ولكنه إقدام خطر قد يجر إلى الشر، وينتهي إلى ما لا يحبه المقدمون أنفسهم، وقد لا تحتمله أيضًا صحة هذه الوزارة التي أخذتها العلل من أطرافها المختلفة، فأعجزتها عن النهوض بجلائل الأعمال سواء أكانت هذه الأعمال نافعة أم ضارة.

نعم؛ إقدام خطر مريب معيب، هذا الذي أخذت تظهر آثاره وبوادره على أعمال الإدارة في الصعيد، فقد كانت الإدارة هادئة في أسوان، وكانت مستقرة تسمع، وترى، وتألم، وتغضب، ولكنها لا تضطرب أو لا تسرف في الاضطراب، بل تخلي بين الناس وبين أنفسهم، يحسون ويشعرون، ثم يعربون عما يجدون من حسٍّ وشعورٍ؛ فيختلفون ويصفقون ويهتفون وكل شيءٍ هادئ والنظام مستقر إلا أن يكون إظهار الشعور والاستمتاع بالحرية الطبيعية التي يكفلها الدستور خروجًا على النظام وتكديرًا للصفو والهدوء.

كانت الإدارة هادئة مطمئنة في أسوان حين زارها الرئيس الجليل فلم يحدث أو لم يكد يحدث شيء ذو بال، ولكن أشد الأحلام رزانة قد يخف، وأعظم الأحلام ثقلًا قد يطيش.

ويظهر أن صبر الإدارة محدود مهما يطل، وأن حلمها ضيق مهما يتسع، وأنها قد ترى ما تكره هي وإن لم يكره الدستور ولا القانون ولا النظام فتحتمله ساعة أو ساعات وتصبر عليه يومًا أو أيامًا، ثم لا تلبث أن تتنكر له وتثور به وتعرض للناس تأخذهم بكظم الحس وكتمان الشعور والنزول عن حقهم الطبيعي في أن يغدوا ويروحوا ويأتوا من الأمر ما يحبون لتكريم من يحبون.

يظهر أن الإدارة لا تستطيع أن تمضي في الصبر والاحتمال إلى مدى بعيد، وهي بذلك تقيم أوضح الأدلة وأقواها على أن كفايتها للنهوض بما تنهض به من الأعمال عرضة للشك وموضوع للريب.

فليس الحكم بطشًا ولا عسفًا، وليس الحكم تحديًا ولا تصديًا، وليس الحكم في إظهار القوة والبأس، وإنما الحكم صبر واحتمال، والحكم احتياط للطوارئ، واستعداد للحوادث، لا تعجل لها ولا إثارة للناس إلى أحداثها.

نعم؛ ليس الحكم بطشًا ولا عسفًا وإنما الحكم هو هذه القدرة التي تمكنك من أن تلاحظ وتراقب وأنت هادئ مطمئن، وأنت قوى مستعد لدفع الشر إن وقع أو خِفْتَ وقوعه.

وكل شيء يدل على أن الإدارة لو أخذت بأصول الحكم هذه فهدأت واستقرت واكتفت بالاستعداد للطوارئ ولم تتورط في إثارتها، لم يحدث شيء ولم يتعرض فرد أو جماعة لمكروه. ولكن هذا — كما قلت — شيء ليس باليسير فيما يظهر، وهو لا يكون يسيرًا ولا ممكنًا إلا يوم تحيا الأمة والحكومة حياة واحدة وتشعران شعورًا واحدًا وتشتركان اشتراكًا صحيحًا في المنافع والآمال والمثل العليا. هنالك تستطيع الأمة أن تعيش حرة، وتستطيع الحكومة أن تحمي هذه العيشة الحرة، مؤيدة لها مقوية لما فيها من أسباب الحياة وعناصر الحرية.

ولكن الأمر في مصر على غير هذا من كل الوجوه؛ فللأمة حياتها وآمالها وللحكومة حياتها وآمالها، وبين هذين النوعين من الحياة والآمال آماد بعيدة لا سبيل إلى تقصيرها أو تقريبها؛ تريد الأمة أن تحيا حرة وتأبى الوزارة إلا أن تقص من جناح هذه الحرية، تحب الأمة من تحب من الزعماء فتلقاهم فرِحة بهم، مستبشرة بلقائهم، مؤملة فيهم، وتكره الوزارة هؤلاء الزعماء الذين تحبهم الأمة وتعقد بهم الآمال.

تكرههم الوزارة؛ فتحول بينهم وبين الحركة والانتقال إن وجدت من نفسها القوة على ذلك، وتدعهم وما يريدون إن عجزت عن أن تحبسهم في بيوتهم، ولكنها تتنكر وتتنمر وتتحدى وتتصدى وتظهر من ألوان الشدة ومظاهر القوة والبأس ما يثير ويغري بالشر، حتى إذا وقع الشر أو كاد اتخذت من هذا سبيلًا إلى مصادرة حرية الزعماء والناس وحجة على استقرار النظام في حاجة إلى أن تستقر الأمة؛ فلا تحس ولا تشعر ولا تعيش!

ما هكذا يكون الحكم وما هكذا يكون إقرار النظام.

ما هذه الأنباء التي أخذت تَرِد من الصعيد بالاصطدام بين الناس والشرطة في الأقصر، وبتحطيم سيارات، وإصابة أفراد من الناس والشرطة بجراحات، ومن محاصرة بيوت واقتحام أخرى، ومن استصدار أوامر من النيابة بالقبض على بعض الناس؟!

ما هذا كله؟! وفيمَ هذا كله؟! ولأي خطر تتعرض البلاد لتقف الإدارة من الناس هذا الموقف وتثير شعورهم على هذا النحو؟! ما وضع المحطات تحت الحصار؟! وما مرافقة الرئيس الجليل وصاحبه في القطار؟! أتريد الحكومة أن يشعر الناس بأنها قوية وأن لديها شرطة مسلحة بالبنادق والعصي وأن هذه الشرطة قادرة على تفريق المجتمعين وتبديد المختلفين وإسكات الهاتفين؟! فإن أحدًا لم يشك في أن للحكومة شرطة وجيشًا وفي أن عندها بنادق وعصيًّا، وفي أن من وراء هذه الشرطة وهذا الجيش جيشًا آخر قويًّا أجنبيًّا مستعدًّا للنصر والتأييد. ولكن عمل الشرطة والجيش إنما هو أن يجيبا إذا دُعِيَا، فمن الذي دعاهما؟! ومن الذي طلب إليهما أن يعرضا للناس وهم آمنون؟!

ولم يشك أحد في أن الحكومة قادرة إن أرادت على أن تبطش بالناس، وقد أرادت ذلك غير مرة، فبطشت بالناس وأذاقتهم ألوانًا من المكروه، ولكن الشيء الذي نشك فيه جميعًا، بل لا نشك وإنما نوقن به، هو أن هذا البطش لا خير فيه، وإنما هو الشر كل الشر، والخطر كل الخطر.

لقد بطشت الحكومة بالناس غير مرة؛ فكان القتلى وكان الجرحى، وكانت الخطوب والأهوال. ولم تظفر الحكومة بعد هذا كله، ورغم هذا كله، بشيء مما كانت تريد. فلا هي جذبت إليها قلوب الناس، ولا هي هدأت عن نفسها سخط الناس، ولا هي صرفت الناس عن من يحبون، ولا هي زهَّدت الناس فيما يحبون، وإنما انتهت بها سياسة التحدي والتحرش إلى عكس ما كانت تريد. فما أحبَّ الناسُ حريتَهم كما يحبونها اليوم، ولا حرص الناس على استقلالهم كما يحرصون عليه اليوم، ولا تعلقت قلوب الناس بدستورهم القديم كما تتعلق به اليوم، ولا وثق الناس بزعمائهم وقادتهم كما يثقون بهم اليوم، ولا يئس الإنجليز من سياسة اللعب والمداورة والعسف والبطش كما ييأسون منها اليوم، ولا فشل حكم الإرهاب والإرهاق كما يفشل اليوم.

تستطيع الحكومة أن تنظر وأن تسمع حيث شاءت ومتى شاءت، فلن ترى ولن تسمع إلا حبًّا للحرية لا يشبهه حب وكلفًا بالديمقراطية الصحيحة لا يشبهه كلف، وازدراء للخطوب واستهزاء بالصروف واستعدادًا للصبر واحتمال المكروه.

لم يصل اليأس بعد ولن يصل إلى قلوب الناس؛ فما تَعلُّق الحكومة بما لا سبيل إليه؟! وما تهالُك الحكومة على ما لا خير فيه؟! هذه الأمة تحيا حياتها هادئة مطمئنة، تنظر إلى الحوادث صابرة عليها جَلِدة لها معتصمة بإيمانها، واثقة بالمستقبل، مُعْرِضة عن الحكومة، تاركة لها تسلك طريقها المعوج؛ فما للحكومة لا تحيا هي الأخرى حياتها ولا تدع الأمة وما تريد؟!

نعم؛ في مصر حياتان مختلفتان، إحداهما حياة أمة كلها أمل فهي تصبر وتبتسم، والأخرى حياة وزارة كلها يأس فهي تغضب وتتنكر وهي تهيج وتثير الناس. وأي غرابة في أن يضيق من يملأ قلبه اليأس بمن يملأ قلبه الرجاء؟!

إقدام خطر هذا الذي تظهر آثاره في الصعيد خير منه الإحجام. ما أشدَّ حاجةَ الوزارة إلى أن تفكر في نفسها وتُعْنَى بصحتها، وتعالج هذا الشلل الذي أصاب أطرافها، وتفرغ لهذا التمرد الذي دبَّ في أحزابها! فإن في هذا كله ما يشغلها عن زيارة الرئيس الجليل وصاحبه للصعيد؛ لتفرغ الحكومة لشئونها الصغيرة والكبيرة، ولتطمئن فلن يتعرض النظام ولا الأمن للخطر ولا لما يشبه الخطر إذا أخذت هي رجال الإدارة بالهدوء وكفَّتْ هي يدَ الإدارة عن الناس.

إنَّ استقرارَ النظامِ رهينٌ باستقرارِ الإدارةِ؛ فإذا لم يَكُن بُدٌّ من أن تعمل الحكومةُ شيئًا فلتجذِبْ إليها بِشِدَّة لُجُمَ الإدارةِ، فقد يظهر أن في خَيْلِ الإدارة ميلًا إلى الجموح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    isaq ·٢١ أبريل ٢٠١٦، ٩:٣٩ ص

    السلام علیکم و رحمة الله و برکاتههل کان کتاب حدیث المساء موجود مع تشکیل الکلمات و بیان حرکاتها؟مشکور