مولاي صاحب الجلالة:

أعليت قدر الجامعة، فليزد اللهُ قدرك علوًّا، ورفعت ذكر الجامعتين، فليزد الله ذكرك ارتفاعًا، وأيَّدتَ سلطان العلم، فليزد الله ملكك عزًّا وتأييدًا. النجْح مقرونٌ بشخصك العظيم يا مولاي. أقبلت على مصر فأقبلت عليها الدنيا، ونهضتَ بملكها فتمت لها عزتها، ودبرت أمرها فانجلت عنها الغمرات وانجابت عنها الخطوب. واليُمن مقرون باسمك الكريم يا مولاي، تذكره فتشحذ العزائم وتنفذ البصائر وتبعد الهمم، وإذا العصيُّ من الأمر يسمح، وإذا القصيُّ من الأمل يقرب، وإذا الصعب من الطِّلَاب يهون.

هذه جامعتك كانت أمنية مطوية في ضمير الإسكندرية منذ القرون المتطاولة والعصور المتباعِدة، تتطلع إليها ولا تبلغها، تدنو منها لتبعد عنها، تُحِسُّ حر الشوق إليها ولا تجِدُ بَرْدَ الظَّفَر بها؛ حتى استيأست من هذه الأمنية أو كادت تستيئس، وحتى جعلت تنظر إليها كما ينظر المستيقظ إلى الحُلم الحُلو قد نسي أكثره ولم يحتفظ منه إلَّا بأطراف متضائلة، ثم اقترن التفكير فيها باسمك الكريم، فإذا هي حقيقة ماثلة كاملة شاملة قد تم خلقها واستكملت قوتها واستجمعت أُهبتها للدرس والبحث والإنتاج.

لم تنجم للإسكندرية معهدًا معهدًا، ولم تقدم إليها كلية كلية، وإنما أُنشئت كلياتها السبع مفتَّحة الأبواب لاستقبال الطلاب كاملة الأداة موفورة النشاط قادرة على أن تنشر ضوء العلم في فروع المعرفة الإنسانية جميعًا.

لم يكَد يُقبِل العام الجامعي حتى قارب المتعلمون فيها خمس عشرة مائة، وقارب المعلمون مائتين، وهُيِّئَتْ لأساتذتها وطلابها المعامل والمكتبات متواضعة، ولكنها قابلة للنُّمُو قادرة عليه. وتسامع بها الناس في الشرق العربي، فسَعَوْا إليها يطلبون فيها العلم، ويلتمسون عند أساتذتها المعرفة.

ذلك لأنك يا مولاي لا تبغض شيئًا كما تبغض أن يقتر على شعبك في علم أو مال، ولا تحب شيئًا كما تحب أن يوسع على شعبك في كل وجه من وجوه الخير.

وقد أحسست يا مولاي أن شعبك مشوق إلى العلم، تَوَّاقٌ إلى المعرفة، طامع في المجد، طَموح إلى الرُّقِي، فأبى حُبُّك له وعطفك عليه إلَّا أن تُنِيلَه من ذلك ما تمنَّى، وتُبلغه من ذلك ما يريد. وما هي إلَّا عزمة ماضية من جلالتك واستجابة صادقة من حكومتك حتى كانت هذه المعجزة الخارقة، حتى ينظر الشرق والغرب فإذا مدينة الإسكندرية تسترد في أقصر وقت وأخطره مجدها العلمي القديم، ومكانتها الرائعة التليدة في نشر الثقافة وتقريب الآماد بين أمم الأرض على اختلافها، كدأبها حين كانت أعظم مدن الأرض قوةً وبأسًا وأرفاها إلى العلم والأدب وفي الفلسفة والفن.

لله أنتم آل البيت العلوي الكريم! ما أعظم فضلكم على الحياة العقلية في مصر! لقد بعثتموها قوية نشيطة، ثم ما زلتم تتعهدونها بالتأييد والتشجيع حتى أصبحت جذوتها المقدسة نورًا ساطعًا يغمر الشرق كله.

فجدكم العظيم يُذكِيها ويبعث فيها الروح الحديث، ويصل بينها وبين حضارة الغرب، وأبناؤه من بعده يتبعون نهجه ويمضون في طريقه ويسرعون بمصر إلى تحقيق ما ادَّخر القدر لها من جِد، ويجعلونها مركز الاتصال حقًّا بين العالمين.

ثم هذا إسماعيل العظيم ينشر التعليم العام الذي يقصد به إلى المعرفة الخالصة والثقافة الصرفة.

وهذا فؤاد العظيم ينشئ جامعة في القاهرة إلى ما أنشأ من معاهد العلم والثقافة.

وهذا فاروق العظيم ينشئ جامعته في الإسكندرية إلى ما أنشأ وما سينشئ من معاهد العلم والأدب والفن، وكأنما كان أبو الطيب ينظر إليكم حين قال:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم

ايذن لي يا مولاي في أن أصور لهذا الجيل الحاضر وللأجيال المقبلة من شعبك عطفك على هذه الجامعة ورعايتك لها في غير تزيُّد ولا إسراف، إنها ابنتك يا مولاي، منحتَها الحياة ونفخت فيها من رُوحك العظيم، وتفضلت عليها باسمك الكريم، فلم تكَد تشعر بهذا الوجود الذي أهديته إليها حتى كان ذكرك أول ما نطقت به، وحتى كان شكرك أول ما أسرعت إليه، وإذا مجلسها يسجل في أول صفحة من كتابها الخالد هذا القرار الساذج الذي إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أنه يريد الشكر، ولكنه يعجز عن الشكر فيكتفي بتسجيل هذا العجز ويستأذن جلالتك في أن يهدي إليك درجة الدكتوراه الفخرية للجامعة.

وأنت عطوف على جامعتك يا مولاي رفيقٌ بها مشجعٌ لها، لا يكاد يرقى إليك صوتُها حتى تصغي إليه، ولا يكاد يبلغك دعاؤها حتى تستجيب لها.

ثم لا تكتفي يا مولاي بما قدمت من نعمة حتى تضيف إليها نعمة أخرى.

وها أنت ذا تتفضل فتتقبل هدية الجامعة، ثم تتفضل فتسعى إليها لتتلقى منها هديتها إكبارًا لشأنها وإعلاءً لقدرها وإذنًا لها بأن تمنح من درجات العلم والفخر ما تشاء لمن تشاء. وما يمنعها من ذلك وقد أهدت إليك درجتها الفخرية فقبِلتها، ولا يبلغ الجامعة أنك قد أسديت إليها هذه الكرامة وتفضلت عليها بهذه المنة، وأذنتها بزيارتك السعيدة حتى تنتظرك مشغوفة بك مشوقة إليك، كأنها الروضة تنتظر قطر الندى الذي يبعث فيها الحياة وضوء الشمس الذي يسبغ على النسيم الذي يحمل عنها العبير، فيعطر بها الأجواء في كل مكان. وها أنت ذا يا مولاي قد أقبلت فبعثت فيها من قوتك قوةً ومن جلالك جلالًا، ورفعت ذكرها في آفاق الشرق والغرب، فكيف السبيل لها إلى أن تنهض بشُكرك؟ وأين الوسيلة لها إلى أن تؤدي بعض حقك؟! إنما هو فضل منك يضاف إلى فضل، ومِنَّة منك تُضاف إلى منة. ومع ذلك يا مولاي فإن الجامعيين يعرفون الطريق إلى رضاك، ويعرفون كيف يسلكون هذه الطريق، ويستأذنونك في أن يقطعوا على أنفسهم العهد بين يديك على أن يبذلوا في سبيل ذلك من الجهد أقصى ما يستطيعون. إنهم يعرفون مُثُلَك العليا، ويعرفون أن من أراد أن يبلغ رضاك فليس عليه إلَّا أن يحب من الخير ما تحب، ويسعى من المجد إلى مثل ما تسعى إليه.

أحب شيء إليك وآثر شيء عندك يا مولاي أن يؤدِّي كل مصري حظَّه من الواجب الذي تفرضه عليه الحياة المصرية على أتم وجه وأكمله في غير فتور ولا تقصير. والواجب الذي تفرضه الحياة المصرية على الجامعيين هو أن تخلص عقولهم وقلوبهم وضمائرهم للعلم، يحبونه كما تحبه، وينصرونه كما تنصره، ويتخذونه كما تريد أن يُتَّخَذَ وسيلة إلى معرفة ما أمكن الوصول إلى الحق، وأداة إلى تقويم الخلق وتنقية الضمير وتصفية الذوق وتثقيف الشعب على اختلاف طبقاته، وتكوين أجيال مخلصة للحق مؤثِرَة للعدل، قادرة على احتمال التبِعات والنهوض بالواجبات الوطنية مهما تكُن، ومواجهة مصاعب الحياة التي تزداد تعقدًا من يوم إلى يوم.

والجامعيون يأخذون أنفسهم بأن يقفوا على هذا كله جهودهم وأوقاتهم، وأن يبذلوا في سبيله صفوة ما يملكون من قوة وأيد.

وأنت بعدَ كل شيءٍ وقبل كل شيء صورة الوطن ورمز عزته ومظهر جلاله؛ فالجامعيون يأخذون أنفسهم بأن تكون جهودهم كلها خالصة لمجد الوطن العزيز والعرش المُفَدَّى.

بهذا يا مولاي وبالسعي إلى هذا يبلغ المصريون رضاك إذا جدوا واجتهدوا وأخلصوا. وعلينا العهد يا مولاي أن نكون دائمًا في طليعة الجادِّين المجتهدين المخلصين.

أطال الله بقاءك يا مولاي، وأدام نعمته عليك، وأدام نعمته بك على شعبك الوفي الأمين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.