هي هذه الأخلاق السياسية المُنكرة التي فَشَتْ في هذا العهد، وذَاعَ أمرها حتى كادت تُصْبِحُ عرفًا مألوفًا، وحتى أَصْبَحَ الناس يسمعون أخبارها ويتناقلون أَنْبَاءها، فلا يُنكرون منها شيئًا، أو هم يُنكرونها فيما بينهم وبين أنفسهم وضمائرهم، ولكنهم قد يئسوا من الإنكار، ولم يَبْقَ لهم أمل في الإصلاح، ولا قُدرة عليه، فهم يَسْمَعُون ذلك ويتحدثون به كما يسمعون أنباء البلاء الواقع الذي لا حيلة لأحد فيه، وكما يتحدثون فيما بينهم بهذه الأنباء.

ومهما يقل القائلون فليس من شَكٍّ في أَنَّ مصر الحديثة لم تشهد عهدًا كهذا العهد فسدت فيه الأخلاق السياسية فسادًا مُنكرًا إلى هذا الحد، حتى أَصْبَحَ اعوجاج السيرة وانحلال الأخلاق، ومرونة الضمائر شيئًا يكاد يتواضع عليه فريق من الناس، ويُوشِكُ أَنْ يكون هو الخلق الطبيعي الذي تُقَاسُ به الفضيلة والرَّذيلة ويصدر عنه الإقدام والإحجام، وتبنى عليه الأعمال العامة والخاصة.

والناسُ لم ينسوا بعد هذه السَّيئات الفَاحِشَة التي امتلأ بها الجو المصري حين شبت الحرب بين الوزارة القائمة وبين صدقي باشا، وحين أخذ المختصمون يكيد بعضهم لبعض، ويأتمر بعضهم ببعض، وحين تكشفت هذه المؤامرات وذلك الكيد عما تكشفت عنه من المُخزيات، لم ينسَ الناس أنَّ وزيرًا قائمًا قذف وزيرًا سابقًا، واتهمه في نزاهته، وأنَّ ذلك الوزير السابق قَبِلَ هذا القذف، ولم يزد على أن احتج عليه بكلمة يسيرة دخلت من بعض الآذان وخرجت من بعضها الآخر، وأنَّ النيابة أعرضت عن هذا القذف فلم تسأل القاذف ولم تسأل المقذوف.

ولم ينسَ الناس ما أُذيع حول مصلحة الأملاك وتصرفات مديرها مع نفسه ومع الناس، ولم ينسَ أحد ما أُذيع حول مدير أسيوط السابق ومُحاباة الوزارة السابقة له فيما اشترى من الأرض في الزَّمالك، وما أقام عليها من بناء، ومُضِي الوزارة القائمة في هذه المُحاباة. ولم ينسَ أحد ما أُذيع حول تطهير الأقنية ومأساة تطهير الأقنية، وحول ألوف الجُنيهات التي لا تَنْقُص عن خمسين والتي نزلت عنها الوزارة السابقة لأحد المُقاولين في غير حق ولا عدل، ولا حرص على مصلحة الأمة، ولا محافظة على أموال الدولة، ولا احترام للقانون، والتي أخذ الناس يسألون عنها: كيف بُذلت لهذا المقاول؟ ولِمَ بُذِلَتْ؟ فلم يظفروا إلى الآن من أحد بجواب. والناس لم ينسوا حكاية القطن الذي باعه صدقي باشا، وما زالوا ينتظرون إلى الآن أن يعرفوا وجه الحق والصواب فيه، فضلًا عن أن يبينوا مِقْدَار التَّبِعَة التي يحتملها صدقي باشا إنْ كانت هناك تَبِعَة خفيفة أو ثقيلة. وقصة الكورنيش قائمة تستقبل الناس في الصحف إذا أصبحوا، وتستقبل الناس في الصحف إذا أمسوا، والناس ينتظرون وهم لا يدرون ماذا ينتظرون.

وهذه السياسة تنشر منذ أيام وتُلِحُّ في النَّشر، وتسأل منذ أيام وتُصِرُّ على السؤال عن أُمورٍ أَقَلَّ ما تُوصف به أنها تستوجب استقالة بعض الوزراء إنْ كانت صحيحة، وتستوجب التحقيق إذا لم تكن صحيحة. تسأل السياسة عن وزيرين اشتركا في الوزارة الساقطة، وهما عضوان في الوزارة القائمة، قد آلت إليهما أجزاء من أرض الدولة بأثمان هينة بخسة، واشترت زوج أحدهما وابنة أحدهما الآخر مُشتركتين هذه الأرض، وحُولت من أجل هذا الشراء قناة خاصة إلى قناة عامَّة، وكُتب في ذلك كتاب إلى وزير الأشغال واضح جلي لا تعريض فيه ولا تلميح، ووضع هذا الكتاب بين الأوراق الرَّسمية، ثم أخرج منها إخراجًا.

تسأل السياسة عن هذا كله منذ أَيَّام وتُلح السياسة في هذا كله منذ أيام، وتنتظر السياسة جوابًا أو تنتظر السياسة سؤالًا ولكن أحدًا لا يسأل، ولكن أحدًا لا يجيب. ومن قبل ذلك أذاعت الصحف وألحت في الإذاعة أنَّ وزيرًا الْتَوى على الدَّولة بالضرائب ثلاثة أعوام، فلمَّا كثر إلحاح الصُّحف أذاعت الوزارة أنَّ هذا الوزير ليس مَدِينًا للدولة بشيء، وتحدثت الصحف بعد ذلك بأنَّ الوزير إِنَّما أدى الضرائب بعد أن كثر عنها الحديث، وفي أثناء ذلك كانت قصة ذلك الظلم الفاحش الذي أنزل بأهل أبي جرج، والذي لم يُرفع إلا بعد إلحاح من الصحف وافتضاح لهذه الأمور.

كل هذه السيئات وسيئات أُخرى كثيرة نَسِينَاها الآن ولكن الصحف لم تنسها، وبعضها قدمت فيه أَسئلة من بعض النُّواب إلى الوزراء، كل هذه السيئات قد ذاعت وانتشر أمرها، وتحدث الناس بها، ولم تتخذ الوزارة أو لم تكد تتخذ بإزائها موقفًا واضحًا صريحًا حتى يئس الناس من كل إصلاح، وحتى خُيِّل إلى الناس أنَّ هذه السيئات وأمثالها كانت سيئات في العصور الماضية، أما الآن فقد أَصْبَحَتْ من الأشياء الطبيعية التي لا بأس بها ولا غبار عليها.

وفي جو الوزارة الآن قِصَّة أُخرى يُخَيَّل إلى كثير منَ النَّاسِ أن لا غبار عليها من جهة الشكل كما يقولون، ولكنها تصور أصدق تصوير وأبشعه، ما وصلت إليه أخلاقنا السياسية وما انتهى إليه فهمنا لهذه الأخلاق، وهذه القِصَّة مُتَّصلة بمدير الأمن العام أحمد كامل بك لم يخلقها هو، وإِنَّما خُلِقَتْ له خلقًا، ودفع إليها دفعًا، وأكثرت الصحف الحديث عنها ورواية أخبارها للناس.

وكان مدير الأمن العام أحمد كامل بك يعمل في ظل خاله صدقي باشا كما يعمل غيره من الموظفين، ولَعَلَّه قد ظفر بما يظفر به الموظفون المقربون من بعض الحظوة في هذه الأيام؛ فقد رُفِعَ مرتبه فجأة في آخر عهد الوزارة السابقة، وكَانَ اثني عشرة مائة، فبلغ خمس عشرة مائة من الجنيهات. وقُلنا في ذلك يومئذٍ ما قلنا فلم تسمع الوزارة لما قلنا، ولم تحفل به، ثم قدم صدقي باشا استقالته، أو أعلن رغبته في الاستقالة، ثم أعلن عدوله عن هذه الرغبة. وإذا هذا الموظف الكبير الذي كانت الدولة قد عرفت له كفايته، وحُسْنَ بَلائِهِ في حماية الأمن وحقن الدماء وصيانة الأنفس والأموال، فزادت مرتبه ثلاثمائة من الجنيهات، يندب للعمل في مجلس الوزراء، ويُحَالُ بينه وبين إدارة الأمن العام، ويتحدث النَّاسُ بِأَنَّ بَقَاءَه في هذه الإدارة غير مرغوب فيه. ثم يستقيل خاله أو يُقَالُ، وإذا بقاؤه في الحكومة كلها غير مرغوب فيه، وإذا هو يطلب إجازة طويلة فتأباها الحكومة عليه وتمنحه إجازة قصيرة، ثم تنتهي هذه الإجازة، ولم تجد الحكومة له عملًا، فيمد إجازته، وتمدها له الوزارة، وهو في أثناء ذلك يقبض مرتبه في آخر كل شهر؛ لأنَّه لم يمتنع عن العمل، ولكن الوزارة لا تجد له عملًا. ثم يستيئس من الوزارة، وتستيئس الوزارة منه، فيطلب أنْ يُحَال على المعاش، وأن تمنحه الحكومة أعوامًا تُضَمُّ إلى مدة خدمته ليستحق نصف المعاش؛ أي ليستحق خمسين وسبعمائة من الجنيهات في كل عام. ولا ترى وزارة الداخلية بأسًا بقَبول هذا الطلب، فتقره فيما يُقال، وتطلب إلى اللجنة المالية وإلى مجلس الوزراء إقراره والمُوافقة عليه. ومعنى هذا أنَّ الوزارة القائمة تضيق بموظف من الموظفين لا لشيء إلا لأنها لا تحبه أو لا تحب خاله صدقي باشا؛ فتضطره إلى أن يطلب الإحالة على المعاش، وهو لا يكره ذلك، ولكنه لا يريد أن يُحال على المعاش عفوًا، فله شروط يمليها، والوزارة تقبل هذه الشروط لتتخلص منه. وليس على الوزارة بأسٌ بقبول هذه الشروط؛ فوزير الدَّاخلية الذي قبلها فيما يُقال لن يَدْفَع لمُدير الأمن العام شيئًا من جيبه الخَاص، وزُملاؤه الوزراء إن قبلوا هذه الشروط لن يدفعوا لمُدير الأمن العام شيئًا من أموالهم الخاصة، وإنما الدولة هي التي تدفع. والذين يقبلون أن تدفع الدولة لبعض المقاولين خمسين ألفًا من الجنيهات، لا يكرهون أن تبلغ الدولة بمدير الأمن العام نصف المعاش وإن لم يخدم الدولة مُدَّة تكفي لبلوغه نصف المعاش!

ومعنى هذا أيضًا أنَّ مدير الأمن العام كان أثيرًا عند الوزارة السابقة لمكانه من صدقي باشا، وأنه بغيض إلى الوزارة القائمة لمكانه من صدقي باشا. وأن مكانه من صدقي باشا قد زاد مرتبه في ظل الوزارة السابقة ثلاثمائة من الجنيهات، وأن مكانه من صدقي باشا سيزيد مُدَّة خدمته في ظل هذه الوزارة ثلاثة أعوام ونصف العام.

وأنه قد استفاد وسيستفيد من هذه القَرَابة، سَواءٌ أحبته الوزارة أم أبْغَضَتْهُ. فَأَمَّا كِفَايَته الخَاصَّة وَحَقُّه الخَاص، ومَنْفَعَته الملائمة للكفاية والحق والقانون، فأمَّا أموال الدولة وحمايتها والقيام عليها بالعدل والنزاهة والقسط، فكل هذه أمور ليس من الضروري أن يُفكر فيها أحد، بل قد يكون من الضروري ألا يفكر بها أحد.

ومعنى هذا أيضًا أنَّ مدير الأمن العام وهو يرى ما يرى، ويشهد ما يشهد، لا يرى بأسًا بأن يقبل الزِّيادة التي تُهْدَى إليه في ظل خاله، ولا يرى بأسًا بأنْ يطلب الزِّيادة التي يرغب فيها في ظل هذه الوزارة قوم يهدون إليه الزيادة أو يجيبونه إليها، فلم يرفضها أو يزهد فيها، وقوم يريدون إبعاده عن العمل، ولم يطلب هو أنْ يترك العمل، فلم يَقْبَل مِنْهُم ذلك دون أن ينال عنه تعويضًا. فأمَّا الحق والعدل، وأموال الدولة والمَصْلَحة العَامَّة لم يفكر هو فيها، ولم يفكر فيها الوزراء!

ومعنى ذلك أيضًا أن كثيرًا من الموظفين الذين ليسوا أقل كفاية من مدير الأمن العام وليسوا أقل منه نفعًا لبلادهم، ولا جِدًّا في خدمة الوطن، ما يزالون يعملون، ويَجِدُّون في ذمة وصدق وإخلاص ونشاط، منهم من يعمل في الدواوين، ومنهم من يعمل في القضاء، وهم يتقاضون على أعمالهم أجورًا لا تبلغ نصف المعاش الذي سيتقاضاه مدير الأمن العام بعد أن يُقْصَى عن منصبه إن أجابته الحكومة إلى ما يريد.

أفتَظُنُّ أَنَّ هذا كله يُلائم الأخلاق السياسية المُسْتَقيمة؟ أفتظن أن هذا كله يبعث في نفوس الناس عامة، وفي نفوس الموظفين خاصة ثقة بالعدل والنزاهة الذين يَجِبُ أَنْ تمتاز بهما الوزارات في بلد مُتَحَضِّر يقدر القانون فضلًا عن النزاهة الخالصة واستقامة الأخلاق.

أفَتَظُنُّ أَنَّ مِنْ شَأْنِ هذا كله أن يقنع الموظفين بأنَّ العاملين يؤجرون على أعمالهم بالعدل، لا فضل لأحد منهم على أحد إلا بالكفاية والإخلاص في خدمة الدولة، ويحيي في نفوسهم الأمل بأنَّ أعمالهم لن تضيع وخدمتهم للدولة لن تهدر ويعصم نفوسهم من الشك فيما سيصيرون إليه مهما يبذلوا من جهد ومهما يصطنعوا من إخلاص؟ كَلَّا، إن هذه السيئات التي أشرنا إليها في هذا الفصل كله خليقة أن توئس الناس من العدل وتدفعهم إلى الشك في كل شيء واليأس من كل شيء والاستهانة بكل شيء، وإرسال غرائزهم على سَجِيَّتِهَا والتماس مَنَافِعِهم العَاجِلَة حيثُ يَجِدُون السبيل إليها. وما لهذا تحضرت الشعوب، وما لهذا كان الرقي، وما لهذا أُقيمت نظم الحكم، وما لهذا شرعت الدساتير والقوانين. والغريبُ أَنَّا نقرأ في هذه الأيام كل صباح وكل مساء أن فضيحة من مثل هذه الفضائح التي تفسد جونا المصري قد ظهرت في فرنسا فاستقالت لها وزارة، وتعرض نظام الحكم فيها للخطر، وأنَّ هذه الفضائح التي أفسدت جونا المصري لا تكاد تظفر من أحد وزرائنا ببعض العناية اليسيرة.

ماذا يُرَادُ بنا وإلى أين نُساق؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.