هذه سلسلة مِن الكتب المستقلة تَصْدُر باللغة الإنجليزية من مطبعة جامعة «أدنبره» في موضوعات منوَّعة من مباحث التاريخ والشريعة، تشمل فيما تشمله أجزاؤها التي ظهرت حتى الآن، والتي ستظهر في المستقبل، أبوابًا من الدراسة العلمية عن وجهات الإسلام في العصر الحاضر وعن الإسلام في البلاد الإفريقية وراء الصحراء الكبرى، وعن الإسلام في الصين، وعن صفحات التاريخ الإسلامي في دولة بني عثمان ودولة المسلمين بالأندلس، مع الإحاطة بأبواب البحث في المذاهب الفكرية التي ذهب إليها علماءُ الإسلام ودُعَاتُه، بين المتصوفة، والمتكلمين، والمعتزلة، والخوارج، والظاهرية، وغيرهم من أهل السُّنَّةِ والمعتزلة والمتشيعة، في العصور المتتابعة.

ولا تخفى عناية القائمين على تأليف هذه السلسلة بالتحقيق العلمي والدقة التاريخية، ولكنها تدل من جديد على الصلة الوثيقة بين سياسة الدولة في الغرب وبين دراسات العلماء للمباحث الإسلامية، ولو كانت خلوًّا من مقاصد التبشير ومآرب الاستعمار الظاهرة، فلا تزال دراسة الإسلام غرضًا من أغراض الدول الكبرى التي تستطيع الإنفاق عليها كلما احتاجت إلى كلفة تقصر عنها مقدرة المؤلفين والناشرين طلاب المنفعة التجارية، ولا يزال الموضوع من موضوعات الدولة في الغرب على مقدار اتصالها بالسياسة العالمية في البلاد الشرقية، ولكنه قد يختلف بالأسلوب والمنهج مع اختلاف أطوار السياسة من جيل إلى جيل.

جاء في مقدمة الكتاب الأول من هذه السلسلة: «إن نُذُر الحرب التي كانت في سنة ١٩٢٩، وشيكة أن تجر إليها شعوبًا آسيوية كثيرة قد نبهت المسئولين في بريطانيا العظمى فجأة إلى قِلة المتخصصين عندنا لدراسة اللغات الآسيوية وثقافاتها، ومن هنا كان تأليف لجنة «سكاربرو» التي كان لتقريرها أثر في توسيع نطاق الدراسات الشرقية والإفريقية بعد الحرب العالمية في بريطانيا العظمى. وتبيَّن من مجرى الحوادث في العِقد الثالث بعد الحرب العالمية أن أفق الاطلاع الذي لا يزال في اتساع مع الزمن يكشف لنا عن ضرورة العلم بنصيب من المعرفة يزيد على تلك المعرفة السطحية بما وراء الثقافة الأوروبية، وفي مقدمة ذلك ما حَدَث من ازدهار بلاد كثيرة نحو الاستقلال بالقارة الإفريقية. وبينها أمم إسلامية أو أمم يحكمها رؤساءٌ مسلمون، تدل مواقفها على ازدياد نصيب العالم الإسلامي من العلاقة بالسياسة الدولية.»

فاهتمام السياسيين بالدراسات الإسلامية باقٍ على عهده منذ نشأت هذه الدراسات في القارة الأوروبية قبل بضعة قرون، ولكنها تتغيَّر بين جيل وجيل، ويجوز لنا أن نعتبر هذا التغيُّر نفسه علامة من علامات الزمن في تطور السياسة العالمية.

فالعناية بتمحيص البحث العلمي تدل على انقضاء عهد الاستشراق لنشر دعايات التبشير أو الاستعمار بين شعوب البلاد المحكومة على العموم، ثم تدل على حاجة الساسة المستعمرين إلى فهم الحقيقة عن المسلمين؛ لأنهم لا يسيطرون عليهم اليوم بسلطان القوة التي يتساوى فيها حُسْنُ الفهم وسُوءه عند مَن يقبض على زمام القوة الحاكمة بيديه، وإنما يحاولون النفاذ إليهم عن عِلمٍ صحيح بما يشعرون به ويفكرون فيه، ويضيرهم أن يجهلوا الحقيقة على جليتها قبل أن يضير المسلمين، بما يمس تاريخهم الصحيح أو شعائرهم المعتقدة.

والكتاب الأول من هذه السلسلة مقصور على البحث العلمي في الفلسفة الإسلامية وما يسميه الأوروبيون بِعِلمِ اللاهوت عند المسلمين، ومؤلفه هو الأستاذ «مونتغومري وات» مدرس اللغة العربية بجامعة أدنبره، وله مشاركات كثيرة في بحوث التاريخ الإسلامي والثقافة الإسلامية غير اللغة وآدابها.

ولا يغيب عن الناظر إلى بحوث الكتاب فرط العناية بتمحيص الوقائع من مصادرها المتشعبة، فقلَّما يفوت مؤلفه مصدر من المصادر الشرقية أو الغربية عن علاقة الفلسفة واللاهوت بمذاهب الفِرَق من قديمها في صدور الإسلام إلى حديثها في هذا القرن الرابع عشر للهجرة. وقد عرض — بهذا الاطلاع الواسع — لمذاهب المتكلمين والفقهاء والصوفية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم من المجتهدين والمقلدين جهد ما اتسعت له صفحاته المحدودة في كل جزء من أجزاء السلسلة، وهي في هذا الجزء لا تزيد على مائتين، واقترنت تحقيقاته للمذاهب والفِرَق بتحقيقات مثلها لآراء المجتهدين والأئمة الفقهاء، ولا سيما الأئمة الذين تبعتهم فِرَقٌ حديثة كان لها شأن في حكومات البلاد الإسلامية؛ كابن تيمية، وابن قيم الجوزية، وبعض فقهاء الشيعة والظاهرية.

وقد يدلُّ على منهج الكتاب كلِّه موضوعٌ واحد من موضوعاته عن المعتزلة، وهم أَوْفر الفِرَق الإسلامية حظًّا من دراسته واجتهاده.

فالاهتمام بالجانب السياسي ظاهر من سؤاله عن العلاقة السياسية بين آراء المعتزلة وقيام الدولة العباسية بعد الدولة الأُموية، هل كان للسياسة شأن في تكوين آراء المعتزلة وتحديد موقفهم بين الدولتين؟ وما مبلغ هذا الشأن من الأثر في أحداث السياسة وفي تدوين التاريخ؟

إنَّ خلفاء العباسيين كانوا يَختارون لمناصب القضاء أُناسًا من عُلماء المعتزلة، وكان لبعض هؤلاء العلماء علاقة بأبي مسلم الخرساني قبل التنكيل به على أيدي بني العباس.

ولكن هذه الخطوة على كثرة ظواهرها لا تدل في رأي المؤلف على اصطباغ مبادئ المعتزلة بصبغة الدعاية العباسية ولا بصبغة الدعاية للفرق المتشيعة، وكل ما يثبت منها أن الدولة الأموية قد جمعت على مقاومتها كلَّ داعٍ إلى التجديد في مسائل الدين والمذاهب الفكرية، وهذه الجامعة الواسعة هي التي قرَّبَتْ في دولة العباسيين بين دُعاة التشيع ودُعاة الاعتزال ودُعاة الاجتهاد في الفقه والشريعة، ولو كان المجتهدون من أئمة السُّنَّةِ الذين لم يتخذوا لهم منهجًا غير منهج الجماعة.

ويُصحِّح المؤلفُ أخطاءَ الأوروبيين الذين سبق إلى أوهامهم أن المعتزلة هم فلاسفة الإسلام، عندما اتصلت بهم جملة أخبارهم في مطلع القرن التاسع عشر.

ويأبى المؤلف أن يُطْلِق على المعتزلة لقبَ فلاسفة الإسلام على الخصوص بمعناه الذي يقابل عند الأوروبيين لقب «أحرار الفكر»، وهو قريب في مفهومهم من لقب الزندقة.

فالمعتزل لا ينشر مذهبه ليصبغ الإسلام بصبغة الفلسفة اليونانية، أو ليُداري ميولَه الفلسفيةَ بصورة من صور الشعائر الإسلامية، ولكنه — على نقيض ذلك — يدفع بالعقل حُجَّة الفلسفة المنطقية، ويأخذ السُّبُل على منافذ الطعن في قواعد الفكر الإسلامي بحجة من حجج المنطق أو الفلسفة. ولقد يكون المعتزل في تحرجه من التصرف في عقيدته على حسب تفكيره أشدَّ محافظة وأصعبَ مراسًا من السُّنِّيِّ الذي لم يعتزل الجماعة، وربما كان خصوم الفلسفة الأجنبية المعتزلة أكثر عددًا وأمضى سلاحًا من خصوم هذه الفلسفة بين المحافظين المتشددين.

وقد كان المعتزلة يحتكمون إلى العقل في الردِّ على خصومهم المقلدين، كما يحتكمون إليه في الردِّ على أشياع الفلسفة الأجنبية، ولكنهم كانوا دينيين في تفكيرهم ولم يكونوا فلسفيين متصرفين، وأكثر ما يبدو ذلك على طبيعة تفكيرهم حين يعرضون لمسألة الصفات ودلالتها على وحدة الذات، فإنهم عالجوها بالنظرة التقليدية إلى الألفاظ ومعانيها ولم يعالجوها بتفكير الفيلسوف، ولا بتصرف الناظر فيما وراء الطبيعة.

ويشك المؤلف في سبب إطلاق اسم المعتزلة على هذه الطائفة من مُفكِّري الإسلام، فالمشهور أن الإمام الحسن البصري قال عن واصل بن عطاء: «إنه اعتزلنا.» فلصقت كلمة «الاعتزال» بواصل منذ ذلك الحين، ولكن المؤلف يذكر قصة كهذه رُوِيَتْ عن قتادة وعمرو بن عبيد، ولا يرى وجهًا لترجيح إحدى القصتين على الأخرى، فربما أُطلِق وصفُ الاعتزال على العابد الذي يعتزل الصفوف، أو على «المحايد» الذي يعتزل القتال وينفرد بين الصفين، وليس من اللازم أن يكون الاعتزال خروجًا على عقيدة الجماعة أو اعتزالًا لتقاليد الدين.

ويُقَسِّمُ المؤلفُ جماعةَ المعتزلةِ إلى مدرستين كبيرتين تتفرع عليهما سائر المدارس الصغيرة في البلاد الإسلامية؛ إحداهما: مدرسة بغداد التي تَدِين بالإمامة لبشر بن المعتمر، وأشهر ما اشتهرت به في مسألة القدر والاختيار قولها بتولد الأعمال للعبد المُكلَّف، ومنه — على رأي المؤلف — يقتبس الأشعريون قَوْلَهم بالكسب مع التقدير.

والمدرسة الأخرى «مدرسة البصرة»: يقودها أبو الهذيل، ويبرز فيها اسم تلميذه، ويتوارد في أقوالها بعض مصطلحات الفلسفة اليونانية؛ كالجوهر، والعرض، وعلاقة الجوهر الفرد بتركيب المادة.

وكلتا المدرستين لم يكن لهما أثر فيما يُسمِّيه المؤلفُ باللاهوت الإسلامي، ولم يبقَ منهما بقية في غير مجال الدراسة «الأكاديمية»، وإنما ظهر من المنسوبين إليهم نخبة من كبار الفقهاء؛ كالقاضي عبد الجبار، والزمخشري وهو خاتمة الفقهاء الكبار في تاريخ هذه المدرسة التي كان أثرها الأكبر مقصورًا على القدرة العلمية في احتكام المسلم إلى عقله واجتهاده بعلمه ودراسته للخلاص من ربقة التقليد.

وقد توسَّعَ مؤلفُ الكتاب في شرح تاريخ الخلاف على مسألة خلق القرآن، وربط بينها وبين مسألة الصفات ومسألة الكلام القديم في نسبته إلى الله، ولم يغفل قول القائلين: إن القرآن معرفة الله وإنه قديم أزلي أبدي؛ لأن الله لم يكن ولا يكون بغير معرفة، ولم يغفل كذلك تفرقة القائلين بالخلق بين كلام الله في أزليته وكلام الإنسان فيما يلفظه بشفتيه، أو يسمعه من المتحدث إليه، ولم يتخذ له طرفًا من الطرفين يجنح إليه أو يميزه برجحان الحجة وصحة التفسير، ولكنه لزم بين الطرفين خطة الأمانة في النقل ولم يزد عليها. فإذا كان قد زاد من عنده شيئًا فهو سرعة الإصغاء إلى الأقاويل التي لا تستحق الرواية إلا لصرفها بما هي أهل له من الإهمال.

ومن ذلك نَقْلُه ما كان يُشاع عن تحدِّي ابن المقفع لبلاغة القرآن، وافتراضه أن القائلين بخلق القرآن قد أرادوا بذلك أن يُهوِّنوا أمر الاستقلال بالتشريع عنه، وأنْ يجعلوا له منزلةً دون منزلةِ القداسةِ الأبدية التي تُقرنه في القِدَمِ بالصِّفَةِ الإلهية، فمَا مِن مسلم قال بخلق القرآن وهو يدعو بذلك إلى الشكِّ في كلامِ الله، وأنه مستحق للطاعة كما يستحقها كل كلام يأتي من عند الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.