أظنه الاستجواب الثاني في تاريخ مجلس النواب القائم، فأما الأول فكان حول الجامعة، وكان المجلس حريصًا كل الحرص على أن يتعجَّل اليوم الذي يُعرض فيه؛ لأن حياة الدولة يومئذ كانت تتعرض لخطر شديد.

وقد عُرض هذا الاستجواب وخرجت منه الحكومة ظافرة، وخرج منه المجلس منتصرًا، وخرجت منه الدولة آمنة على حياتها، مطمئنة على مستقبلها، وخرجت منه الأمة سعيدة راضية واثقة بأنها لن تتعرض لظمأٍ ولا جوعٍ.

ونظر الإنجليز إلى ظفر الحكومة وانتصار المجلس وأمن الدولة وابتهاج الأمة نظرة فيها ابتسامة ساخرة راضية معًا: تسخر من عناية الحكومة والبرلمان بأيسر الأمور، وترضى لأن الجامعة برئت من بعض العناصر الخطرة على سياسة الاستعمار.

أما الاستجواب الثاني فهو هذا الذي تحدث المجلس أمس في تحديد موعده، وهو استجواب أقل ما يوصف به أنه ضئيل الخطر، يدل على فراغ البال والعناية بصغائر الأمور؛ فهو يدور حول جبل الأولياء، وأي شيء يكون جبل الأولياء؟ وأي قيمة أو خطر لهذا الخزان الذي إن أنشئ لم ينفع ولم يضر، وإن لم ينشأ لم تربح مصر شيئًا ولم تخسر شيئًا؟ لهذا كان المجلس ضيق الصدر بهذا الاستجواب وبالذين قدموه، وكيف لا يضيق صدر المجلس بهؤلاء الذين يضيعون وقتهم، ويريدون أن يضيعوا وقته فيما لا يغني ولا يفيد.

والظاهر أن أصحاب الاستجواب قد أحسوا ضيق صدر المجلس، فضاقت صدورهم هم أيضًا بهذا الاستجواب؛ لهذا كان المجلس متبرمًا أمس، حريصًا على ألا يُحدد موعدًا يخطب فيه الخطباء، ويرد فيه الوزراء.

وكان صاحب الاستجواب فاترًا في الإلحاح يدور حوله ولا يتورط فيه، وكان زعيم المعارضة — كما تسميه الأهرام — فاترًا أيضًا يضرب الأمثال بفرنسا مرة، وببلجيكا مرة أخرى، ولم يكن الوزراء أقل فتورًا من الأعضاء. فأما وزير الأشغال أصالة والمالية نيابة، فقد تخفف من الحمل وبرئ من التبعة، وأعلن أن رئيس الوزراء يريد أن يرد بنفسه على هذا الاستجواب.

ورئيس الوزراء — كما تعلم — مريضٌ، وقد يأذن له الأطباء في إمضاء الأوراق، وفي الذهاب إلى أحد مكتبيه أو إليهما في المالية والرياسة، إن ألح في ذلك أو أصر عليه، ولكن الوقت الذي يسمح فيه مرضه بأن يسمع فيطيل الاستماع، ويتكلم فيطيل الكلام، بعيدٌ فيما يظهر، قدَّره وزير الحقانية بشهر، ووافقه المجلس على هذا التقدير. والشهر أمد قصير جدًّا في حياة مجالس النواب، ولا سيما حين تكون دورتها قصيرة، وحين تكون مشرفة على نهايتها.

والشهر على ذلك أمد قصير تقع فيه حوادث قد تجعل الاستجواب غير مفيد؛ لأنه تأخر عن إبانه، وقد تثير ما يضطر أصحابه إلى استرداده، وقد تثير ما يدعو الحكومة إلى أن تطلب تأجيله إلى أجلٍ غير مُسمى، وقد يتم فيه نظر العطاءات والاتفاق مع الذين يقيمون الخزان، فيصبح الاستجواب درسًا من دروس التاريخ، ومناقشة حول مسألة تاريخية خالصة: أكانت الحكومة مصيبة أم كانت مخطئة حين مضت في إقامة الخزان برغم المصريين وبرغم الإنجليز معًا في ظاهر الأمر؟ والمناقشات التاريخية قيمة جدًّا، ولكن مكانها — كما تعلم — في غرفات المدارس وحجراتها لا في قاعات مجلس النواب.

وإذن فقد أُجِّل الاستجواب شهرًا! ومن الآن إلى أن ينقضي هذا الشهر ستشرق الشمس ثلاثين مرة، وستغرب الشمس ثلاثين مرة، وستتألق النجوم، وتكثر الهموم، ومن يدري؟ لعل همًّا حادثًا يصرف عن همٍّ قديم، ثم يقال بعد ذلك: إن سادة مصر ينظرون إليها نظرًا فيه شيء من الجد، ويُصرِّفون أمورها تصريفًا فيه شيء من العناية الصحيحة.

كلا، إنما ينظر المسيطرون على مصر إلى مصر نظرةً كلها سخرية واستهزاء، ولو قد عُني المسيطرون على مصر بشئونها عنايةً صحيحةً فيها شيء من الجد ولو قليل، لما أقام رئيس الوزراء في الحكم وهو مريض يعجزه مرضه عن العمل، فتتعطل المصالح، وتضيع المرافق، ويمرض معه البرلمان، ويصبح نشاط مجلس النواب رهينًا بنشاطه، وحياة مجلس النواب موقوفة على حياته.

استطاع رئيس الوزراء أن يتابع نشاط البرلمان شهرًا ونصف شهر، ثم مرض منذ شهرين، فمضى البرلمان في طريقه كما استطاع مضطربًا متعثرًا إلا حين يذهب أعضاؤه إلى الزمالك، أو إلى مينا هاوس ليظهروا أسفهم لمرض الرئيس، واغتباطهم بشفاء الرئيس، وأملهم في نشاط الرئيس، فأما فيما عدا ذلك فمرض يشبه الشلل — كما قالت الأهرام منذ أيام.

وتثار في المجلس مسألة لها خطرها؛ لأنها تمس حياة مصر من جميع فروعها، فيجاب النواب بأن رئيس الوزراء مريض، وهو يريد أن يقول في هذه المسألة قوله، فانتَظِروا حتى يطلق اللَّه لسانه ويأذن له بالكلام، ويقبل النواب مثل هذا راضين عنه، مبتهجين له، كأنهم إنما أقبلوا إلى البرلمان ليكونوا رهنًا بأمر الرئيس ورغبة الرئيس، وكأن مصالح مصر ومرافقها وحياتها أهون عليهم من صحة الرئيس!

وقد انقضى الشهر ولم تسمح صحةُ رئيس الوزراء له بأن يشهد جلسات المجلس ويشترك في أعماله، فماذا يصنع الوزراء وماذا يصنع النواب؟ وماذا يصنع المستجوبون؟ سيطلب الوزراء التأجيل شهرًا آخر حتى ينشط الرئيس، وستلح الأغلبية في هذا التأجيل وتبتهج له؛ لعلها ترى الرئيس، وستتورط الأقلية فتبتهج كغيرها لهذا التأجيل لعلها تبدأ معارضتها بالترحيب بالرئيس وتهنئته؛ لما ساق الله إليه من شفاء.

وفي أثناء ذلك تمضي الحكومة في إقامة الخزان لا تلوي على شيء. أجدٌّ هذا أم هزل؟ أعناية هذا أم إهمال؟

وأغرب من هذا كله أن جواب رئيس الوزراء معروف؛ فهو لن يزيد على هذا الجواب الذي أرسل إلى زعيم المعارضة في المجلس — كما تسميه الأهرام — حين قدم سؤالًا في هذا الموضوع، فأجيب بأن الأمر من حق السلطة التنفيذية لا من حق البرلمان.

لن يزيد رئيس الوزراء إن تكلم عن هذا المعنى، وسيغضب المعارضون، وستُكرِهُهم الأغلبية على الصمت، وسيصوغ بعض الأعضاء اقتراحًا فيه الثقة بالوزارة، والانتقال إلى جدول الأعمال، وستقبل الحكومة هذا الاقتراح وتقبله الأغلبية، وتخرج الحكومة ظافرة، ويخرج المجلس ظافرًا، ويبتسم الإنجليز ابتسامة فيها سخرية ورضًى. لن يكون شيء غير هذا إن أذن اللَّه لرئيس الوزراء بالنشاط.

وإذن فلِمَ لا يُمثَّل هذا الفصل بعد عشرة أيام؟ ولم يُؤجَّل هذا التمثيل شهرًا كاملًا؟ ولمَ يحرص رئيس الوزراء على أن يشترك في هذا التمثيل؟ أهو شيء عظيم جدًّا لا يريد رئيس الوزراء أن يفوته الاشتراك فيه؟ أهو شيء خطر جدًّا لا يأمن رئيس الوزراء أن يَكِله إلى وزير الأشغال أصالة والمالية نيابة؟

فإن تكن الأولى فما موضع العظمة في هذا الفصل التمثيلي؟ وإن تكن الثانية فما موضع الخطر؟ إن الناس جميعًا يعلمون حق العلم أن الحكومة قد أخذت نفسها بإقامة الخزان، وأنها ستمضي في إقامته دون تردد ولا إبطاء مهما تكن الظروف، ومهما يقل النواب، لا يصرفها عن ذلك إلا سقوط الوزارة.

ولعلك قرأت الأهرام أمس، ولعلك فهمت أن الأمور مرهونة بأوقاتها، وأن سقوط الوزارة قد يكون، ولكن في الوقت الموقوت، وهذا الوقت الموقوت قد يكون في يونيو، وقد يكون في يوليو، وقد يكون قبل ذلك، وقد يكون بعد ذلك، ولكنه لن يحين إلا بعد أن يتم التدبير والتقدير لإقامة الخزان. فليُؤجَّل الاستجواب شهرًا، وليُؤجَّل الاستجواب شهرين، وليُنظَر الاستجواب قبل الشهر أو قبل الشهرين؛ فلن تفيد مصر من تأجيله أو تعجيله شيئًا!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.