند الصينية شيئًا من الاستقلال الداخلي، ولعلها أن تأخذ بنظام المستعمرات الحرة الذي أخذت به الإمبراطورية البريطانية، ولعلها أن تصنع بأفريقيا الشمالية مثل ما تريد أن تصنع بالهند الصينية، ولكن تبقى مشكلة خطيرة لا بدَّ من حلها، فقد يمكن أن يكون ذلك الصوت الأمريكي الذي فكر في استقلال المستعمرات لم يصدر عن الملائكة، وإنما صدر عن الناس؛ فأمريكا قليلة الحظ من المستعمرات، عظيمة الحظ من جهود الحرب وتضحياتها.

وإذن فقد يكون من الخير أن يُعاد النظر في شئون المواقع العسكرية ذات الخطر في المحيط الهادي، وربما كان من الخير أن تعيد بريطانيا العظمى النظر في سياستها لبعض مستعمراتها في الشرق الأقصى. وأكبر الظن أن أمريكا لن ترتاح إلى عودة الهند الصينية إلى فرنسا كما كانت قبل الحرب، فلا بدَّ من أن يلتمس الحلفاء لأمريكا ما يريحها، فهي قد تعبت من الحرب كما تعبوا، ويجب أن تستريح كما أنهم سيستريحون.

وكذلك احتمل العالم ما احتمل من هول، واقتحم ما اقتحم من صعاب، وتجشم ما تجشم من خطوب، وبلى حلاوة الأمل ومرارة اليأس، واحترق بما احترق به من نار اليتم والثكل والتأيُّم والترمُّل والوبال والدمار؛ ليسمع في أعقاب الحرب أن أموره ستصير بعد الحرب إلى مثل ما كانت عليه من قبل.

وأن أمم الأرض ستنظر دائمًا إلى المساواة على أنها أمل حلو يُطمح إليه ولا يُقدر عليه، وأن أرسطاطاليس لم يخطئ حين قال: إن من الناس من خُلِق ليأمر، ومنهم من خُلِق ليطيع. كل هذا ولم نقل شيئًا عن روسيا؛ لأن الحديث عن روسيا يطول.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.